الأحد 21 يوليو 2019 08:35 م

شهد القرن الأفريقي نهاية حقبة مثيرة للجدل، فبعد 3 عقود في السلطة، سقط الرئيس السوداني القوي "عمر البشير" في أبريل/نيسان، بعد احتجاجات جماهيرية أعقبها انقلاب عسكري.

والآن، تقع بقايا الدولة الأمنية لـ البشير" تحت الحصار، في مواجهة طويلة الأمد مع حركة مؤيدة للديمقراطية تحاول السيطرة على البلاد.

وقد قام المجلس العسكري الانتقالي الحاكم باتخاذ إجراءات صارمة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 100 محتج، في موجة من القمع بدأت في 3 يونيو/حزيران، لكنه وعد أيضا بتسهيل الانتقال إلى الحكم المدني كجزء من اتفاق مبدئي لتقاسم السلطة مع "قوى الحرية والتغيير"، وهي منظمة جامعة تمثل المتظاهرين.

وتأتي الاضطرابات في السودان في نفس الوقت الذي يوسع فيه رئيس الوزراء الإثيوبي الإصلاحي، "آبي أحمد"، المجال السياسي في بلاده بشكل دراماتيكي، بينما يكافح في مواجهة زيادة العنف العرقي.

ويمكن للتحولات التاريخية في السودان وإثيوبيا أن تغير مسار تلك الزاوية المتقلبة من أفريقيا لعقود قادمة.

والسؤال الذي يدور الآن في المنطقة: هو ما الذي ستجلبه الحقبة التالية؟ وهل تدخل المنطقة في نظام جديد أكثر ديمقراطية مبني على أساس مشترك من السيادة الوطنية والأمن الجماعي، أم تجلب تلك التحركات نظاما سلطويا مغلقا يحظى بدعم القوى الخارجية؟

ويعد السودان، على وجه الخصوص، صورة مصغرة لهذا الصراع الأوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي، وعلى أحد جانبي هذا الصراع، هناك تحالف من الدول الأفريقية، يمثله الاتحاد الأفريقي، وكتلة إقليمية مهمة في شرق أفريقيا. وعلى الجانب الآخر، هناك دول الخليج الغنية بالنفط.

رؤى متنافسة

ظل القرن الأفريقي مليئا بالاستبداد بشكل ثابت منذ أيام الحرب الباردة، التي تنافست خلالها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على الهيمنة من خلال تسليح الطغاة في المنطقة، ولقد انتقلت الكثير من دول أفريقيا إلى أنظمة سياسية تنافسية في التسعينات، ولكن ليس في القرن الأفريقي؛ حيث برز جيل جديد من الأوتوقراطيين الذين سيطروا على السلطة.

وفي عام 1989، قاد "البشير" مجموعة عسكرية إسلامية أطاحت بحكومة السودان المنتخبة، وبعد ذلك بوقت قصير، سيطر قادة حرب العصابات على إثيوبيا وإريتريا، وبحلول نهاية التسعينات، كان "حزب التجمع الشعبي من أجل التقدم" الحاكم في جيبوتي قد ضمن نقل السلطة من مستبد إلى آخر.

وفي البداية، لم تفعل الولايات المتحدة الكثير لوقف ظهور هذا الجيل الجديد من المستبدين، وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية، بدأت في مساعدة هؤلاء الطغاة ودعمهم بدعوى مكافحة الإرهاب.

وعززت الدول التي تدفقت للسيطرة على المنطقة أيديولوجية الاستقرار الاستبدادي، لكنها لم توفر سوى الاستبداد وحده، حيث أصبجت دول المنطقة أكثر عسكرية وأقل أمنا، وعزز الحكام المستبدون قمعهم من أزمة إقليمية إلى أخرى.

وعلى مدى الأعوام الـ3 الماضية، بدأ صرح ذلك النظام القديم في التصدع، واستفاد رئيس الوزراء الذي يتمتع بالحماس الإصلاحي من موجة من الاحتجاجات الشعبية على السلطة في إثيوبيا، حيث أطلق سراح الآلاف من السجناء السياسيين، وحسّن الحريات في وسائل الإعلام، وأنهى الخلاف المستمر منذ عقدين مع إريتريا المجاورة.

وأطاحت انتفاضة مماثلة في السودان بديكتاتور كان يعد الأقدم في منصبه في المنطقة، على الرغم من أنه لم يظهر بعد أي نوع من النظام سيحل محله.

