الجمعة 1 يوليو 2022 06:19 م

حُمَّى الغاز في المتوسط

الغاز الطبيعي يشكل محور التقارب والتباعد والصراع ونشوء المحاور في العلاقات الإقليمية بين دول الشرق الأوسط وحوض المتوسط.

حرب خفية للبحث عن الغاز الطبيعي في البحر المتوسط تدور رحاها بين تركيا واليونان مع قبرص، وإسرائيل مع مصر ولبنان وقطاع غزة.

الحاجة كبيرة عربيا للمياه ليس للحاجات المنزلية والصناعية فقط بل لمواجهة متطلبات الإنتاج الزراعي العربي، لئلا يبق العرب منكشفين غذائيا حيال العالم.

تبحث غزّة المحاصرة والمعرّضة دائما لعدوان إسرائيل عن فرصة للحياة الكريمة يكون مفتاحها استثمار كميات الغاز الكبيرة والقريبة من شواطئها شرق البحر المتوسط.

لا بد من وضع استراتيجية عربية واضحة للتفاوض مع القوى العالمية وسيكون الغاز والمياه ركنين أساسيين فيها إنها أيام صعبة سياسياً وحرجة وجودياً، وذات أثر بعيد على مستقبل العرب.

* * *

هل يشهد البحر الأبيض المتوسط ما يمكن أن نسمّيها "حُمَّى الغاز"، أو "التهافت على الغاز". وما يجرّه هذا الأمر من تغيرات في العلاقات الدولية؟

فمنذ أن اكتشفت إسرائيل موقعين في شرق البحر المتوسط، وبدأت في استثمارهما، حوض الحوت (أو ليفاياثان) وآخر قبله وأصغر بكثير، والحرب الخفية للبحث عن الغاز الطبيعي في هذا البحر الاستراتيجي تدور رحاها بين تركيا واليونان مع قبرص، وإسرائيل مع مصر ولبنان وقطاع غزة.

والكل يريد أن يبحث عن الغاز، ويسمّي جزءاً منه ثروة وطنية خاصة به. ولكن الحسم لم يعد للحقوق وفق القوانين الدولية المرعية، بل صار التنافس على أشُدِه وفقاً لقانون الغاب، والقوة العسكرية التي تستخدمها الدول ضد الدول المتوسطية الأضعف، أو التهديد باستخدام تلك القوة.

وحتى القضايا التي تصل إلى المحاكم الدولية، وبَتَّت بها، مثل الخصومة الشرسة بين تركيا من ناحية، واليونان وقبرص اليونانية (إن جاز التعبير) من ناحية أخرى، فإن هذا لا يغير من الواقع المفروض شيئاً.

ولبنان وإسرائيل تتفاوضان بشكل غير مباشر عبر وسيط أميركي. ووفقاً لترسيم الحدود البحرية بينهما سوف تتحدد حصة كل دولة من احتياطي الغاز الذي سيؤول إليها. ولكن إمكانية الوصول إلى تحديد مسار الخط الفاصل بين لبنان وإسرائيل في البحر المتوسط سيواجه مشكلاتٍ مثل مشكلة تصديق مجلس النواب اللبناني على الاتفاقية.

ويتهم بعضهم مقدماً حزب الله اللبناني بأنه سيكون العقبة الكبرى أمام تصديق اتفاق كهذا، لِما قد ينطوي عليه من آثار سلبية على نفوذ الحزب داخل لبنان، إذا تحسّنت اقتصادياته وقلّ تأثير إيران داخل لبنان.

ومن ناحية أخرى، تبحث غزّة المحاصرة والمعرّضة لعدوان إسرائيلي، في أي وقت طوال الوقت، عن فرصة للحياة الكريمة يكون مفتاحها استثمار كميات الغاز الكبيرة والقريبة من شواطئها في شرق البحر المتوسط.

ولكن إسرائيل والدول المساندة لها ترفض الوصول إلى نتيجة كهذه، قبل أن تعترف حماس، حسب شروطهم، بإسرائيل، وبقبولها التخلي عن خيار المقاومة المسلحة ضد إسرائيل.

وفي المقابل، نرى أن مصر تتطلع أيضاً إلى رفد موجوداتها من الغاز من الاحتياطي الضخم الرابض في مياه البحر المتوسط.

وفي ظل هذه الحقائق كلها، عقد محللون غربيون مقارنة بين غاز البحر المتوسط من ناحية، و"حمى الذهب" التي اندلعت في الولايات المتحدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد اكتشاف الذهب في الغرب الأميركي، خاصة بولاية كاليفورنيا.

