الأحد 22 سبتمبر 2019 10:05 ص

مباشرة بعد هجوم 14 سبتمبر/أيلول على منشأة رئيسية لإنتاج النفط تابعة لشركة "أرامكو" السعودية في "بقيق"، تم توجيه أصابع الاتهام بشكل أولي إلى إيران. وبينما أعلن حلفاء طهران من الحوثيين في اليمن مسؤوليتهم، أخبر مسؤولون أمريكيون أن إيران هي التي أطلقت صواريخ كروز وطائرات بدون طيار من أراضيها لشن تلك الهجمات. ومع انخفاض إنتاج النفط السعودي إلى النصف، وارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة، حذر "دونالد ترامب" من أن الولايات المتحدة كانت تدرس خياراتها بعد التعرف على الجاني. وأدى ذلك إلى ادعاء العديد من المنافذ بأن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران محتملة أو حتى لا مفر منها. ولحسن الحظ، فهناك 5 أسباب لعدم حدوث ذلك.

الأمريكيون لا يريدون الحرب مع إيران

على الرغم من 4 عقود من العلاقات المتوترة، والشعار الشعبي الإيراني "الموت لأمريكا"، لا يريد الشعب الأمريكي ببساطة محاربة إيران. وقد قمنا بجمع بيانات مسح للرأي العام في شهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2019 لقياس استعداد الأمريكيين لدعم العمل العسكري ضد إيران. وكشفت البيانات أن غالبية قوية من الديمقراطيين، وصلت إلى 86%، والمستقلين، بنسبة وصلت 81%، والجمهوريين، بنسبة 81%، يدعمون جميعهم القرار الرئاسي بعدم اتخاذ أي إجراء تصعيدي. وكان هناك أيضا دعم مشترك لفرض عقوبات إضافية، بنسب 52 و61 و89% على التوالي، لكن التأييد للخيارات العسكرية كان أقل بكثير.

وكان توقيت هذا المسح حاسما. حيث جاء في فترة اتهم فيها المسؤولون الأمريكيون إيران مرارا وتكرارا بارتكاب أعمال عدائية. وتم إجراء الدراسة بعد هجمات 13 يونيو/حزيران على ناقلتي النفط اليابانية والنرويجية في خليج عمان، وكذا بعد حادث طائرة استطلاع أمريكية من طراز "RQ-4A" فوق مضيق هرمز في 20 يونيو/حزيران. ولم تزد أي من الحوادث الدعم الشعبي للعمل العسكري بشكل ملحوظ. وحتى الجمهوريون لم يعربوا عن مزيد من الدعم للغارات الجوية أو الغزو البري في الأيام التي تلت الاستفزازات الإيرانية. وتعني هذه التفضيلات المستقرة أن هجمات نهاية الأسبوع الماضي على منشآت معالجة النفط السعودية من غير المرجح أن تؤدي إلى أي ضغط عام من أجل الرد.

ترامب يفضل التفاوض

ورغم كل ما أظهره من صخب، فقد أعرب الرئيس "ترامب" مرارا وتكرارا عن تفضيله مواصلة المفاوضات بدلا من الأعمال العسكرية. وأثبت "ترامب" أيضا أنه يقوم كل مرة بالتهديد باستخدام القوة لكنه يتراجع سريعا. وقبل شهرين فقط، أعلن أنه ألغى ضربة ضد إيران، وأعرب عن أمله في أن ينضم إليه القادة الإيرانيون على طاولة المفاوضات. ويذكر هذا بتصرفات "ترامب" في عام 2017، عندما هدد مرارا وتكرارا بتدمير كوريا الشمالية. وفي نهاية المطاف، قرر التخلي عن الخيار العسكري، وأصبح في النهاية أول رئيس أمريكي يعبر المنطقة منزوعة السلاح إلى كوريا الشمالية.

وخلال الأسبوع الماضي، أكد "ترامب" إنه في حين أكدت الاستخبارات مسؤولية إيران بشكل كبير، إلا أنه ما زال يريد تجنب الحرب. وتمسك "ترامب" بهذا المنطق حتى مع ظهور أدلة ظرفية على أن الأقمار الصناعية الأمريكية لاحظت استعدادات إيرانية قبل تنفيذ هجمات "أرامكو".

رحيل "بولتون"

حتى الأسبوع الماضي، كان "جون بولتون"، الذي قال عنه وزير الدفاع السابق "جيمس ماتيس" مازحا إنه "شيطان متجسد"، مستشار الأمن القومي لـ"ترامب". وأدت إزاحة "بولتون" إلى إضعاف تأثير ما يسمى بـ"الفريق ب" الذي يتألف من "بولتون" ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" وولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" وولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد".

