كيف ساهم مونديال قطر في علاج الصدع الخليجي؟

الثلاثاء 22 نوفمبر 2022 01:05 م

في عام 2010، فازت قطر بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022، متغلبة على منافسة الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان وأستراليا. وكان هذا الخبر مفاجئا للعالم لأن قطر لم تلعب مطلقًا في نهائيات كأس العالم وبالتأكيد لم يتم اختبار قدرتها على استضافة مثل هذا الحدث الرياضي العالمي.

في ذلك الوقت، كانت الإمارات قد برزت أكثر على الخريطة، بفضل قطاع السياحة الجذاب في دبي، وفي ذلك الوقت كانت السعودية تحافظ على صورة محافظة تقتصر السياحة فيها على المواقع الدينية. أما الآن بعد 12 عامًا فقد مرت دول الخليج بتحولات هائلة.

وتحاول كل من قطر والسعودية والإمارات الاستفادة بأكبر قدر ممكن من الأثر الإيجابي لهذا الحدث الكبير، بالرغم من اختلافاتهم العميقة.

وأبرزت الأزمة الخليجية الأخيرة (من 2017 إلى عام 2021) ومقدماتها في عام 2014 الخلافات بين دول مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق بالسياسة الإقليمية. وتمثل حصار السعودية والإمارات والبحرين ومصر لقطر عام 2017 في إغلاق المجال الجوي والحدود البحرية، ما تسبب في وقف الرحلات الجوية مع إغلاق المعبر البري الوحيد لقطر مع السعودية.

وفي أوائل عام 2021، تصالحت دول الخليج خلال قمة مجلس التعاون في العلا السعودية. ومنذ ذلك الحين، ساعد التحضير لكأس العالم في تحويل التركيز من الخلافات إلى الاهتمامات والتحديات المشتركة، خاصة فيما يتعلق بالسياحة والرياضة.

حدث محوري للتنويع الاقتصادي

اتخذت كل من قطر والسعودية والإمارات خطوات مماثلة لتنويع اقتصاداتها فيما يتجاوز النفط والغاز، وعملت هذه الدول على توسيع القطاعات السياحية لديها، وتعزيز طموحاتها في مجال القوة الناعمة.

واستثمرت منطقة الخليج بشكل هائل في الرياضة على مدار العقد الماضي، واكتسب الاهتمام القطري والإماراتي بالرياضة الدولية زخما بشراء نوادي كرة القدم الأوروبية. فقد استحوذت الإمارات على نادي "مانشستر سيتي" في عام 2008، واستحوذت قطر على "باريس سان جيرمان" في عام 2011. وفي الآونة الأخيرة، انضمت السعودية إلى هذا التوجه عندما اشترت نادي "نيوكاسل يونايتد" في عام 2021.

وفي حين أن امتلاك أندية كرة القدم يمكن أن يساهم في تحقيق طموحات القوة الناعمة الخليجية في الخارج، فإن جلب الرياضة إلى المنطقة يتماشى مع اهتمام بلدان الخليج بتوفير الترفيه وجذب السياحة كوسيلة لتعزيز الإيرادات غير النفطية. كما تضمنت الاستثمارات الخليجية في الرياضة استضافة مباريات المصارعة للمحترفين وبطولات التنس وبطولات الجولف والسباقات الدولية.

ويسمح حجم قطر الصغير لمشجعي كأس العالم بحضور أكثر من مباراة واحدة في نفس اليوم، لكن ذلك يعني أيضًا أن أماكن الإقامة ستبقى محدودة بالنسبة للمشجعين البالغ عددهم 1.5 مليونًا من خارج البلاد.

ويستفيد جيران قطر من هذا النقص في أماكن الإقامة، خاصة الإمارات التي أصبحت الوجهة المفضلة للزائرين الذين يبحثون عن المزيد من الخيارات السكنية بأسعار معقولة. وتحسبا لتدفق المشجعين، منحت السعودية أصحاب تذكرة كأس العالم تأشيرات متعددة الدخول إلى المملكة.

وستسيّر الخطوط الجوية الخليجية أكثر من 160 رحلة مكوكية لربط الدوحة بالمدن في الدول المجاورة. وبالإضافة إلى ذلك، سيكون هنالك مناطق لعرض مباريات كأس العالم للمشجعين في كل من قطر والسعودية والإمارات. وقامت قطر أيضًا بتنظيم جولات دعائية في السعودية والإمارات، بسبب العدد الكبير من حاملي التذاكر من هذين البلدين، لإطلاع المشجعين على الأنشطة والخدمات اللوجستية خلال كأس العالم.

تحديات مشتركة

منذ منحها حق استضافة كأس العالم، واجهت قطر انتقادات بشأن معاملة النساء والعمال المهاجرين، كما واجهت الدول المجاورة انتقادات مماثلة، واتخذت خطوات مماثلة لمعالجة هذه القضايا في السنوات القليلة الماضية، فقد خففت السعودية قيود الوصاية على النساء في عام 2019، كما أعلنت العام الماضي عن إصلاحات عمالية تهدف إلى تحسين ظروف العمال الأجانب.

