لماذا يتعرض مونديال قطر تحديدا لحملة ممنهجة في الغرب؟

الأحد 20 نوفمبر 2022 10:17 م

يخوض زعيم حزب العمال البريطاني "كير ستارمر" معركة حول النسخة الحالية من كأس العالم لكرة القدم والتي تستضيفها قطر، رغم أنه معروف بحذره الشديد.

وفي أواخر أكتوبر/ تشرين الأول، قال "ستارمر": "لن أحضر المونديال حتى لو وصل منتخب إنجلترا إلى النهائي؛ بسبب سجل قطر في حقوق الإنسان.. هذا هو موقف حزب العمال".

وبعد ذلك بوقت قصير، كشفت وزيرة الثقافة في حكومة الظل "لوسي باويل"، أن حزب العمال لن يوفد بعثة تمثله إلى قطر. وقالت إن مشجعي كرة القدم من "الشواذ جنسياً" في إنجلترا وويلز غير راضين عن تنظيم المونديال من قبل دولة تجرم سلوكهم الجنسي.

ويعد هذا الموقف غير مألوف من حزب العمال، فقد انتقد "ستارمر" مؤخراً تفكير رئيس الوزراء "ريشي سوناك" عدم حضور قمة المناخ في مصر؛ معتبراً أن ذلك سيكون خطأ كبيرا، وذلك بالرغم أن وضع حقوق الإنسان في مصر أسوء بكثير من قطر على كافة المستويات.

ويقبع 60 ألف معتقل سياسي في السجون المصرية، بمن في ذلك الناشط "علاء عبدالفتاح" الذي يحمل الجنسيتين البريطانية والمصرية، والذي يتعرض لانتهاكات خطيرة كما هو حال كثير من المعتقلين الآخرين.  فهل يرى "ستارمر" أن التغير المناخي أهم من هذه الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان؟ وإذا كان الأمر كذلك لماذا لم يقدم هذا السلوك البراجماتي أيضا تجاه قطر. 

وهل سيعلق زعيم حزب العمال على سباق "الفورميولا 1" القادم في أبوظبي، رغم أن الإمارات حطمت رقماً قياسياً في سجن المعارضين، ناهيك عن تفشى الانتهاكات بحق العمال الأجانب. كما أنها تجرم الشذوذ الجنسي أيضا مثل قطر. ولكن حتى الآن لم يعلق "ستارمر" هلى هذا السباق. 

وفي الكريكيت، هل سيعلن "ستارمر" مقاطعة حزب العمال لبطولة كأس العالم في اللعبة العام المقبل، والتي تقام في الهند، حيث يحذر المراقبون من احتمال ارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد المسلمين هناك. وإذا كانت الإجابة بلا. فهل يظن "ستارمر" أن حياة العمال الهنود في قطر أعلى قيمة من حياة المواطنين الذين يشكلون أقلية في الهند؟.

لكن هذه الانتقائية لا تصدر فقط عن حزب العمال، حيث تتعرض قطر لحملة واسعة داخل عالم الرياضة وفي الصحافة الأجنبية. 

وتعرض المدرب "غاري نيفيل" للانتقاد لأنه وافق على العمل أثناء مباريات كأس العالم مع قناة "بي إن سبورتس" التي تملكها الحكومة القطرية. وقال المهاجم السابق في المنتخب الإنجليزي "غاري لاينيكر" إنه يعرف عدداً من اللاعبين الذين يمارسون الشذوذ الجنسي سراً، ويظن أنه سيكون أمراً عظيماً لو أن واحداً أو اثنين منهم خرجوا وكشفوا عن أنفسهم على الملأ أثناء مباريات كأس العالم لكي يوجهوا رسالة إلى قطر. 

كما ينوي كابتن منتخب إنجلترا "هاري كاين" ارتداء عصابة "الحب واحد" على ذراعه في قطر بألوان قوس قزح دعماً لحقوق الشواذ جنسياً. 

تسييس مفرط

قطعيا، هناك شيء غريب بشأن تغطية كأس العالم هذه المرة، فهناك الكثير من الانتقادات الجادة التي يمكن أن توجه لقطر؛ لكنها تتعرض لحملة غير عادية تستند في كثير من الأحيان على الجهل والتعصب. 

وكان الأمر مختلفا خلال مونديال روسيا 2018؛ حيث كانت تغطية الغزو الروسي للقرم وقصف سوريا وانتهاكات حقوق الإنسان مفصولة عن تغطية كأس العالم هناك. أما عندما يتعلق الأمر بقطر فإنه يتم ربط انتهاكات حقوق الإنسان بشكل وثيق بكأس العالم، حتى عندما لا يكون الموضوعان مرتبطين بشكل مباشر. والنتيجة هي التسييس المفرط للحدث الرياضي. 

وفضلا عن ذلك، فإن رسم صورة سطحية لقطر يساهم بشكل بارز في تشكيل الرأي العام حول البلد، فمعظم الناس في أوروبا وأمريكا لا يعرفون عن قطر وشعبها وتاريخها ونظامها السياسي وثقافتها، إلا ما يُعرض عليهم من خلال تغطية كأس العالم. 

ورفضت العديد من المجالس البلدية في فرنسا نصب شاشات في الأماكن العامة تتيح للجمهور مشاهدة مباريات كأس العالم؛ احتجاجاً على تنظيم الحدث الرياضي في قطر. ونشرت مجلة "لوكانارد" مؤخراً رسماً كاريكاتورياً يصور لاعبي كرة القدم القطريين على أنهم إرهابيون، ويصور البلد باعتبارها ساحة للهمجية. 

ونشرت صحيفة "الجارديان" تقريراً في عام 2021 ادعى أن 6500 عامل أجنبي لقوا مصرعهم منذ منح قطر حق استضافة كأس العالم، في محاولة لربط الوفيات المزعومة بكأس العالم. 

وتعليقا على هذا الرقم، قال "مارك أوين جونز"، الأستاذ المساعد في دراسات الشرق الأوسط في جامعة "خليفة" بقطر: "يشير رقم 6500 إلى جميع الوفيات في أوساط العمال الأجانب من الباكستان وسريلانكا ونيبال والهند وبنغلاديش بغض النظر عن السبب. بمعنى أن هذا الرقم ليس مرتبطا بكأس العالم". 

أما رقم وفيات العمال المرتبط بكأس العالم فهو في الواقع محل خلاف. وبينما يقول منظمو كأس العالم إنه وقعت 3 حوادث مرتبطة بالعمل، وأنه كانت هناك 37 وفاة، يقول تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة إنه كانت هناك 50 وفاة داخل قطاع الإنشاءات في عام 2020 وحده، مما يثير تساؤلات حول الطريقة التي يتم بها تصنيف الوفيات. 

وحظي رقم 6500 باهتمام الصحفيين في مختلف أرجاء أوروبا، خاصة في فرنسا، وجرى استخدامه للإشارة إلى عدد الوفيات في مواقع إنشاء المرافق المخصصة لكأس العالم. وورد ذكر الرقم على لسان أحد المذيعين في محطة "سكاي نيوز" حينما أثار موضوع الوفيات المتعلقة بكأس العالم في سؤال وجهه لوزير الخارجية القطري الذي أجابه بأن الرقم غير صحيح. 

وفي مباراة أقيمت مؤخرا بين "بايرن ميونيخ" و"بوروسيا دورتموند"، رفع المشجعون لافتة مكتوب عليها "15000 وفاة مقابل 5700 دقيقة من كرة القدم .. عار عليكم". أما مصدر هذا الرقم فهو تقرير لمنظمة العفو الدولية، وكان يشير إلى العدد الإجمالي لوفيات جميع غير القطريين في قطر ما بين 2010 و2019، ولم يُقصد به عمال الإنشاءات الذين يعملون في بناء مرافق كأس العالم، ولا حتى عمال الإنشاءات دون غيرهم. 

وتشير الباحثة السياسية "ناتالي كوخ"، التي درست الموضوع بعمق، إلى أنه "من النادر أن توظف الحكومة القطرية العمال بشكل مباشر، إلا أن شركات في الوطن الأم تقوم بدور الوسيط وتبرم العقود".

إصلاحات قطر

وخلال السنوات الأخيرة، حسنت الإصلاحات الوضع في قطر نسبيا. فقد أعيد النظر في نظام الكفالة، حتى أصبح بإمكان العمال الآن تغيير مكان عملهم دون اشتراط موافقة صاحب العمل على الانتقال. وتشير الباحثة "كريستال إينيس" إلى أن "التحسينات تمت من أجل جعل الأحكام والإجراءات تنسجم مع المعايير الدولية الخاصة بالعمالة". 

وباتت قطر الآن متقدمة عن كل جيرانها في عدد من الجوانب الهامة. ففي عام 2021، سنت الحكومة قانون الحد الأدنى من الأجور بلا تمييز. ويقال إنها قامت بنهاية العام بدفع 165 مليون دولار كتعويضات لما يقرب من 36 ألف عامل. 

