السبت 20 أغسطس 2016 08:08 ص

كل ثقافة لها مسارها الخاص. ولا يوجد مسار واحد لجميع الثقافات. فالثقافة تعبير عن مرحلة تاريخية بعينها، وتتشكل في إطار الوعي التاريخي لأمة ومن خلاله. وتتعدد المسارات بتعدد الثقافات عبر التاريخ. فإذا ما سيطرت ثقافة وذاعت، وتحولت إلى ثقافة مركزية وأصبحت باقي الثقافات في الأطراف، وأصبح مسار الثقافة المركزية هو العصر والتاريخ والمسار لباقي المسارات، يعادل الثقافة العالمية، وغيرها ثقافات محلية.

حدث ذلك في الحضارة المصرية القديمة بل وفي مجموع حضارات ما بين النهرين وكنعان عندما كانت تمثل الثقافة المركزية وغيرها من الثقافات اليونانية في الغرب، والفارسية والهندية في الشرق ثقافات الأطراف. وحدث ذلك أيضاً مع حضارات الشرق القديم، عندما كانت ثقافة الهند في المركز تنتشر خارج حدودها إلى الصين وأواسط آسيا فتحولت ثقافاتها إلى ثقافة الأطراف. كما حدث ذلك في الصين عندما انتشرت ثقافاتها ودياناتها خارج حدودها، وأصبحت مركز العالم، وتحولت باقي الثقافات حولها إلى امتدادات لها.

ثم تكرر ذلك مع اليونان، بعد فتوحات الإسكندر، عندما أصبحت الثقافة اليونانية ثقافة المركز وباقي الربوع التي انتشرت فوقها اللغة والثقافة اليونانية عند الرومان غرباً، وفي مصر جنوباً، وفي آسيا شرقاً، وفي وسط أوروبا شمالًا، هي الأطراف. ثم ورثت الثقافة العربية الإسلامية الثقافات القديمة، وذاعت في الشمال الغربي إلى أوروبا عبر الأندلس، وفي الشمال الشرقي في أواسط آسيا، وفي الشرق في جنوب آسيا عبر فارس والهند حتى الصين، وأصبحت هي ثقافة المركز تفيض على غيرها من الأطراف.

ثم جاء الغرب الحديث يرث الثقافة العربية الإسلامية. فتصبح أوروبا مركز الثقافة العالمية، وثقافات أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية في الأطراف. وقد يكون العالم على أعتاب تحول جديد في علاقة المركز بالأطراف، من أوروبا إلى آسيا من جديد بمفردها، أو في لقاء مع أفريقيا وكما تجسده الثقافة العربية الإسلامية في آسيا وأفريقيا. وكما انتقلت الروح من الشرق إلى الغرب عبر آلاف السنين، فقد تعود الروح من الغرب إلى الشرق من جديد في المستقبل القريب أو البعيد.

وفي خضم سيطرة المركز الأوروبي في عصوره الحديثة وترويجه لثقافته خارج حدوده إلى باقي الثقافات أصبح مسار التاريخ الأوروبي عن وعي أو لا وعي هو المسار التاريخي لجميع الثقافات. فنحن في بداية القرن الحادي والعشرين، أي بداية الألفية الثالثة، وكأن تاريخ العالم يبدأ فقط منذ ألفي عام، وكأنه قبل ذلك لم يكن هناك تاريخ ولا ثقافات ولا شعوب. وماذا عن حضارات الشرق القديم بما في ذلك مصر التي بدأت منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام أي ما يقارب من ضعف التاريخ الميلادي؟ ولما يكون بداية التاريخ الميلادي هي الحد الفاصل بين ما قبل التاريخ، وما بعد التاريخ، بين القديم والجديد، بين الشرق والغرب؟

لكل ثقافة بدايتها في التاريخ. فاليابان تبدأ التاريخ كل مرة ببداية تولية الإمبراطور العرش. وفارس وحتى عصر الشاه تبدأ التاريخ منذ قورش. والعبرانيون يبدأون التاريخ منذ أكثر من خمسة آلاف عام، منذ خلق الله العالم. والمسلمون يبدأون بالتاريخ الهجري، وهم الآن في الربع الثاني من القرن الخامس عشر. ومع كل حدث عظيم يبدأ التاريخ، عام الفيل، ميلاد الإسكندر، تنصيب إمبراطور. لا توجد نمطية في المسار التاريخي لكل الشعوب والثقافات. إنما المركز هو الذي يفرض مساره على الأطراف.

ولما كان الغرب الحديث الآن هو المركز فهو الذي يفرض مساره على باقي الثقافات، ويجعل العالم كله يمتثل بمساره هو بداية قرن جديد فتضع كل الشعوب نفسها في مسارها. ويزداد الاغتراب الثقافي والحضاري عند كل الشعوب باستثناء ثقافة المركز. وفي خضم الإعجاب بالحاضر يتم نسيان الماضي، وفي زحمة الوعي السياسي يتم طي الوعي التاريخي. وفي لذة التمتع بالثمار ينسى الآكلون الجذور التي بدأ غرسها قبل فصل الحصاد. 

وفي تدوين التاريخ الحديث، وقعت مؤامرة صمت على الجذور لصالح الثمار ربما لنزعة نفعية مباشرة أو بنيّة إخراج الشعوب التاريخية القديمة من التاريخ وحصرها في متاحف تاريخ الحضارات القديمة لاتساع المجال للشعوب اللاتاريخية الأوروبية الحديثة التي ابتلعت عصورها الحديثة في القرون الخمسة الأخيرة كل تاريخ البشر السابق، اعتزازا بالجديد على حساب القديم.

* د. حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة.