الثلاثاء 14 يناير 2020 11:02 ص

توفي السلطان "قابوس بن سعيد" بعد 5 عقود من الحكم لسلطنة عُمان، وجرى تعيين "هيثم بن طارق" ابن عم "قابوس"، خلفاً له في انتقال سلس للسلطة.

يتولى خليفة "قابوس" القيادة في وقت يتسم بالتوتر الإقليمي الواضح، ويحتل بلده موقعًا محفوفًا بالمخاطر داخل مجلس التعاون الخليجي المتعثر.

لكن مسؤولية التحديات الاجتماعية والاقتصادية في سلطنة عمان تقع بالكامل على عاتق السلطان الجديد، وسيتم على أساسها تحديد النجاح النهائي لقيادة "بن طارق" في عالم السياسة الداخلية والسياسة الاقتصادية.

على الرغم من أن الديوان الملكي أعلن أن "قابوس" كان في "حالة مستقرة"، طوال ديسمبر/كانون الأول 2019، فقد كان من الشائع أن نسمع العمانيين يناقشون حقبة ما بعد "قابوس".

يعتقد الكثير من العمانيين والمحللين أن "بن طارق" أو أحد إخوته كان المرشح الأول لخلافة "قابوس"، لكن الخلافة ظلت غير واضحة، نأى "قابوس" عن قصد بأفراد العائلة المالكة عن مجالات السلطة أثناء حكمه، ما حرم خلفه من خبرة عميقة تحكم البلاد.

وقد شغل السلطان الجديد، في مناصبه السابقة، منصب وزير للثقافة والتراث ووكيل وزارة الخارجية، في الواقع، وعد "بن طارق" في خطابه الأول كسلطان في 11 يناير/كانون الثاني، بمواصلة سياسة مسقط للتعايش السلمي مع الدول المجاورة.

كما ترأس "بن طارق" اللجنة المشرفة على رؤية عمان 2040، وهي استراتيجية واسعة تحدد الأولويات الوطنية للبلاد خلال العقدين المقبلين.

ولدى "بن طارق" روابط مع نخبة رجال الأعمال في البلاد وأظهر اهتمامًا بالشؤون التجارية، ستكون هذه التجربة مفيدة عند تحول السلطان إلى مواجهة التحديات الاقتصادية المتصاعدة في البلاد.

يرجع الفضل إلى "قابوس" على نطاق واسع في الدخول في مستوى غير مسبوق من التنمية الاقتصادية والاتصال بالبنية التحتية في سلطنة عمان.

كانت البلاد متخلفة بشدة أثناء القيادة المثيرة للجدل لوالد "قابوس"، "سعيد بن تيمور آل سعيد"، لكن في السنوات الأخيرة من حكم "قابوس"، كان الكثير من العمانيين قلقين بشكل خاص من أن السلطان المريض لم يتمكن من تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المثيرة للجدل.

بعد عقود من مبادرات التنويع الاقتصادي التي تقودها الحكومة، لا يزال قطاع النفط والغاز يمثل أكثر من 70% من عائدات الحكومة، عندما انهارت أسعار النفط في 2014-2015، تسبب هذا الاعتماد على المواد الهيدروكربونية في ارتباك الموارد المالية الحكومية.

وعلى الرغم من الموارد المالية المحدودة، واصلت الحكومة العمانية الإنفاق بما يتجاوز إمكاناتها، وأدى العجز في الموازنة على أساس سنوي إلى ارتفاع الدين الحكومي، الذي وصل إلى ما يقدر بنحو 50 مليار دولار في عام 2019، ارتفاعًا من 4 مليارات دولار في عام 2014.

وقفز إجمالي الدين الحكومي العام من أقل من 5% من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقرب من 50% في 4 سنوات فقط؛ تشير التقديرات إلى أن هذا الدين قد يصل إلى 64% بحلول عام 2022.

كما يواجه صناع السياسة الاقتصادية في عُمان ضغوطًا متزايدة للحفاظ على ربط العملة بالبلاد، وفقًا لما قاله "زياد داود"، كبير الاقتصاديين في الشرق الأوسط "بلومبرج".

لقد استخدمت البلاد بشكل كبير صندوق الثروة السيادية، صندوق الاحتياط العام للدولة، للمساعدة في تمويل العجز المالي.

توجد أصول تقدر بحوالي 18 مليار دولار في صندوق الاحتياطي العام للدولة، وللبنك المركزي العماني حوالي 17.4 مليار دولار من إجمالي الاحتياطيات الدولية، وهو مبلغ صغير إلى حد ما بالنظر إلى العجز الثابت في الميزانية في البلاد.

صنفت وكالات التصنيف الرئيسية السندات العمانية على أنها "غير مرغوب فيها"، مشيرة إلى الآفاق الخافتة للتوحيد المالي.

مع تولي السلطان الجديد مهامه، يظل احتمال التوحيد المالي الذي طال انتظاره بعيدًا، حيث إن التحويلات النقدية السخية، والمكافآت لموظفي الحكومة، وخلق وظائف حكومية تميل إلى مرافقة التحولات القيادية في المنطقة.