وفي تقرير لها مؤخرا، سلطت منظمة العمل الدولية الضوء على التحسن الذي طرأ على ظروف العمل والمعيشة للعمال بفضل الإصلاحات التي أدخلتها الحكومة القطرية. ومع ذلك يقول التقرير إنه ما زالت هناك تحديات هائلة أمام تنفيذ هذه الإصلاحات، ففي الواقع ما زال كثير من العمال يتعرضون للمعاملة السيئة ويتركون في ظروف معيشية فظيعة. 

وتقول "إينيس" إن المشكلة الأكثر انتشارا هي ما يتعرض له العمال الأجانب من استغلال في سوق العمالة الدولية وما ينطوي عليه من هياكل، فلا يقتصر الأمر على الخليج، بل حتى البلدان الأوروبية لديها مشاكل خطيرة ناجمة عن سوء معاملة العمال الأجانب، إلا أنها لا تحظى باهتمام يذكر في الصحافة الغربية. 

في غضون ذلك، حذرت منظمتا "هيومان رايتس واتش" و"العفو الدولية" من المقاطعة الدولية لكأس العالم، باعتبار أن مثل هذه المقاطعة لن تدفع باتجاه تغيير إيجابي. 

وبالطبع هناك قيم متعارضة تماماً بين الجمهور في بريطانيا وقطر. ومن القضايا التي أثارت سخطاً بشكل خاص هي "حقوق الشواذ جنسياً"؛ حيث يرى 62% من الشعب البريطاني أن موقف الدوحة إزاء هذا الأمر كان كفيلاً وحده بمنعها من استضافة كأس العالم. 

قطر ليست وحدها

لكن قطر ليست وحدها التي تجرم "الشذوذ الجنسي"، ولا يوجد ما هو استثنائي في الموقف القطري، ففي معظم بلدان الكمونويلث، ما زال الشذوذ الجنسي محظوراً، وكثير من هذه البلدان مسيحية وليست مسلمة.  وأعلنت نحو 100 بلدة ومنطقة في مختلف أرجاء بولندا أنها غدت خالية تماماً من "عقيدة الشذوذ". وفي إيطاليا، تعارض الحكومة التي تم انتخابها مؤخراً زواج المثليين، وما فتئ رئيس الدولة فيها يشن الهجمات على ما يسميه "لوبي الشواذ". 

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتم الاستفراد بقطر؟

وفي قطر، يُنظر إلى السلوك الجنسي باعتباره فعلا وليس هوية، وبموجب القانون القطري، فإن العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج وممارسة اللواط كلاهما مجرّم، سواء كان ذلك بين رجل وامرأة أو بين زوجين من نفس الجنس. وكذلك هو الحال بالنسبة للأفعال غير الأخلاقية، وهو مصطلح غير محدد. 

تعكس مقاربة قطر حقيقة أن مجتمعها مجتمع محافظ. وخلال الأيام التي سبقت انطلاق كأس العالم مباشرة، صرح أمير قطر بأن مشجعي كرة القدم من الشاذين جنسياً مرحب بهم شريطة أن "يحترموا ثقافتنا". 

وعلى أية حال، فإن عالم كرة القدم لم يكن معروفاً عنه من قبل احتفاءه الشديد بالشاذين جنسياً. 

بالطبع، لا ينبغي أن يعامل أي بلد باعتباره فوق النقد، كما أن أي بلد يستضيف حدثاً رياضياً كبيراً ينبغي أن يتوقع كثيرا من التدقيق بشأن سجله في مجال حقوق الإنسان، إلا أن التوصيف الاستشراقي لقطر بأنها أرض الهمجية الاستثنائية إنما هو شكل من أشكال التظاهر بالفضائل، مع أنه لا يزيد عن كونه استعراضا متهافتا للفوقية الأخلاقية. 

تتطور قطر - التي تأسست فقط في عام 1971- بشكل سريع خلال العقود الأخيرة. وفي العام الماضي نظمت أول انتخابات لمجلس الشورى، ولربما كانت استضافة كأس العالم جزئياً سبباً في ذلك. وكان يمكن أن يشكل هذا الحدث فرصة للعالم ليتعرف المزيد عن البلاد، ولكن العكس هو الذي حصل. 

بدون شك، فإن المواقف الأخلاقية أمر مهم، لكن ينبغي أن يكون ذلك بعد فهم حقيقي للثقافات المختلفة.

المصدر | بيتر أوبورن، وعمران الملا/ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

مونديال قطر 2022 كأس العالم الشذوذ الجنسي حملة تشويه

إيكونوميست تفند حجج مهاجمة مونديال قطر: نابعة عن كراهية للمسلمين

قطر تبهر العالم.. إعجاب هائل بحفل افتتاح مونديال 2022 (تغريدات)