الخميس 11 يوليو 2019 01:22 م

"إذا انهارت مصر، فإن ملايين من أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية سوف يغزون العالم"..

جاء هذا التنبؤ من الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، في عام 2015، وكان لديه أسباب ساخرة تتمحور حولها هذه الرؤية حيث تتكون صيغته للبقاء في السلطة من جزأين رئيسيين: القمع في الداخل، والتحذير المستمر للزعماء الأجانب من أنهم إذا لم يدعموه، فستقع مصر في الفوضى.

ويبدو أن هذه الوصفة تعمل بشكل مدهش حيث تقوم دول الخليج بتمويله خوفًا من أن يكون البديل هو نظام تقوده جماعة "الإخوان المسلمون، وهذا ليس خوفًا غير معقول فقد فاز "الإخوان" بالانتخابات في عامي 2011 و 2012 وحكموا مصر حتى أطاح بهم "السيسي" في انقلاب في عام 2013.

وتدعم أمريكا "السيسي" لنفس السبب، حيث يعتبر البعض في إدارة الرئيس "دونالد ترامب" جماعة "الإخوان المسلمون" منظمة إرهابية، وكان "السيسي" بارعا في إغراء "ترامب" نفسه بالفكرة ذاتها.

كما تغض أوروبا الطرف عن الأشياء الفظيعة التي تفعلها شرطة "السيسي" لأنها تخشى من تدفق ملايين اللاجئين عبر البحر المتوسط ​، إذا فشلت مصر. 

  • انهيار مصر

ويعد انهيار مصر أمرا بعيدا جدا، فالبلد ليس ممزقا بخلاف طائفية كلبنان أو العراق، وليس مثل ليبيا أو اليمن، حيث تغذي الانقسامات الإقليمية والقبلية الحروب الأهلية.

والمصريون لديهم شعور قوي بالوطنية، لكنهم يتعرضون لضغوط كبيرة بسبب النظام العسكري الوحشي، وينتشر السخط اليوم في كل مكان، ولا يزال الإسلاميون الذين فازوا في الانتخابات النزيهة الوحيدة التي أجرتها مصر على الإطلاق متمسكون بأنهم طردوا من السلطة تحت تهديد السلاح.

وعلى الرغم من ارتفاع النمو الاقتصادي، لا تزال بطالة الشباب مرتفعة بشكل يدعو للقلق، وفي أبريل/نيسان 2019، فاز "السيسي" باستفتاء غير عادل بشكل صارخ يسمح له بالبقاء في السلطة حتى عام 2030، ولا يعد الحاكم الطاغية الذي يهدف إلى الحكم إلى الأبد وصفة مضمونة للاستقرار طويل الأجل.

ويبقى السبب الأكثر ترجيحًا للانهيار الاجتماعي في مصر هو الماء، أو بالأحرى عدم وجوده، وتتكون معظم أراضي مصر من صحراء، بينما يعيش سكانها تقريبًا في قطاع خصب ضيق على جانبي النيل، وقد شجعتهم الحكومات المتعاقبة على إهدار المياه عن طريق عدم فرض رسوم تقريبًا على ذلك.

وفي الوقت نفسه، تخطط دول جوار مصر لسحب المزيد من المياه من نهر النيل حيث تبني إثيوبيا سدًا ضخمًا لتوليد الكهرباء لمساعدة سكانها على الخروج من براثن الفقر.

ويريد السودان تحويل المياه إلى مشاريع الري، على أمل أن يصبح سلة الخبز الإقليمية، وينظر المصريون، الذين اعتادوا على أخذ حصة الأسد من مياه النيل، ينظرون إلى كل هذا على أنه تهديد وجودي.

وتزداد احتمالية نشوب الصراع مع تغير المناخ في المنطقة وزيادة عدد سكان مصر من 100 مليون اليوم إلى ما يقدر بنحو 130 مليون بحلول عام 2030.

وقد اقترح بعض الضباط العسكريين المصريين أن مصر ستخوض الحرب لحماية حقوقها في مياه النيل، في الوقت نفسه، فإن مصر لديها أيضًا تهديد جهادي كبير في منطقة سيناء، حيث يقتل تنظيم "الدولة الإسلامية" المسيحيين والصوفيين (أقلية إسلامية).

ولدى مصر جيران غير مستقرين أيضًا مثل ليبيا التي مزقتها الحرب من الغرب، والسودان الثوري في الجنوب، ومع وجود العديد من المصادر المحتملة لعدم الاستقرار، ليس مفاجئا أن نفكر في العواقب المحتملة إذا انهارت مصر إلى نوع الفوضى التي شوهدت في سوريا أو ليبيا.

ويبقى التفكير في هذه العواقب حتميا لسبب واضح وهو أن تدفقات اللاجئين من سوريا ستبدو قليلة جدا مقارنة بتدفقات اللاجئين إذا انهارت مصر (يقدر سكان سوريا بخمس سكان مصر).

وقد يتوجه عدد قليل من النازحين إلى المساحات المفتوحة غير المحمية في ليبيا، لكن معظمهم سيحشرون في قوارب ويعبرون البحر الأبيض المتوسط، أو يجربون حظهم في الخليج، وستحاول السفن الإيطالية واليونانية إعادتهم وقد يغرق الكثيرون منهم، فيما ستكون تركيا والأردن أكثر ترحيبا.

وعلى الرغم من أن نسبة صغيرة فقط من اللاجئين قد تصل إلى أوروبا، لكن الأحزاب المناهضة للمهاجرين ستتعامل هستيريًا مع "الغزو المصري"، وسيفوز الشعبويون بالانتخابات بداية من فرنسا التي ستغلق الحدود مع إيطاليا ، ثم ستحظر الجزارين الذين يبيعون اللحم الحلال.

  • تأثير الدومينو

وإذا فقدت الحكومة المصرية السيطرة، فستتدخل القوى الأجنبية للحفاظ على قناة السويس مفتوحة أمام الشحن العالمي، وستتولى الولايات المتحدة، التي تستخدم القناة لنقل القوات البحرية من البحر الأبيض المتوسط ​​إلى الخليج والشرق الأقصى، المسؤولية بسرعة، مع تحالف رمزي من السعوديين والإماراتيين إلى جانبها، ولكن بالنظر إلى الإهانة التي عانت منها بريطانيا وفرنسا في أزمة السويس عام 1956، فإنهما سوف تحجمان عن المشاركة بشكل مفهوم.

وستوفر الأراضي الشاسعة غير الخاضعة للحكم في مصر ملاذاً آمناً للقتلة، سيستخدم المتمردون القادمون من ليبيا الأراضي الحدودية كقاعدة خلفية، وسينشيء الجهاديون خلافة جديدة على الأرض المصرية.

وستجد (إسرائيل) هذا لا يطاق حيث ستتحول مصر من شريك في السلام إلى تهديد مميت، وستقصف الطائرات الإسرائيلية أهداف الدولة الإسلامية في مصر بشراسة مثلما قصفت وحدات الصواريخ الإيرانية في سوريا، وبعد أن تفقد وسيطها الرئيسي مع "حماس" في غزة، ستكون (إسرائيل) عرضة للخطر بشكل يائس.

وكما تظهر لنا الفوضى الحالية في سوريا وليبيا، فإن إعادة توحيد مصر ستكون صعبة للغاية، وقد تستغرق عقودا.

من الأفضل إيقاف هذا الانهيار في المقام الأول، لكن من غير الواضح أن "السيسي" هو الرجل المناسب لفعل ذلك.

المصدر | إيكونوميست