الأربعاء 29 نوفمبر 2017 09:11 ص

ليس هناك زعيم في العالم يحط من قدر علماء أمته وفقهائها وأئمتها غير بعض الزعماء العرب الذين يحطون من مكانة قادة فكر الأمة الديني والتاريخي والفلسفي، لكني أشير بالسبابة إلى قيادات ابتليت بها هذه الأمة منذ منتصف القرن العشرين وحتى تاريخنا الحاضر.

أنهم يستخدمون الدين وقياداته الفكرية الدينية لتحقيق أهدافهم داخليا وخارجيا ولو كانوا على ضلال، ويتسابق فقهاء السلطان لترويع الأمة بعدم الخروج على الحاكم ولو كان ظالم، معتمدين على حديث يحتاج إلى تفسير علمي فقهي "اطع ولي الأمر ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك".

ومن لم يسير في قافلة الحكام من الفقهاء فسرعان ما ينحّى وتُصوب إليه أدوات العزل والحرمان، وتكال له التهم بما في ذلك التهم الأخلاقية ولا أريد أن أضرب أمثالا واقعية حدثت.

* * *

انحسر المد القومي العربي بعد حرب 1967، وسقطت الشيوعية ونفوذها بسقوط الاتحاد السوفيتي 1991، بعض الجيل الجديد من الحكام العرب يستخدم رجال الدين الإسلامي لمحاربة ثورة الربيع العربي بدلا من محاربة القومية العربية، وأحلّوا محاربة الإرهاب محل محاربة الشيوعية، لكنهم في ذات الوقت استعدوا قادة الفكر الديني الوسطي "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" واعتباره منظمة إرهابية.

وأصدر وزراء دول الحصار (ثلاث دول + نصف دولة) قرارا باعتبار هذا الاتحاد منظمة إرهابية. هذا الاتحاد يضم في عضويته خيرة علماء الإسلام من إندونيسيا مرورا بماليزيا شرقا إلى بريطانيا غربا حيث أُعلن تأسيس هذا التجمع الإسلامي الكبير عام 2004 ومقره القانوني دبلن عاصمة أيرلندا، ومقره الإداري الدوحة عاصمة دولة قطر، أنه يجمع في عضويته كل المذاهب الإسلامية.

من أهدافه "الحفاظ على الهوية الإسلامية لتبقى دائما أمة وسطا شهيدة على الناس، ومواجهة التيارات الهدامة والدعوات المعادية للإسلام، وكذلك مواجهة الغلو في دين الله".

لا أريد العودة إلى الأسباب التي أدت إلى قيام هذا الاتحاد لكني أورد القول بأن عام 2003 عام احتلال العراق وتفرق الأمة أصدرت مرجعيات إسلامية فتاوى تحلل الحرام وتحرم الحلال إرضاء للزعيم فكان لا بد من منظمة تجمع علماء الأمة الإسلامية فكان هذا الاتحاد العملاق.

أما "المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة" الذي صنفوه إرهابيا في 2017.11.23 فنشأ في ظروف غاية في السوء بالنسبة للعالم العربي والإسلامي عام 1988.

مركزه القاهرة ويرأسه شيخ الأزهر العالم أحمد الطيب وله ثلاثة نواب أذكر منهم المشير عبد الرحمن سوار الذهب، وهو المعروف عربيا وعالميا ومن الناس الذين آثروا على أنفسهم وحمّل الأمانة لإدارة الدولة السودانية إلى رجال توسم فيهم الخير، وكان يملك في يديه كل وسائل القهر والإكراه لو أراد البقاء في السلطة.

وله نائب آخر هو الدكتور عبد الله عمر نصيف الذي كان بيتهم في جدة قبلة عبد العزيز آل سعود لتثبيت قواعد حكمه للحجاز. أنه بيت مشهود له بالوسطية في الفكر الديني ومشهود له بالوطنية الفائقة.

