الأحد 18 سبتمبر 2022 08:58 ص

تعتبر زيارة الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" إلى قطر أحدث دليل على أن المصالح الواقعية تتفوق على التصورات المثالية، في الوقت الذي يعاني فيه الشرق الأوسط وسط تداعيات حرب أوكرانيا ومخاوف تراجع الاقتصاد العالمي وغياب اليقين حول المستقبل الجيوسياسي.

وتوترت العلاقات بين مصر وقطر منذ أن تولى "السيسي" السلطة في عام 2014 بعد إطاحة الجيش بالرئيس الراحل "محمد مرسي". وفي عام 2017، انضمت مصر للحصار الذي قادته السعودية والإمارات علي قطر بحجة دعمها لـ"الإخوان المسلمين" والحركات الإسلامية التي وصفتها دول الحصار بـ"الإرهابية" لكن قطر نفت هذه الادعاءات.

وفي تغير جذري لهذا الوضع، التُقطت صور "السيسي" في الدوحة يوم الثلاثاء وهو يبتسم ويصافح أمير قطر الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني". وقال "روبرت موجيلنيكي"، الباحث البارز في معهد دول الخليج العربي في واشنطن: "لا يمكن اعتبار الزيارة حدثا اعتياديا لأن العلاقة كانت متوترة لدرجة كان يصعب معها تخيل كيف سيذوب الجليد".

وكانت مصر نقطة محورية في التوترات، حيث اتهمت القاهرة الدوحة بالتدخل في شؤونها واستخدام شبكة "الجزيرة" لمهاجمتها إعلاميًا. وقال "موجيلنيكي": "إنه مؤشر آخر على أن الحكومات الإقليمية تضع جانباً تاريخ التوترات الحديث على أمل أن يتمكنوا من تعزيز العلاقات الاقتصادية".

مكاسب الغاز المسال المفاجئة

منذ رفع الحصار عن الدوحة في عام 2021، بدأت جهود مصرية قطرية لإعادة العلاقة الثنائية بين البلدين، ففي وقت مبكر من هذا العام تم افتتاح فندق فاخر في القاهرة برأس مال قطري بعد أن كان ذلك معلقا بسبب الصدع الدبلوماسيبين البلدين.

وفي يونيو/حزيران الماضي، قام الأمير القطري بزيارته الأولى إلى مصر منذ عام 2015، وتعهدت قطر أيضًا باستثمارات بقيمة 5 مليارات دولار لدعم اقتصاد مصر المتعثر.

ويسلط هذا التغير الضوء على العديد من العوامل التي ظهرت بعد الوباء وغزو روسيا لأوكرانيا.

وفي حين أن الدوحة لم ترضخ لمطالب جيرانها لإنهاء الحصار، والتي شملت إغلاق "الجزيرة"، يقول المحللون إنها أعطت إيماءة لمصر من خلال تخفيف خطابها ضد الحكومة المصرية وتخفيف دعم خصوم "السيسي".

وقالت "ميريت مبروك"، المديرة المؤسسة لبرنامج مصر في معهد الشرق الأوسط: "التقارب لا يتعلق بالمال فقط.. لو كانت قطر عرضت نفس الأموال قبل قمة العلا لما قبلتها مصر حتى لو كانت تحتاجها بشدة". 

لكن قطر نجت من الحصار وتزايد نفوذها العالمي بسبب عدة قضايا من بينها الحرب في أوكرانيا. وباعتبارها أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، فإن البلد الذي يسكنه 3 ملايين شخص فقط أصبح في مركز التدافع العالمي من أجل الطاقة، ما عزز ثرواتها الاقتصادية وثقلها السياسي.

وقال "موجيلنيكي": "بالنسبة للدوحة، فإن كونها مورّدًا مسؤولًا للغاز الطبيعي المسال أصبح مهما للغاية، وربما يكون العمل كمنصة للإسلام السياسي أصبح أقل أهمية اليوم".

في هذه الأثناء، تعرضت مصر، التي هي بالفعل واحدة من أكثر دول العالم العربي مديونية، لضربة قوية من الوباء والحرب، حيث كانت البلاد تعتمد على روسيا وأوكرانيا في كل من السياحة وإمدادات الحبوب.

وفي مارس/آذار الماضي، اضطرت مصر إلى تخفيض قيمة الجنيه بنسبة 15% مع النقص الشديد في العملة الأجنبية وارتفاع التضخم وتباطؤ الاقتصاد العالمي.

الفرص التي تقدمها مصر

تصدر تعميق العلاقات الاقتصادية أجندة رحلة "السيسي"، وفي اليوم الثاني من الزيارة وقع البلدان 3 مذكرات تفاهم، بما في ذلك واحدة بين صناديق الثروة السيادية.

وقال "هاميش كينيار" من شركة "فيريسك مابلكروفت" الاستشارية للمخاطر: "سوف تقدر القاهرة استثمارات قطر ليس فقط من أجل مصلحتها، ولكن لأنها ستساعد على تحسين التصورات الدولية عن اقتصاد مصر وقد تمنح المسؤولين مساحة أكبر في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي على قرض جديد".

