الاثنين 2 ديسمبر 2019 04:43 م

لا تزال المخاوف من اندلاع حرب واسعة النطاق في الشرق الأوسط تتصاعد مع استمرار الولايات المتحدة في تشديد العقوبات ضد إيران، بينما تتخذ طهران تدابير تخفض من خلالها التزاماتها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة.

وكانت أحدث فصول الرد الإيراني على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي لعام 2015 ما أكدته الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 11 نوفمبر/تشرين الثاني حول استئناف طهران أنشطة تكرير اليورانيوم في منشأة التخصيب تحت الأرض في "فوردو".

لكن قد يكون السؤال الاستراتيجي الأكثر إلحاحا الذي يواجه المنطقة اليوم هو: إلى أي مدى قد تستمر دورة التصعيد هذه دون إثارة حريق كبير بين الجمهورية الإسلامية من جهة وبين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى؟

وتخلق هذه الديناميكية تحديات لحلفاء الولايات المتحدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ولا تعد قطر استثناء من ذلك، حيث تجد الإمارة نفسها في موقف فريد، ليس فقط بسبب ارتباطها الذي لا مفر منه بالتوترات الإيرانية الأمريكية شأنها شأن سائر دول الخليج، ولكن أيضا بسبب اختلافاتها السياسية الرئيسية مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وبالتالي، بالنسبة إلى الدوحة، من الضروري إيجاد طريقة لتجنب الوقوع في فخ أي صراع محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، ومن وجهة نظر قطر، قد يكون إبرام معاهدة عدم اعتداء بين طهران والدوحة خطوة حكيمة في هذا الاتجاه.

وقد لا تملك إيران الوسائل لحماية أراضيها من الدمار في حالة نشوب صراع، لكنها بالتأكيد لديها القدرة على إلحاق خسائر فادحة بجيرانها المتحالفين مع الولايات المتحدة، بما في ذلك قطر، التي على الرغم من العلاقات الودية مع طهران تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.

وتستضيف قاعدة "العديد" الجوية، جنوب غرب الدوحة، التي وصفها قائد سلاح الجو الأمريكي بأنها "موقع استراتيجي هائل، في وسط كل شيء"، أكثر من 10 آلاف من القوات الأمريكية، وتحاول إدارة "ترامب" مؤخرا توسيع وتطوير "العديد"، "ما يجعلها ليست فقط أكثر مركزية في الموقف العسكري الأمريكي، ولكن أيضا أكثر ديمومة"، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست"، وهو جهد تدعمه الدوحة بحماس من خلال استثمار مبلغ  1.8 مليار دولار لتطوير القاعدة.

وضع معقد

غير أن الوضع الجيوسياسي لدولة قطر معقد إلى حد ما، وفي حين عقدت الدوحة العزم على التغلب على الحصار الذي تفرضه الكتلة التي تقودها السعودية والإمارات، لم يكن أمامها خيار سوى تعزيز علاقاتها مع إيران في مجموعة من المجالات، من الطيران والأمن الغذائي إلى السياحة والدبلوماسية، وعلى نفس المنوال، دفع الحصار الدوحة أيضا إلى بذل جهد كبير لتحسين علاقتها مع الولايات المتحدة قدر الإمكان.

ويبدو أن جهود الدوحة للحفاظ على علاقات سلمية ومتصالحة نسبيا مع طهران، وكذلك نزاعها المكلف مع السعودية وأعضاء آخرين في مجلس التعاون الخليجي، قد خلقت انطباعا بأن قطر سوف تتعرض للأذى إذا اندلعت أي حرب مع إيران.

وفي 20 يونيو/حزيران، تراجع الرئيس "دونالد ترامب" عن قراره السابق بشن هجوم عسكري ضد إيران انتقاما لإسقاط فيلق الحرس الثوري الإسلامي طائرة أمريكية بدون طيار عالية التقنية، التي زعمت إيران أنها انتهكت المجال الجوي الإيراني.

وبعد مرور 3 أشهر تقريبا، قال اللواء "أمير علي حاجي زاده"، رئيس قسم الطيران في الحرس الثوري الإيراني، في تعليقات نادرة، إنه لو لجأت واشنطن إلى القوة العسكرية، فإن الحرس الثوري الإيراني سيستهدف على وجه التحديد "قاعدة العديد (في قطر)، وقاعدة الظفرة (في الإمارات) وأي ناقلة أمريكية في بحر عمان".