من أهداف هذا المجلس الإسلامي: "الارتقاء بالعمل الإسلامي ليكون على مستوى رسالة الإسلام الحضارية في التأكيد على وحدة الأسرة البشرية وتحقيق التعارف بين الناس".

أستطيع القول إن كراهية بعض القادة العرب لقادة الفكر الديني الذين ليسوا تحت سلطتهم هو سبب من الأسباب في اعتبار أعضاء المنظمتين الإسلاميتين (الاتحاد والمجلس) منظمتان إرهابيتان. وأضيف على ذلك أن دولة المقر لهذين التنظيمين هي الدوحة.

والمعلوم أن الدول (الثلاثة والنصف) تفرض حصارا ظالما على قطر لا يقل عن الحصار الذي تفرضه إسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية على قطاع غزة لإرغامهم على الاستسلام للهيمنة الصهيونية المصرية السلطوية.

* * *

بابا الفاتيكان يجوب العالم سنويا يدعو إلى وحدة المسيحية وتماسك أتباعها، وبعض حكامنا يجوبون العالم يؤلبون ضد دول عربية وديننا ورموز فكرنا الإسلامي ويوصمون البعض بالإرهاب والبعض الآخر بممولي الإرهاب. يتسابقون إلى إرضاء إسرائيل لأنهم يعتقدون أن التقرب إليهم سيمكنهم من حكم الأمة، وهم لا يعلمون أن بني إسرائيل لهم بالمرصاد.

قادتنا الميامين يحرمون على علماء المسلمين تناول بني إسرائيل بنقد سياساتهم وما يفعلون بأهلنا في فلسطين من سوء أفعال وعذاب، قادتنا يجدّون في تغيير مناهج التعليم ومسح كل ما يمس بني إسرائيل من مناهجنا علما بأن أكثر من نصف القرآن الكريم يحدثنا وينبهنا بمكائد اليهود وعدائهم للأمة العربية والإسلامية.

في ظل هذه المعطيات يقوم الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي مقرها مدينة جدة والذي كان يشغل وزير عدل في السعودية بزيارة أكبر كنيس يهودي في باريس بموجب دعوة من الحاخام الأكبر ليهود فرنسا حاييم كورسي، وحاخام كنيس باريس الكبير موشي صباغ ويقول محمد العيسى الوزير السابق "إن أي عمل عنف أو إرهاب يحاول التستر وراء الدين الإسلامي لا مبرر له داخل إسرائيل".

كنت أتمنى أن يكون متوازنا رئيس رابطة العالم الإسلامي ويقول إن على إسرائيل أن توقف عدوانها على الشعب الفلسطيني وأن توقف سياسة هدم المنازل وحرق مزارع الزيتون وتخلي مدينة القدس بوصفها عاصمة الفلسطينيين.

كنت أتمنى أن يقرأ العيسى فتوى الحاخام عفوديا يوسف الزعيم الروحي لحركة شاس التي وصف العرب فيها بـ"الثعابين" ودعا إلى عدم الوثوق بهم على الإطلاق "(يديعوت أحرونوت 2002) فتوى الحاخام يسرائيل روزين الذي يعتبر أحد أكبر مرجعيات الإفتاء الصهيوني بتطبيق حكم (عملاق) ويقول "اقضوا على العماليق من البداية حتى النهاية، اقتلوهم وجردوهم من ممتلكاتهم لا ترحموهم، وليكن القتل متواصلا شخصا وراء شخص، لا تتركوا طفلا ولا زرعا ولا شجرة، اقتلوا بهائمهم من الجمل حتى الحمار والعملاق يعني الفلسطيني والعربي ("هآرتس"، 2008.3.25).

آخر القول: استرضاء إسرائيل لا يحقق لكم ما تتمنون، استرضوا شعوبكم واعدلوا بينهم، ودافعوا عن علمائكم وفقهائكم ووقروهم تكبرون في أعين أعدائكم.

المصدر | الشرق القطرية