لكن من غير المرجح أن تضاهي قطر القوة الاقتصادية للسعودية والإمارات في مصر، حيث استثمر البلدان بكثافة في مصر خلال السنوات الماضية وقد تزايد هذا الاتجاه مؤخرا في محاولة لتخفيف الضغط المالي على حليفتهما، وزادت استثمارات الإمارات في مصر بأكثر من الضعف خلال النصف الأول من السنة المالية 2021-2022.

وتشمل الاستثمارات الخليجية الاستحواذ على الأصول المصرية، من البنوك والموانئ إلى شركات الأسمدة. وقالت "ميريت مبروك": "كانت استثمارات الخليج طوق نجاة للاقتصاد المصري، لكن مصر أيضًا مكان جيد للقيام بأعمال تجارية، هذه الأموال ليست هبات خيرية، إنها استثمارات وتتوقع دول الخليج أن تستعيد أموالها".

ولطالما كانت العقارات في مصر استثمارًا مربحًا لدول الخليج. ولكن في السنوات الأخيرة، سعت هذه الدول للحصول على فرص في الطاقة المتجددة. وبما أن عدد سكان مصر يبلغ أكثر من 100 مليون نسمة، فإنها تقدم لجيرانها الأغنياء فرصًا للمشاريع الكبرى.

وقال "عادل هاميزيا"، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تشاتام هاوس في لندن: "هناك فرصة رائعة لدول الخليج للاستحواذ على الأصول بأسعار منخفضة. وبالرغم من تزايد الفقر، فإن مصر أكبر دولة في المنطقة ولا تزال سوقا استهلاكيا مهما".

وبدأت قطر بالفعل التحرك في بعض الصفقات قبل زيارة "السيسي" بوقت طويل. ففي شهر مارس/آذار الماضي، أعلنت شركة "قطر للطاقة" عن اتفاق مع "إكسون موبيل" للاستحواذ على حصة بنسبة 40% في منطقة استكشاف للغاز قبالة ساحل مصر على البحر المتوسط.

التضافر المصري القطري

تتمثل إحدى النقاط المضيئة في اقتصاد مصر في دورها المتزايد كمصدر للغاز الطبيعي المسال. وفي وقت سابق من هذا العام، وقعت مصر صفقة مع إسرائيل واليونان لتزويد أوروبا بالغاز، وتحاول القاهرة استغلال الفراغ الذي تركته روسيا في أوروبا لذلك خفضت استهلاكها للغاز لكي تصدّر أكثر.

ويقول المحللون إن الغاز الطبيعي المسال يمكن أن يكون مجالا مهما للتعاون بين قطر ومصر. وقد تتطلع الدوحة إلى مصر لتعزيز وصولها إلى موانئ البحر الأحمر في الوقت الذي تهدف فيه إلى زيادة شحنات الغاز الخاصة بها إلى أوروبا.

وقال "هاميزيا": "قد يكون هناك تآزر في المستقبل يجمع بين البنية التحتية للموانئ المصرية وسوق الطاقة المتنامية لقطر فيما بعد حرب أوكرانيا".

ومن المحتمل أن ترحب مصر بقطر كمشترٍ إضافي في مشروع خصخصة أصول الدولة، وقد انضم جهاز قطر للاستثمار إلى صندوق الاستثمارات العامة السعودي وصندوق الثروة السيادية لأبوظبي في تطلعهم للحصول على حصة في عملاق الاتصالات المملوك جزئيًا للدولة "فودافون مصر".

ويمكن أن تكون شهية قطر للاستثمار في مصر دليلا على التقدم في المجال السياسي. ففيما يتعلق بالنقاط الساخنة مثل ليبيا، أظهرت قطر ومصر بعض الرغبة في التسوية. وكانت الدوحة مؤيدًا رئيسيًا لحكومة الوفاق الوطني في الغرب، لكنها استضافت مؤخرا قادة من الشرق. وتتماشى قطر (أكثر من الإمارات) بشكل أوثق مع مصر حول قضايا مثل سد النهضة الإثيوبي.

وقالت "ميريت مبروك": "لم يكن الأمير القطري ليذهب إلى القاهرة، ولم يكن الرئيس المصري ليذهب إلى الدوحة لو كانت هناك فجوات ضخمة في تصورهما عن الصراعات في المنطقة. لقد اجتمع القادة للتصافح ومناقشة الأشياء التي يريدون المضي فيها قدمًا مثل الاستثمار".

لكن سيتعين على قطر أيضًا التعامل مع الاقتصاد الذي يهيمن عليه العسكر في مصر، فبينما يتابع "السيسي" خصخصة بعض أصول الدولة لجمع الأموال، فقد أدخل الجيش في كل جانب من جوانب الحياة الاقتصادية تقريبًا. وقال "هاميزيا": "إن السؤال الكبير هو ما إذا كانت قطر ودول الخليج الأخرى ستتنافس في السوق المصرية أم ستنسق استثماراتها لتحقيق قيمة أكبر".

المصدر | شون ماثيوس | ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد