الاثنين 7 نوفمبر 2016 12:11 م

بعد أن يتم تحرير الصورة المرئية للحضارة العربية الإسلامية من مرآة الغرب يتم تحرير الغرب من مرآة ذاته، والقضاء على أسطورة الثقافة العالمية، لبيان أن الحضارة الغربية حضارة تاريخية نشأت فى زمان ومكان معينين، ولشعوب بعينها لها أصولها فى الحضارتين اليونانية الرومانية، وفى الثقافتين اليهودية والمسيحية، ثم تفاعل هذان المصدران مع البيئة الأوروبية نفسها وثقافاتها المحلية وأساطيرها الشعبية ودياناتها الوثنية.

صمت الغرب عن مصادره الشرقية من أجل الإيحاء بأسطورة «المعجزة اليونانية» التي ورثتها المعجزة الأوروبية، بالخلق العبقري الأصيل على غير منوال. وحضارة الغرب صبت فيها حضارات العالم القديم والوسيط كلها، من الصين والهند وفارس وحضارات ما بين النهرين ومصر القديمة، ثم كانت الحضارة الإسلامية أحد مكوناتها في مطلع عصورها الحديثة.

وقد تم فصل الغرب العلم عن تاريخه حتى يظل العلم إبداعاً أوروبياً خالصاً. وأوحى بأنه يتميز بالعقل والعقلانية، والعلم والعلمية، والإنسان والإنسانية. الغرب وحده هو الذي اكتشف الإنسان والتاريخ. فتربت عنصرية دفينة في أعماق الوعي الأوروبي ظهرت في النظريات العرقية في القرن التاسع عشر، وفي المركزية الأوروبية منذ العصور الحديثة، وما سمي بالكشوف الجغرافية. فأوروبا مركز العالم، وغيرها ما وراء البحار. أوروبا هي «المتروبول» وغيرها «الكومنولث».

أوروبا هي الذات وغيرها هو الموضوع، كما هو الحال في الاستشراق. ثم تتحول هذه الثنائية من الواقع إلى القيمة. فتصبح أوروبا على حق، وغيرها على باطل كما هو الحال في الحركات الأصولية. مبادؤها لنفسها وعكسها لغيرها، العلم والعقل والإنسان والتقدم داخل حدود أوروبا وحدها. وتتكسر هذه المبادئ خارجها، وتتحول إلى نقيضها، الجهل والخرافة وخرق حقوق الإنسان والتخلف وهو أعلى درجة من درجات العنصرية الثقافية!

إن التأصيل التاريخي للحظات الصراع ولحظة الحوار بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط الشمالية والجنوبية وحتى بعد انضمام «الغرب الجديد» عبر الأطلسي إلى الشمال والغرب في مواجهة الجنوب والشرق لا يمنع من إمكانية بروز لحظة حوار أخرى في المستقبل القريب «حوار الثقافات» بدلاً من «صراع الحضارات».

لقد لعبت أوروبا دور الأستاذ مرتين، الأولى في اللحظة اليونانية والثانية في اللحظة الحديثة. وكانت الحضارة العربية الإسلامية هي التلميذ في كلتا الحالتين، فأرسطو هو المعلم الأول والفارابي هو المعلم الثاني. وبطليموس هو الأول، وابن الهيثم بطليموس الثاني. وفلاسفة التنوير المحدثون الطهطاوي وخير الدين التونسي هم المعلمون الجدد، والنهضة العربية الحديثة نتاج لها. ولعبت الحضارة الإسلامية دور المعلم مرة واحدة، في الأندلس، عندما تمت الترجمة من العربية إلى اللاتينية وكانت العصور الحديثة الغربية التلميذ.

ويبقى للحضارة الإسلامية أن تقوم بدور الأستاذ وأن يقوم الغرب بدور التلميذ مرة ثانية ربما هي هذه اللحظة الراهنة.

فمنذ حركات التحرر الوطني وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية تحمل لواء المُثل التي تكسرت على حدود أوروبا الجغرافية، مثل الحرية والاستقلال، والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. وتكمل مسارها من حقوق الإنسان إلى حقوق الشعب، من حرية الفرد إلى حق الشعب في تقرير المصير، ومن استثمار المواد الأولية إلى السيطرة الوطنية عليها، ومن المركز الواحد، المركزية الأوروبية إلى عالم متعدد المراكز.

أصبحت دول العالم الثالث تمثل ثلاثة أرباع الأصوات في الأمم المتحدة، تمثل الإنسانية الجديدة. وتكوّن مع الصين أربعة أخماس سكان المعمورة.

والآن يتعرى الغرب الجديد ممثلاً في الولايات المتحدة الأميركية التي تربعت على عرش العالم ذي القطب الواحد وباسم العولمة واقتصاد السوق، والعالم قرية واحدة، وثورة الاتصالات وتقنية المعلومات، والتنظيم والإدارة، والقوة العسكرية، ونهاية التاريخ ببقاء الرأسمالية بعد سقوط النظم الاشتراكية.

ظهر جبروت الأحادية في مؤتمر دوربان عندما انسحبت الولايات المتحدة مع إسرائيل منه، رافضة حتى الاعتذار عن اصطياد ملايين من الأفارقة وجرهم عبيداً في السلاسل إلى «الغرب الجديد» لإعماره، استعمار البشر لإعمار الأرض، ورافضة مساواة الصهيونية بالعنصرية على رغم كل ممارسات الكيان الصهيوني من إرهاب منظم ضد شعب فلسطين، اغتيال القادة وقتل النساء والأطفال، وتدمير المنازل، وتجريف الأراضي، والتعدي على المقدسات الدينية.

اجتمعت القوة والظلم، الجبروت والعدوان. فكان من الطبيعي أن يتصدى إرهاب الأفراد لإرهاب الدول. إرهاب الأفراد نتيجة طبيعية ورد فعل على إرهاب الدول. وبتعبيرات الستينيات في أميركا اللاتينية إرهاب الأفراد هو الإرهاب المحرر ضد إرهاب الدول، الإرهاب القاهر.

* د. حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة