الخميس 4 أغسطس 2022 09:34 ص

في عصر المعلومات: سلوك قلق جديد

انتشار وترسخ ظاهرة يتحدث عنها الغرب بقلق متزايد: ظاهرة موت الخبير، موت العالم المتمكن من المعرفة.

لا نرى على شبكات التواصل الاجتماعي أسئلة تستفسر، ولا تراجعاً أو شكوكاً، في ما قاله المتحدث، بل تسمع فقط وثوقاً تاماً لا يتزحزح في ما يقوله المتحدث.

نحن في عصر انتشار هائل لمعلومات مثيرة لأنواع لا حصر لها من العواطف والأفكار البدائية الخاطئة، التي لا تؤدي إلى المعرفة العقلانية المتوازنة المتواضعة.

التعامل مع المعلومات، لئلا ينقلب إلى سلوكيات مضحكة أو مضرة يحتاج أن يكون في قائمة مسؤوليات هذا العصر الذي لا يتعب من توليد المشاكل المقلقة.

* * *

المتابع للنقاشات التي تدور عبر شبكات التواصل الاجتماعي العربية، سيلاحظ في الحال أن أغلبية المتناقشين يتصرفون وكأنهم خبراء ضليعين في الموضوع الذي يجري النقاش بشأنه.

إنهم يؤكدون انتشار وترسخ ظاهرة يتحدث عنها الغرب بقلق متزايد: ظاهرة موت الخبير، موت العالم المتمكن من المعرفة، إذ أصبح الكثيرون في الغرب، من بين الناس العاديين، لا يثقون في العالم الخبير، وإنما في قدراتهم وفهمهم وتجاربهم الشخصية.

وقد بدأ خبراء الطب والقانون والعلوم النفسية وغيرها من حقول المعرفة يشيرون إلى ظاهرة عدم استماع الناس العاديين لآرائهم العلمية ونصائحهم، ويفعلون ما يرونه صحيحاً، اعتماداً على إشاعات أو ثرثرات أو مصادر مشكوك في كل محتوياتها.

ولذلك فأنت لا تسمع على شبكات التواصل الاجتماعي أسئلة تستفسر، ولا تراجعاً أو شكوكاً، في ما قاله المتحدث، وإنما تسمع فقط وثوقاً تاماً لا يتزحزح في ما يقوله المتحدث.

وهذا يحدث على الأخص عند مناقشة المواقف السياسية، أو العقائد المذهبية، أو محاولة فهم الأوضاع الجارية. والنتيجة هي أن تصبح المناقشات غير منضبطة ولا معتمدة على معلومات علمية، وتنتهي بصراخ وقطيعة، ومن دون أي حسم معقول لموضوع المناقشة.

إسأل الأطباء وسيخبرك بعضهم بأن مرضاهم أصبحوا يخالفونهم الرأي والنصح، وسيحيلون الطبيب إلى مصدر قرأوه على شبكة الإنترنت، وليس إلى مقال في مجلة طبية محكمة.

وأسأل علماء النفس بشأن لجاجات بعض الآباء والأمهات تجاه تشخيصهم لأمراض أطفالهم أو لسلوكيات أحفادهم، إذ أنهم أدرى بأحوال أطفالهم وأحفادهم من طبيب أو عالم النفس.

وأصبح كل من هب ودب لهم أراؤهم واقتناعاتهم حول الأغذية الضارة وحول مياه الشرب والنوم ونوع وكمية الرياضة. ما الذي حدث؟

أغلب الظن هو الانفجار المعرفي السطحي، والمستعمل بانتهازية في الشبكات الإلكترونية والتواصلية، وأنه أيضاً نشر المقولة الشعبية بأن المعرفة قابلة لأن يفهمها ويستعملها كل البشر، وأنها ما عادت حكماً على أحد.

الجميع متساوون في الفهم وفي الاستفادة، وأنه أيضاً كرد فعل لفضائح بعض الخبراء والعلماء العلمية والأخلاقية والضميرية، بل قد يكون أيضاً بسبب فقدان الكثيرين ثقتهم في السياسيين ومؤسسات الحكم ومراكز البحوث ومؤسسات الإعلام، وحتى مؤسسات الدين ليصبح الشك وعدم الثقة في كل شيء أحد أبرز سمات العصر الذي نعيش.

دعنا نذكّر بالذين شككوا في وجود فيروس كورونا -19 وأكدوا أن الفيروس ما هو إلا مؤامرة، وبالذين كتبوا وقالوا إن اللقاحات ضد كورونا ما هي إلا حبكة استغلالية لزيادة ثروات شركات الأدوية، ورجوعاً إلى الوراء نذكر بالذين شككوا في وجود فيروس الإيدز. نحن هنا لا نتحدث عن الألوف، وإنما نتحدث عن الملايين من البشر في العصر الذي نعيش.

نحن الآن في عصر الانتشار الهائل للمعلومات، المتناثرة والمتناقضة والمثيرة لأنواع لا حصر لها من العواطف والأفكار البدائية الخاطئة، التي لا تؤدي إلى المعرفة العقلانية المتوازنة المتواضعة.

أما الحكمة في الحياة العامة وحياة الجماعات فقد أصبحت من النوادر. لا أحد ينكر أن العلماء والخبراء يمكن أن يرتكبوا الأخطاء، لكن ذلك لا يبرر المكانة التي يريد البعض أن يوصلهم إليها من خلال الاعتقاد الأعمى بالتطورات الهائلة في المعلومات، وفي وسائل انتشارها وجعلها تقترب من أن تكون من المقدسات الشعبية العامة.

مقاومة هذا المرض الجديد، مرض علاقة البشر العاديين مع الخبراء والعلماء وشعور البعض بأن تطورات العصر المعلوماتية والتكنولوجية ستغني عن الحاجة للآخرين، يحتاج أن يتعامل معه من خلال الوقاية، وهذه يجب أن تصبح من مهام المدرسة والجامعة لتضاف إلى مهامهم الكلاسيكية السابقة.

التعامل مع المعلومات، لئلا ينقلب إلى سلوكيات مضحكة أو مضرة يحتاج أن يكون في قائمة مسؤوليات هذا العصر الذي لا يتعب من توليد المشاكل المقلقة.

* د. علي محمد فخرو سياسي ومفكر بحريني

المصدر | الشروق