واستنادا إلى المبدأ الدفاعي للحرس الثوري الإيراني، فإن أي جهة فاعلة قد تساعد وتحرض الخصم في القيام بعمل عسكري ضد إيران بأي شكل من الأشكال، بما في ذلك تقديم الدعم الفني أو الأرض أو المجال الجوي، تبقى هدفا مشروعا.

ووفقا لهذا المعيار، ليس من المستغرب أن يولي كبار قادة الحرس الثوري الإيراني أهمية خاصة لقطر في خطط الطوارئ الخاصة بهم للرد.

ويوجد سابقة لهذا أيضا، فخلال مرحلة "حرب الناقلات" في الحرب الإيرانية العراقية، ابتداءً من عام 1984 فصاعدا، لجأت طهران إلى استخدام القوة ضد ناقلات النفط التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي، مثل المملكة العربية السعودية والكويت وقطر، رغم أنهم لم يكونوا أعداء معلنين للجمهورية الإسلامية، ولكنهم ساعدوا عراق "صدام حسين" بطريقة أو بأخرى في حملته الجوية القوية ضد المنشآت النفطية والسفن الإيرانية.

وعلى نفس المنوال اليوم، إذا شعرت إيران بالضغط واليأس في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي والقوة الساحقة للولايات المتحدة، فمن المرجح أن تستهدف حلفاء واشنطن الإقليميين لإجبار الولايات المتحدة بشكل غير مباشر على التراجع.

وبالنظر إلى مثل هذا الاحتمال، نقل البنتاجون العمليات القيادية بشكل مؤقت، خارج منطقة مركز القيادة والتحكم في العديد في أواخر سبتمبر/أيلول، وكان هذا جهدا تكتيكيا لتقليل التعرض للمخاطر في حالة حدوث نزاع في الخليج.

معاهدة عدم الاعتداء

وتؤكد هذه الاعتبارات أهمية إبرام معاهدة عدم اعتداء بين قطر وإيران، وهي الفكرة التي طرحها وزير الخارجية الإيراني "محمد جواد ظريف" خلال زيارة للعراق في مايو/أيار، كإجراء لتخفيف التوترات الإقليمية.

لكن هذا الأمر سيكون له تداعيات كبيرة، وفي أبسط أشكاله، سيمنع مثل هذا الاتفاق الدوحة من السماح باستخدام أراضيها ومواردها ضد إيران في أي مواجهة عسكرية محتملة مع الولايات المتحدة، وبالمثل سوف يكون من المحظور على طهران توجيه انتقامها إلى الدولة الخليجية الصغيرة ومصالحها.

ولكن في نهاية المطاف، في حين أن اتفاق عدم الاعتداء قد يساعد في احتواء العواقب الكارثية للحرب وانتشارها إلى المنطقة ككل، فإن السياسة الأكثر حكمة بكثير تتمثل في منع نشوب الصراع العسكري في المقام الأول، ومثل الدول الخليجية الصغيرة الأخرى، تمتلك قطر مصلحة واضحة في منع حدوث أي أزمة.

وفي حين ركّزت الكثير من التحليلات الأخيرة حول منطقة الخليج على احتمالات رفع الحصار عن قطر وحل الخلاف المستمر منذ ما يقرب من 30 شهرا، فبالنسبة لقطر، تعد الأسئلة المثارة حول مستقبل العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي أقل إلحاحا من المعضلات الأمنية للإمارة الناجمة عن المواجهة الأمريكية الإيرانية.

ولا توجد طريقة للتغلب على حقيقة أن قطر تشترك في حدود بحرية وعلاقة إيجابية شاملة مع إيران بينما تعمل أيضا كحليف عسكري وثيق للولايات المتحدة، وهو توازن بالغ الصعوبة، لا سيما خلال رئاسة "ترامب" الذي لا يمكن التنبؤ به.

المصدر | ميسم بهرافيتش وجورجيو كافييرو | معهد الشرق الأوسط - ترجمة الخليج الجديد