وكان "بولتون"، أحد أقوى المؤيدين لغزو العراق عام 2003، ويُعتبر منذ فترة طويلة أكثر مستشاري البيت الأبيض تشددا. ودافع "بولتون" عن نهج المواجهة تجاه كوريا الشمالية وروسيا وسوريا، وسعى بقوة لدفع واشنطن لمواجهة إيران. وفي الواقع، برز "بولتون" مبكرا كأحد الخصوم الرئيسيين لخطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة أيضا باسم الاتفاق النووي الإيراني. وترتبط إقالة "بولتون" مباشرة بالخلافات حول السياسة تجاه إيران، ويشير رحيله إلى أن حمائم إيران يهيمنون الآن على تفكير البيت الأبيض.

الجيش يعارض

وفي يوليو/تموز من هذا العام، عبر الجنرال "مارك ميلي"، رئيس أركان الجيش الأمريكي، عن شكوكه لمجلس الشيوخ حول احتمال نشوب حرب كبرى مع إيران. وأدلى "ميلي" بهذه التصريحات خلال جلسات استماع مخصصة لتزكيته ليصبح رئيسا لهيئة الأركان المشتركة، حيث أوضح أن الجيش يركز على استراتيجية المنافسة بين القوى العظمى، وأن الصراع مع دولة متمردة مثل إيران سيعطل هذه الخطط. ومنذ ذلك الحين، أكد مراسلون في صحيفة "وول ستريت جورنال" أن وجهات النظر هذه لا تزال هي السائدة في البنتاغون. ومما لا يثير الدهشة، حث المسؤولون العسكريون على توخي الحذر وضبط النفس في أعقاب هجوم السبت.

ومع ذلك، استمر المخططون الأمريكيون في النظر في المناورات الحربية الممكنة في حال وقوع صراع محتمل مع إيران. وتأخذ السيناريوهات في الاعتبار نحو 900 ألف من الأفراد العسكريين الإيرانيين الناشطين والاحتياطيين، والتهديد المحتمل لمضيق هرمز، والترسانة الإيرانية من الصواريخ الباليستية، والدفاعات الجوية الأصلية والروسية الحديثة نسبيا، والسكان الذين سوف يحملون السلاح بكل تأكيد ضد الغازي. وبغض النظر عن التفوق العسكري الأمريكي الساحق، يعرف الجيش الأمريكي أن المعركة ضد إيران لن تكون معركة سهلة.

 إيران لا تريد الحرب

صرح المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي"، علنا، بأن إيران لا تسعى إلى شن حرب على الولايات المتحدة. ويعلم المسؤولون الإيرانيون أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة قد لا تكون قادرة على الفوز بشكل قاطع، فإن إيران ستتحمل معظم التكاليف البشرية. ولا يزال شبح الحرب الإيرانية العراقية، بين عامي 1980 و1988، يلوح في أذهان الجمهور الإيراني. وعانت إيران من مقتل ما يقدر بنحو مليون شخص في النزاع، بما يعادل 2% من سكانها في ذلك الوقت، مما أثر على جيل كامل من الإيرانيين.

ولا يعد هدف إيران هو ضرب الولايات المتحدة عبر الحرب. وبدلا من ذلك، فهي تلعب لعبة شطرنج دقيقة تسمح للنظام بتحسين وضعه التفاوضي من خلال إظهار القدرة على فرض التكاليف على الولايات المتحدة وحلفائها. وفعلت طهران ذلك من خلال سلسلة من التصعيدات المحدودة، وتجنبت بعناية الاستفزازات التي تدفع "ترامب" للرد. واعتمدت طهران بشكل أكبر على استخدام القوات بالوكالة الأعمال الذي يمكن إنكار المسؤولية عنها في العراق ولبنان وسوريا واليمن. ولدى إيران سبب وجيه للاعتقاد بأن هذه الاستراتيجية قد تنجح، بالنظر إلى إلغاء "ترامب" للضربات السابقة ضد إيران، واستعداده للتفاوض مع كوريا الشمالية في أعقاب تكثيف خطابها وأنشطتها النووية والصاروخية.

وفي حين أن الباحثين وصناع السياسات كثيرا ما يعبرون عن قلقهم إزاء خطر حدوث حرب عرضية، يبدو تجنب التصعيد غير المقصود ممكنا للغاية في هذه الحالة. ونظرا لأن الولايات المتحدة وإيران ملتزمتان بتجنب الحرب، فإن أي إجراءات أخرى ستنحصر في شكل ضربات محدودة أو أنشطة سرية بالوكالة. ومن غير المرجح أن يكون هناك خطأ في الحسابات قد يتسبب في اندلاع صراع مفتوح مصحوب بتكاليف باهظة، وهي تكاليف لا يوافق عليها لا القادة ولا الشعوب في كلا البلدين.

المصدر | ناشيونال إنترست