وسيكون للتحولات السياسية في كلا البلدين، وهما الأكبر والأقوى والأهم من الناحية الاقتصادية في المنطقة، تداعيات على إريتريا وجيبوتي وجنوب السودان، حيث تتعرض هذه الدول جميعا لأزمات خلافة تلوح في الأفق وضغوط على الأنظمة الاستبدادية الحاكمة.

يتزامن ذلك مع التغيرات الحادثة في القوى الخارجية انعكست على القرن الأفريقي، وفي عهد الرئيسين "باراك أوباما" و"دونالد ترامب"، تضاءل نفوذ الولايات المتحدة في جميع أنحاء أفريقيا، وبشكل خاص في القرن الأفريقي والممرات المائية المجاورة للبحر الأحمر وخليج عدن.

وصعد منافسو واشنطن وحلفاؤها أيضا إلى أدوار أكثر حسما، حيث حرص كل منهم على إنشاء موطئ قدم له في المنطقة البحرية الحرجة، وأجرت الصين وروسيا وتركيا، وحتى الاتحاد الأوروبي، مناورات في المنطقة، لكن أكثر العروض الهائلة للهيمنة الإقليمية جاءت من القوى الشرق أوسطية، خاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وفي مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد، والربيع العربي المزعزع للاستقرار، والمظلة الأمنية الأمريكية المتقلصة، سعى ولي العهد الإماراتي "محمد بن زايد"، ونظيره السعودي "محمد بن سلمان"، إلى تغيير جذري في العلاقات مع جيرانهم عبر البحر الأحمر.

وفي عام 2015، أنشأت الإمارات قاعدة عسكرية في إريتريا، شن التحالف السعودي الإماراتي منها حربه في اليمن، وغالبا ما كان التحالف يعتمد على القوات السودانية النظامية والقوات شبه العسكرية في العمليات البرية.

وتقوم الإمارات الآن ببناء قاعدة عسكرية ثانية في ميناء "بربرة" في "أرض الصومال"، بينما يخطط السعوديون لمنشأة عسكرية في جيبوتي المجاورة، كما وسع كلا البلدين علاقاتهما التجارية مع القرن الأفريقي، وقدما دفعات نقدية كبيرة للسودان وإثيوبيا.

ويعد الهدف الرئيسي من هذه الجهود هو مواءمة دول القرن مع المحور السعودي الإماراتي ضد إيران وقطر وتركيا. وتحقيقا لهذه الغاية، تجد الرياض وأبوظبي أنه من المفيد حماية الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، لأن مصالح دول الخليج لا تتماشى دائما مع الرأي العام.

وفي السودان، على سبيل المثال، دعمت الحكومة التدخل الإماراتي السعودي في اليمن، على الرغم من الانتقادات من مختلف الأطياف السياسية السودانية.

ويسعى الاتحاد الأفريقي وكتلة إقليمية في شرق أفريقيا تعرف باسم الهيئة الحكومية للتنمية، "إيغاد"، إلى صياغة نظام إقليمي يستند إلى سيادة الدول الأفريقية وأمنها الجماعي. ويظل الالتزام بالديمقراطية داخل هذه المؤسسات ضعيفا، كما يتضح من العديد من القادة الاستبداديين المشاركين في صفوفها، لكن المنظمتين تتبنيان قواعد الحكم الدستوري والسيادة المدنية في السياسة أكثر بكثير من قادة دول الخليج.

وسعت دول الخليج، من ناحية، والمنظمات الأفريقية، من ناحية أخرى، إلى إضفاء الطابع الرسمي على رؤاها المتنافسة في الأعوام الأخيرة.

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي فقط، افتتح السعوديون منتدىً للبحر الأحمر، يشمل جميع دول القرن الساحلية، وكذلك السعودية واليمن ومصر والأردن، وسينظم المنتدى مجموعات عمل على المستوى الوزاري، من أجل تنسيق السياسات في جميع أنحاء المنطقة في مجالات مثل الدفاع وجمع المعلومات الاستخبارية والتعاون الاقتصادي والسياسة البيئية.

ومنذ أكثر من عامين، يسعى الاتحاد الأفريقي و"إيغاد" أيضا إلى تعزيز الحوار والتعاون بشأن قضايا القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بما في ذلك التدخل الخليجي.

وقام الاتحاد الإفريقي بتوسيع ولاية فريقه الخاص المعني بالسودان وجنوب السودان لمعالجة القضايا الإقليمية الأوسع نطاقا، وقد مددت "إيغاد" مؤخرا ولاية مبعوثها الخاص إلى الصومال لتشمل البحر الأحمر وخليج عدن، كما أقر مجلس وزراء "إيغاد" بقوة نهجا مشتركا تجاه البحر الأحمر، وفي أبريل/نيسان، أنشأ فريق عمل للبدء في صياغة طريقة عمل لهذا النهج.