وحين بدأ الناس ينتقلون إلى أرض مفتوحة، ويحصلون على رخصة للتنقيب عن الذهب. ومتى ما عثرت جماعة على الذهب استُهدفت من جماعة أخرى أقوى منها، في غياب القانون المؤسسي المتفق عليه والسلطة القادرة على تنفيذ ذلك القانون.

وبسبب الحرب على أوكرانيا، والدائرة حالياً ليس بين روسيا وأوكرانيا فحسب، وبسبب الحرب الاقتصادية التي شنتها الدول الرأسمالية الغربية على روسيا في المقابل، الغرب راغب في مساعدة أوروبا للخروج من الهيمنة الروسية على صادرات الغاز إلى أوروبا، وعليهم أن يبذلوا كل الوسائل المتاحة من أجل تجنب كارثة اقتصادية قد تحلّ بأوروبا في فصل الشتاء المقبل، إذا قللت روسيا، تحت ظرف معين، كميات الغاز التي ترسلها إلى أوروبا أو أوقفتها كلية.

وأيضا، بدأ الغاز في منطقة الشرق الأوسط يأخذ أبعاداً استراتيجية في موازين القوى العالمية، والتي سيكون الشتاء المقبل ذروتها. ومن المفيد أن يستذكر القارئ أن الشرق الأوسط يملك، حسب إحصاءات شركة "BP (شركة بريتيش بتروليوم البريطانية) حوالي 39% من احتياطي الغاز في العالم. وتملك إيران منه نسبة تصل إلى 40%، ثم تأتي بعد ذلك كل من قطر والإمارات والسعودية والعراق.

وتبلغ كمية الاحتياطي الإجمالي في الشرق الأوسط حوالي 695 تريليون قدم مكعب. أما الغاز في البحر المتوسّط فيقدّر الموجود منه حتى الآن بحوالي 172 تريليون قدم مكعب، ويمكن أن يكبر هذا الرقم أكثر.

ولذلك، قد تجد المنطقة العربية خصوصا نفسها أمام ضغوط وإغراءات كبيرة لكي تتعاون مع الغرب في مجال الغاز، كي تصل إلى اتفاقات مع إسرائيل، ما يعني فرض ضغوط على كل من حركة حماس وحزب الله، لكي يبدأ استثمار الغاز في مياه المتوسط القريبة منهما، والواعدة بوجود احتياطي كبير فيها ينعش اقتصادات لبنان وغزّة.

الأمر الثاني محاولة الضغط على الدول المنتجة للغاز في الشرق الأوسط، لكي تبيع مزيداً منه إلى أوروبا، خصوصا خلال الشتاء المقبل. ولعل هذا الموضوع سيكون حاسماً في مؤتمر القمة المزمع عقده هذا الشهر (يوليو) بمدينة جدّة السعودية بمشاركة الولايات المتحدة من ناحية ودول مجلس التعاون الخليجي الست، بالإضافة إلى الأردن والعراق ومصر.

ولعل موضوع الغاز الطبيعي يشكل نقطة أساسية في التقارب السعودي التركي، وفي تدفئة العلاقات السعودية الأردنية، والقطرية المصرية، وترطيب الأجواء بين السعودية وإيران في اليمن، وستبقى الزيارات السياسية المكوكية قائمة بين قادة دول المنطقة إلى أن تسفر الأمور، في نهاية المطاف، عن موقف منسّق حيال المطالبة الغربية بالضغط أو بالإغراء.

الموضوع الثاني الذي سوف يكتسب أهمية متزايدة بعد ذلك التعاون العربي والإقليمي في مجال المياه، فالحاجة كبيرة لهذه المادة الاستراتيجية، ليس للشرب والحاجات المنزلية والصناعية فحسب، ولكن من أجل مواجهة متطلبات زيادة الإنتاج الزراعي العربي، سعياً منهم ألا يبقوا منكشفين حيال العالم في غذائهم.

ومن هنا لا بد من وضع استراتيجية عربية واضحة للتفاوض مع القوى العظمى في العالم. وسيكون كل من الغاز والمياه ركنين أساسيين فيهما.. إنها أيام صعبة سياسياً، وحرجة وجودياً، وذات أثر بعيد على المستقبل العربي برمته.

* د. جواد العناني سياسي وخبير اقتصادي

المصدر | العربي الجديد