السبت 26 يوليو 2014 11:07 م

احتل اسم الأديب المصري الكبير توفيق الحكيم (1898-1987) الذي تصادف ذكرى رحيله اليوم 26-7-2014 مكانة جد مرموقة، ليس في المشهد الثقافي المصري- وحده- فحسب، وإنما في الفضاء الثقافي العربي، عامة، وذلك من خلال القيمة الإبداعية لما قدمه على امتداد عقود من حياته .وقد كانت المرحلة التي فتح فيها عينيه على الحياة، وتشكلت خلالها ملامح وعيه، وترسخ حضوره، وقوي عوده، وتأصل استشرافه المستقبلي- إن جازت التسمية- جد غنية، فقد تمت فيها أحداث كبرى مصرياً، وعربياً، ودولياً، ومن بين هاتيك الأحداث الكبرى الحربان الكونيتان الأولى مابين عامي (1914-1916) والثانية مابين عام (1939-1941) ناهيك عن أن مصر في تلك الفترة كانت تشهد انحسار قبضة الاحتلال العثماني، وظهورالاحتلال الغربي، إضافة إلى نكسة حزيران وحرب أكتوبر، وقبل كل ذلك استقلال مصر، والانتقال من العهد الملكي إلى الجمهوري، وماترتب عبر سياسات الإصلاح الزراعي والتأميم، ومن بينها الثورة المصرية ،1919 بل وتأميم قناة السويس، وهي الفترة التي وضع فيها مخطط سايكس بيكو الذي ضاعت خلاله بعض الخرائط، وظهرت أخرى، ناهيك عن سلسلسلة استقلالات البلدان العربية بما يعني ثنائية ظهور الاحتلال وانحساره، وما تلا ذلك من المرحلة التي سميت بالحكم الوطني في عدد من البلدان العربية .
وإذا كانت تلك الفترة التي عاشها الحكيم هي الفترة السياسية الأكثر بروزاً في الخريطة السياسية في العالم أجمع، فإنها كذلك الفترة الأبرز ثقافياً-في المقابل- فبين حدي الفضاء الزمني في هذه الفترة نفسها، ظهرت أكثر التيارات والمدارس الإبداعية والفكرية والفلسفية، ناهيك عن أنها كانت مرحلة الإنجازات العلمية الكبرى، وبلغ فيها الوعي المعرفي درجة عليا، ناهيك عن انحسار الأمية، ورفع مستوى التعليم، وقطع الصحافة أشواطاً متطورة، بفضل ظهور الطباعة، بل وإيفاد طلبة العلم إلى أوربا، وعودتهم، بعد أن تشربت أرواحهم بمفاهيم جديدة، كان من شأنها أن تطور الحياة الثقافية في مصر إلى مدى بعيد .
يروى عن السيرة الأولى للحكيم أنه ولد في أسرة ريفية، في قرية "الدلنجات" في محافظة البحيرة، من أب مصري وأم من أصل تركي، حاولت أن تنشئه على طريقتها، وتبعده عن مجايليه، وهو ما أعطى الطفل فرصة كبيرة للالتفات إلى عالمه الداخلي، بيد أنه لم يستمر على هذا المنوال من العزلة، وإنما سيتصرف في توجيه دفة حياته، كما يريدها، وذلك بعد أن انتقل مع عمومته إلى القاهرة، حيث سطوة المدينة، وبهرجتها، وغواياتها، ما جعله يعنى بالمسرح، عبر فرقة جورج أبيض التي كانت بوابته الأولى إلى عالم هذا الفن، وقد جاء ذلك في مرحلة عمرية، كان خلالها في ذروة القلق، نتيجة بعده عن دائرة حنو أمه، التي يبدو أنها أثرت في شخصيته إلى حد بعيد، ومحاولته الاستعاضة عن ذلك، من خلال علاقته بعالم المرأة، بما وفرته له حياته الجديدة، بعيداً عن سطوة الأهلين .
يبدو أن من شأن الدراسات السيكولوجية، وعلى ضوء سيرة الحكيم، أن تبين لم اتخذ هذا الكاتب الكبير موقفاً أقرب إلى العدائية من المرأة، كما سجل عليه، لدرجة أنه وسم ب"عدو المرأة" وإن أمكننا المجازفة والإشارة إلى محطتين رئيستين في حياته، فيما يخص المرأة، أولاهما الأجواء التي فرضتها عليه أمه، وهو ذو الروح التواقة للخروج من وراء أضلاع قفصها المحكم، وثانيتهما تتعلق بفشل تجربة الحب الأولى مع جارته، في القاهرة، والتي جاءت فور تحرره من أسر الأم الحريصة على وليدها، ومن أطرف ما يقال أنه تزوج، وهو على مشارف عامه الخمسين، ولم يعلم أحد بسر زواجه، رغم أنه رزق بطفلين هما: إسماعيل وزينب، ما دعا مصطفى أمين للكتابة بما معناه: إن من شأن الصحفيين الحصول على أخبار "السراي" بيد أنهم عجزوا عن معرفة زواج الحكيم إلى فترة طويلة .
-