الثلاثاء 14 يناير 2020 10:28 ص

عندما قدم الروائي المصري الراحل، "أحمد خالد توفيق" روايته الثانية "السنجة"، لم يحتف بها أحد، ربما كان ذلك لاختلافها التام في أسلوب العرض والسرد عن كل كتاباته السابقة.

وربما للعالم الذي دارت فيه الرواية وانخراطها في حي من أحياء العشوائيات بشخوصه وانحرفاته وتطلعاته وحتى قذارته، وربما حديثه المبكر عن الثورة وتنبئه بفشلها.

وربما يكون كل ما سبق هو إحجام قطاع عريض من متابعي "توفيق" عن تداول هذه الرواية، وإهمال ما فيها من نبؤات تحققت في معظمها.

ماستر سين

على الطريقة الهوليودية تدور أحداث الرواية من خلال مشهد رئيسي "ماستر سين" تدور الرواية كلها حوله في الأثناء، وفي القبل وفي البعد، وهي طريقة تناول غير معتادة في الكتابات الأدبية لدى الجمهور المصري، فضلا عن عدم تطرق "توفيق" لها من قبل، أضف إلى ذلك أن الأدباء المصريين يندر أن يتطرقوا لهذا النوع من السرد.

بذكاء شديد سحبنا الكاتب إلى "دحديرة الشناوي" أحد الأحياء العشوائية في القاهرة، لنبحث عن الكاتب المغمور "عصام الشرقاوي" الذي اختفى في ظروف غامضة، في محاولة لكشف أسباب اختفائه، لكننا نجد أنفسنا فجأة أمام القصة الحقيقية التي تدور حول "عفاف" الفتاة التي تنتحر وسط هذا العالم الغريب والتي تتعدد حكايات الناس عن سبب انتحارها.

يدخلك "توفيق" إلى عالم المهمشين والعشوائيات ويغوص فيه حتى النخاع  من خلال بطله "عصام" الذي يحاول فك لغز كلمة كتبتها "عفاف" على أحد الحوائط قبل أن تنتحر، وهل هذه الكلمة (سنجة أم سرنجة أم سيجة أم سبحة أم سرجة)؟

ومن خلال التلاعب بتحريك الحروف، يسرد لك في كل مرة أثر الكلمة المتكونة على حياة "عفاف"، وسبب ارتباطها بالانتحار.

الثورة والمهمشين

بصورة إنسانية سبرت أغوار النفوس استطاع "أحمد خالد" أن يقنعنا أن الثورة كانت حملا تم في وقته، لكنه في نفس الوقت ألقى شيفرته التي لم نلتقطها في حينها، أن الثورات عادة لا تتم ولا تنجح، وأن خلفها مآس عدة، (يقولون إن السادات لم يذهب إلى القدس الا بعد 17 و18 يناير/كانون الثاني، هل الذهاب إلى القدس كان جريمة؟ إذن المظاهرات كانت خطأ؟ هل الذهاب إلى القدس كان ذكيا؟ إذن المظاهرات مفيدة لو كانت جريمة أو عملا ذكيا، فالنتيجة واحدة، أن مصر تنهار منذ 30 عاما).

ويتساءل "توفيق" في شك في مكان آخر عن إمكانية نهوض البلد من تعاسته أم أنه سيظل في مستنقع الضياع، لنجد بعدها في الفصل الذي جعل فيه حروف الكلمة هي السرجة، قد حول "عفاف" إلى فتاة مغتصبة يغتصبها البلطجي "حماصه" الغامض الذي لا نعرف أبدا طوال الأحداث سر قوته ولا شكلة الحقيقي، ولا لماذا يخاف منه الجميع، ولا يحاولون مواجهته، لتنتحر "عفاف" بعدها بسبب السرجة وانتهاكها.

إنه الاقتراب الأصدق والأدق من الثورة بعيون الطبقة الدنيا من المجتمع، لقد حلل "توفيق" أن هؤلاء لن يصبروا كثيرا على الوعود، وإنهم قد ينقلبون على الثورة، وهو ما فعله "حماصه" البلطجي الذي اغتصب "عفاف".

كانت صدمه من "توفيق" أن يطرح هذا الطرح ضمن سردية العمل، لكنه كان أمينا مع شخوص روايته، فلم يلجأ لا للشعارات الرنانة، ولا لمخاطبة العاطفة، بل راح يسبر أغوار النفس البشرية التي تسكن هؤلاء المطحونين الذين تسكنهم ألف ثورة قاتلة.

دوامة من الاسئلة

تجبرنا رواية "السنجة" على الدخول في دوامة من الأسئلة، بداية من الزمن المتحرك للأمام والخلف بين الحالي والماضي والمستقبل، وبين الشخوص التي تتسم بغموض غير مفهوم، فما هي مهنة "عفاف"؟ وكيف تتواجد في كل الأعمار وكل الاعمال في وقت واحد؟ومن هو "حماصة"؟ وما هو دور "نوال"؟ وما أثرها على الأحداث؟

رموز كثيرة تمتلئ بها الرواية، وتحتاج إلى أوقات كثيرة تمر حتى نصل إليها، غير أن سؤال:  هل المظاهرات كانت خيرا أم شرا؟ الذي أطلقه في أحد الفصول، ورغم إطلاقه على مظاهرات  انتفاضة الخبز، لكنه ألقى بظل كثيف حول يناير الآخرة، وإنها قد تؤول إلى ما آلت إليه يناير الأولى.

ما عاب هذه الرواية هو ضعف ترابط الأحداث في أحايين كثيرة، فيتحول الأمر في بعض الأجزاء إلى سرد لمجرد السرد، فضلا عن الاستطراد الذي يؤدي إلى تشتيت الحدث الرئيسي.

ومع ذلك فإنه من المفهوم أن عدم ثبات الزمان رغم أنه قد يبدو عيبا لكنه كان جزءا من خطة "أحمد خالد توفيق" لتوصيل مفهومه المبكر وتحليله للأحداث التي يمكن أن تدخلها تجربة الثورة فيما بعد.

رحم الله الدكتور "أحمد خالد توفيق"، ما زالت كتاباته رغم اقتراب عامين على رحيله تبهرنا، وتضع أيدينا على جراح كثيرة، وتبصرنا بأمور نحتاجها في المستقبل.

المصدر | الخليج الجديد