كما أدخلت الإمارات في عام 2021 إصلاحات قانونية مكثفة تتعلق بالنساء والعمال الأجانب، فيما اتخذت قطر خطوات لمعالجة وضع العمالة الوافدة عبر إصلاحات عمالية في عام 2020، وزيادة الحد الأدنى للأجور والسماح للعمال بتغيير وظائفهم دون الحاجة إلى إذن صاحب العمل.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، قال أمير قطر الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني" إن بعض الانتقادات التي تستهدف قطر كانت بناءة وأن البلاد عملت على معالجة هذه القضايا. وفي حين أن دول الخليج ما يزال لديها الكثير لتحققه فيما يتعلق بالإصلاحات، فإن هذه الجهود تُظهر اهتمامات دول الخليج المشتركة بتحسين صورتها في الخارج، خاصةً في ظل رغبتها في جذب السياح والاستثمارات الأجنبية.

وفي الآونة الأخيرة، أصبحت قضية "الشذوذ الجنسي" محور النقد الجديد الذي يواجه قطر وجيرانها، وقد كثف لاعبو كرة القدم ونشطاء حقوق الإنسان والسياسيون على حد سواء انتقاداتهم لدول الخليج بشأن هذه القضية. وخلال سباق الجائزة الكبرى للفورمولا 1 في السعودية وقطر، ارتدى بطل العالم البريطاني "لويس هاملتون" خوذة قوس قزح لدعم "الشواذ".

كما أعلن قائدا منتخبي كرة القدم الألماني والإنجليزي، من بين آخرين، أنهم سيرتدون شارات قوس قزح خلال مباريات كأس العالم، ونشر لاعبو المنتخب الأسترالي مقطع فيديو ينتقد موقف قطر من قضية "الشذوذ". وبالإضافة إلى ذلك، قالت وزيرة الداخلية الألمانية "نانسي فايسر"، التي تشمل حقيبتها الوزارية أيضا الرياضة، إنه لا ينبغي "منح الأحداث الرياضية لمثل هذه الدول"، في إشارة إلى قطر.

لقد كان الاعتراض على هذه المشكلة بالتحديد كبيرًا، لأسباب ليس أقلها ردود الفعل المحلية الغاضبة. ويجب أن يُفهم ذلك أيضًا في ضوء التأثير العميق لمبادرات التحول الاقتصادي والاجتماعي على المجتمعات الخليجية. بالفعل حدثت تغييرات على أدوار الجنسين وتطلعاتهم، لكن ما يزال معظم مواطني الخليج محافظين بدرجات متفاوتة.

ووضع هذا دول الخليج في وضع صعب حيث يحتاجون إلى الحفاظ على انفتاحهم على العالم والتأكيد عليه مع إظهار بعض الالتزام بالقيم والتقاليد الإسلامية. ونتيجة لذلك، اتخذت دول الخليج موقفا موحدا تجاه قضية "الشذوذ".

وصادرت كل من وزارة التجارة السعودية ووزارة التجارة والصناعة القطرية عددًا من الألعاب من العديد من منافذ البيع بالتجزئة لإظهارها ألوان قوس قزح، كما ردت دول الخليج بشكل جماعي على "نتفليكس" لبثها محتوى تعتبره "مناقضًا للقيم والمبادئ الإسلامية والمجتمعية".

وحظرت دول الخليج أيضًا عرض فيلم "Lightyear" من "ديزني" بسبب محتوى "الشذوذ"، ووصفت الإمارات الفيلم بأنه "انتهاك لمعايير المحتوى الإعلامي للدولة". كما أصدر مجلس التعاون الخليجي بيانًا يدين تصريحات وزيرة الداخلية الألمانية التي زارت الدوحة مؤخرًا وقالت إن تعليقاتها "أسيء تفسيرها".

تعاون استثنائي

وشجعت التحديات التي واجهتها قطر خلال عملية التحضير لكأس العالم لتعاون بين الدول الخليجية لدرجة لم يشهدها الخليج طوال العقد الماضي أو أكثر. وقد حدث هذا على الرغم من الصدع الأخير والمنافسة المتزايدة بين دول المنطقة، خاصة بين قطر والسعودية والإمارات.

وقد يكون لدى دول الخليج تفضيلات جيوسياسية مختلفة، لكن كأس العالم أبرز مصالحها المشتركة في تشجيع السياحة، ومعالجة القضايا الاجتماعية والدينية، وتعزيز طموحاتها في القوة الناعمة.

لقد واجهت قطر بالفعل الضغوط الكبيرة المتعلقة بالسماح بالكحول داخل المدرجات وكذلك قضية "الشذوذ"، وتعمدت وضع لوحات إعلانية ذات رسائل إسلامية في مواقع سياحية مختلفة قبل كأس العالم. ويتماشى ذلك مع محاولة قطر التمسك بمكانة الدين المركزية لدى مجتمعها المحلي والمسلم على الأقل.

وسيظل تحقيق التوازن بين الحفاظ على القيم والثقافة الإسلامية وبين الانفتاح على الثقافة الغربية تحديًا لخطط التحول الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة، وسيستمر هذا التحدي لفترة طويلة بعد انتهاء مونديال قطر في ديسمبر/كانون الأول المقبل.

المصدر | إيمان الحسين | معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

كأس العالم فيفا قطر 2022 حصار قطر مجلس التعاون الخليجي الأزمة الخليجية

لعبة صفرية.. كيف أثر مونديال 2022 على حصار قطر؟