الاثنين 2 ديسمبر 2019 07:05 ص

صراعات كثيرة داخل الصراع الدموي في العراق

كل هذه الحجج لا تبرر الفساد الداخلي بل ألقت الضوء على إيران كحامٍ له ومستفيد منه.

صراع بين الجميع وما سمّي الطرف «الثالث» الذي تولّى تنفيذ جرائم القتل والخطف والتنكيل وكل هؤلاء تقاذفوا كرة النار.

سفك الدماء رفعت طموحات الاحتجاج سياسياً: لم يعُد النظام مقبولاً ولا أحزابه وشخوصه وعقليته وبالأخص فساده.

مهما تصوّرت المخيّلات الفساد بالعراق فلن تتمكّن من الإحاطة به.. الكلام يدور عن مئات مليارات الدولارات.

اشتعلت صراعات داخل الحكومة وبين الأحزاب نفسها المشاركة فيها وداخل أجهزة وقوى عسكرية وأمنية وبين فصائل وفصائل أخرى في «الحشد الشعبي».

الغموض المتعمّد حول هوية «الطرف الثالث» أو فرق القتل لعب ضد مصلحة آمريها ومحرّكيها من قادة «الحشد» المرتبطين مباشرة بإيران.

*     *     *

تصعب التوقعات لمآلات الأزمة في العراق، فكل يوم جديد يمضي عليها يضيف إلى تعقيداتها، وكل متظاهر يُقتَل لتثبيط عزائم رفاقه لا يلبث أن يضاعف أعداد المحتجّين.

لم تكن الانتفاضة الشعبية مفاجئة لمنظومة الحكم والسلطة، التي راهنت كما في 2015 و2018 على توافقات بين أطرافها، وعلى أولوية الانتهاء من الحرب على «تنظيم الدولة»، وعلى وعود بالإصلاح لم تتحقق، كي تعيد الغاضبين إلى بيوتهم.

هذه المرة أصبح مؤكداً أن الخروج إلى الساحات والشوارع بلا عودة، وإذ انطلقت الاحتجاجات بالشكاوى الحياتية المعروفة مرفقة بمطالبة باستقالة الحكومة إلا أن مواجهتها بسفك الدماء جعلت سقف طموحاتها يرتفع سياسياً: لم يعُد النظام مقبولاً، ولا أحزابه، ولا شخوصه، ولا عقليته، ولا بالأخص الفساد الذي بُني عليه!

ومهما تصوّرت المخيّلات أشكالاً لهذا الفساد فإنها لن تتمكّن من الإحاطة به، فالكلام يدور -بلا مبالغة- على مئات مليارات الدولارات.

مع اهتزاز الطبقة السياسية اشتعلت الصراعات داخل الحكومة وبين الأحزاب نفسها المشاركة فيها، بين الحكومة والشارع، وداخل الأجهزة والقوى العسكرية والأمنية، وبينها وبين الشارع، وبين فصائل وفصائل أخرى في «الحشد الشعبي»، وبين الجميع وما سمّي الجهة أو الطرف «الثالث» الذي تولّى تنفيذ جرائم القتل والخطف والتنكيل.

كل هؤلاء تقاذفوا كرة النار، ليس تبرؤاً من المسؤولية فحسب بل للحفاظ على مكاسب غير مشروعة يُراد لها أن تدوم، وألّا يُوضع مصيرها على محكّ الغضب الشعبي، منذ الأيام الأولى في أكتوبر وحتى أواخر نوفمبر، طرح عادل عبد المهدي فكرة تعديل وزاري لتغيير نصف أعضاء حكومته.

لكنه اضطر للاستقالة ونجا وزراؤه الجدد المفترضون من إحراق مؤكّد لأسمائهم قبل أن يتمكّنوا من مباشرة أعمالهم. كثر الحديث في الأسبوعين الأخيرين عن ضرورة «إنقاذ العملية السياسية» مهما كان الثمن، وكأنها الضمان الحقيقي والوحيد

لـ «الاستقرار»، كان المدافعون عنها يفيضون تعاطفاً مع الانتفاضة و»مطالبها» متجاهلين أنهم صاروا مكشوفين، وأنهم يحاولون أولاً وأخيراً الحفاظ على الصيغة التي أتاحت لهم وجوداً في الساحة، وحصة في الامتيازات والمنافع.

كانوا يشيرون إلى أن العراق يعاني من توترات المنطقة وقابليتها للانفجار بفعل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وفي ظنّهم أن هذا الخطر يكفي لإقناع البيئة الشيعية الثائرة إما بالارتداع وعدم تعريض البلد لشظايا صراع دولي-إقليمي أكبر منه، أو على الأقل بوجوب نصرة إيران ومنع الأميركيين من اختراق صمودها وممانعتها أمام العقوبات وتداعياتها.

لكن كل هذه الحجج لم تعُد تستطع تبرير الفساد الداخلي أو تغطيته، بل ساهمت -على العكس- في إلقاء الضوء على إيران كطرف حامٍ له ومستفيد منه، ثم إن الغموض المتعمّد حول هوية «الطرف الثالث» أو فرق القتل لعب ضد مصلحة آمريها ومحرّكيها من قادة «الحشد» المرتبطين مباشرة بإيران!

بديهي أن الإفراط في العنف عمّق الهوّة بين الشارع والحكومة، ولم يكن سراً أن إيران أصرت على بقائها وعدم تقديمها تنازلات، خلافاً للمرجعية الشيعية في النجف التي ضغطت على الحكومة كي تسرّع تفعيل الإصلاحات أو تتنحّى، وهذا يشير إلى صراع صامت بين طهران والنجف، لكنه ظهر بقوة في الآونة الأخيرة، فما إن استنكر المرجع علي السيستاني تعاظم استخدام العنف ضد المتظاهرين، ودعا مجلس النواب إلى سحب ثقته بالحكومة، حتى سارع عبد المهدي إلى الاستقالة.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني

المصدر | العرب القطرية