الصراع في السودان

تظهر الخطوط العريضة لهذا الصراع في السودان، وصمدت الرياض وأبوظبي خلف المجلس العسكري الانتقالي الحاكم، حيث قدّما الدعم السياسي والعسكري لحكومة ما بعد الانقلاب، وتبنت مصر وإريتريا، وهما حليفان أفريقيان مهمان للمحور السعودي الإماراتي ويشتركان في حدود طويلة مع السودان، موقفا مماثلا.

وأكد المجلس الانتقالي السوداني، بقيادة "عبدالفتاح البرهان" و"محمد حمدان دقلو"، المعروف باسم "حميدتي"، التزام القوات السودانية تجاه حرب اليمن، والعلاقات طويلة الأمد مع السعودية والإمارات. وفي الواقع، شجعت الحكومتان الملكيتان في الخليج الجنرالات على الإطاحة بـ"البشير"، الذي اعتبروه غير موثوق به بسبب علاقاته الدافئة مع قطر وتركيا، واتجاهاته الإسلامية.

ودعمت الحكومتان المجلس العسكري الانتقالي بمبلغ 3 مليارات دولار من المساعدات فور إقالة "البشير"، ويبدو أن الإمارات قد زودت قوات الدعم السريع، التابعة لـ"حميدتي"، بالمدرعات الإماراتية، وعلى الرغم من أن الدولتين خففتا من دعمهما العلني للمجلس بعد أن ارتكبت قوات "حميدتي" مذبحة بحق المتظاهرين المدنيين في أوائل يونيو/حزيران، واصلت أبوظبي والرياض توفير غطاء سياسي للجنرالات السودانيين أثناء جهودهم للسيطرة على عملية الانتقال.

وبذلت "إيغاد" والاتحاد الأفريقي، إلى جانب الحركة الديمقراطية في السودان، جهدا لدفع المجلس العسكري الانتقالي للتخلي عن السلطة إلى إدارة مدنية انتقالية.

وكانت جهود هذه المنظمات في بعض الأحيان عشوائية وغير منسقة، لكن موقفها كان واضحا، وكان مجلس السلام والأمن في الاتحاد الأفريقي قد طالب في البداية، في منتصف أبريل/نيسان، بأن يتخلى الجيش السوداني عن السلطة لحكومة مدنية في غضون 15 يوما من الإطاحة بـ"البشير".

وبعد أسبوع تقريبا، مدد فترة السماح إلى 3 أشهر بعد ضغوط من رئيس مصر "عبدالفتاح السيسي" الذي يترأس الاتحاد، ولكن بعد قتل المتظاهرين، أوقف المجلس عضوية المجلس الانتقالي في الاتحاد الأفريقي، وهدد بفرض مزيد من العقوبات إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن انتقال بقيادة مدنية بحلول نهاية ذلك الشهر.

وحاول رئيس الوزراء الإثيوبي التوسط في صفقة انتقال السلطة لقيادة مدنية، باستخدام موقف الاتحاد الأفريقي و"إيغاد" كنقطة انطلاق، ووافق الطرفان في النهاية على تقاسم السلطة لمدة 3 أعوام عبر التناوب على قيادة مجلس يتكون من عدد متساو من الممثلين العسكريين والمدنيين.

ولا تزال الاتفاقية هشة، لكن يبدو أن مجلس السلام والأمن مستعد لمراقبة تطبيقها قبل انضمام السودان إلى الاتحاد الأفريقي من جديد.

ومن المرجح أن يحدد ما سيحدث في السودان مستقبل القرن الأفريقي ككل على مدار العقد المقبل أو أكثر من ذلك، وإذا تمسك المجلس العسكري بالسلطة، فلن تضمن الرياض وأبوظبي حليفا سياسيا وعسكريا مهما فحسب؛ بل ستكونان قد أكدتا نفسيهما كصانعتين للملوك، وفرضتا إرادتهما على أولويات السياسة الخارجية في بلدان القرن الأفريقي ومنعتا التحولات الديمقراطية.

لكن إذا استطاع الاتحاد الأفريقي و"إيغاد" رعاية عملية الانتقال إلى الحكومة المدنية في السودان، فسيكونان قد أرسيا الأساس لنظام إقليمي مختلف تماما، نظام قادر على تحقيق السلام والتنمية والمساءلة الحكومية.

المصدر | فورين أفيرز - ترجمة الخليج الجديد