ترسم المؤشرات الاقتصادية الأخرى صورة مختلطة، ولا تزال معدلات البطالة مرتفعة بعناد، خاصة بين الشباب العمانيين.

يقدر البنك الدولي معدل البطالة بين الشباب العماني بنسبة 49%، ولم يحقق النمو والاستثمار الأجنبي المباشر بعد التقدم المطرد والمستمر اللازم لتعزيز ثقة المستثمر.

تقلص الاقتصاد العماني بنسبة 1.9% بالقيمة الاسمية خلال النصف الأول من عام 2019، بسبب انخفاض الأنشطة الصناعية غير النفطية وقطاع الخدمات.

وارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، التي تراوحت بين 2.3 مليار دولار في عام 2016 و 2.9 مليار دولار في عام 2017، إلى 6.4 مليار دولار في عام 2018.

وكما هو الحال في دول الخليج العربية الأخرى، فإن استثمارات النفط والغاز تمثل جزءًا كبيرًا من الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد.

إعطاء الأولوية للإصلاح الاقتصادي

ستحدد التحديات المحلية والاقتصادية الحرجة النجاح المبكر للزعيم الجديد، يجب على "بن طارق" إعطاء الأولوية لثلاثة مكونات رئيسية للسياسة الاقتصادية: الإنفاق الفعال، الاستثمارات الجيدة، والإصلاحات عالية التأثير.

وتتوقع ميزانية عُمان لعام 2020 زيادة في الإنفاق بنسبة 2% مقارنة بعام 2019 وتخفيض بسيط في عجز الموازنة، وعلى عكس الحكومات المجاورة، مثل دبي، التي زادت نفقاتها لعام 2020 بنسبة 17%، تواجه الحكومة العمانية قيودًا مالية كبيرة.

وتخطط الحكومة لتمويل 80% من العجز المتوقع والبالغ 6.5 مليار دولار من خلال الاقتراض الخارجي والمحلي، بينما تملأ الاحتياطيات الفجوة المتبقية في الإنفاق.

وتشكل إيرادات النفط والغاز 72% من إيرادات الحكومة، وتفترض ميزانية عام 2020 سعر نفط قدره 58 دولارًا للبرميل، حيث أن ارتفاع أسعار النفط بسبب المخاطر الجيوسياسية قد يعزز خزائن الحكومة مؤقتًا.

وارتفعت أسعار النفط بنسبة 5% بعد هجوم 3 يناير/كانون الثاني الذي قتل قائد الحرس الثوري الإيراني "قاسم سليماني" في العراق.

وتجاوزت العقود الآجلة لخام "برنت" لفترة وجيزة 70 دولارًا للبرميل في 6 يناير/كانون الثاني، وهو الحد الأدنى للسعر الذي تم الوصول إليه منذ 16 سبتمبر/أيلول 2019.

وفي أعقاب الهجوم الانتقامي الإيراني في 8 يناير/كانون الثاني على القواعد العراقية التي تضم القوات الأمريكية، وصل سعر عقود "برنت" إلى الذروة لفترة وجيزة عند 71.75 دولار للبرميل، لكن العقود الآجلة انخفضت إلى 65.65 دولار للبرميل بعد ذلك بوقت قصير.

ومع ذلك، فإن رد فعل السوق العالمية الضعيف على التوترات الخليجية يوحي بأنه من غير المرجح حدوث مكاسب مالية مفاجئة من ارتفاع أسعار النفط.

لذلك، يجب أن تصبح أنماط الإنفاق على المدى الطويل في سلطنة عمان أكثر كفاءة، وفيما يمثل الإنفاق الاجتماعي حوالي 40% من الميزانية، تخطط الحكومة لصرف 13.8 مليار دولار (حوالي 40% من الميزانية) في المشاريع الاستثمارية ذات فرص العمل العالية والنمو.

ويركز هذا الإنفاق الاستثماري على 5 قطاعات واعدة: النقل والخدمات اللوجستية، والتصنيع، والسياحة، ومصايد الأسماك، والتعدين، والتي تم التأكيد عليها في خطة التنمية الخمسية للبلاد (2016-2020) وتتماشى بشكل عام مع أهداف عُمان 2040.

وسوف تسهل الشركات المملوكة الدولة، مثل مجموعة عمان العالمية للوجستيات وشركة عمان لتطوير السياحة، الاستثمارات في هذه القطاعات.

وتواجه هذه القطاعات منافسة إقليمية شديدة من الدول المجاورة، وتعتبر الإمارات مركزًا لوجستيًا بحكم الواقع في الخليج، وتنفق قطر بشدة لتجهيز مناطقها بتكنولوجيا لوجستية متطورة.

وتسلط سلطنة عمان، من ناحية أخرى، الضوء على الميزة النسبية لموانئها والمناطق الحرة التي تقع بعيدا عن التوترات المنبعثة من مضيق هرمز.

وقد تكافح عمان من أجل التنافس مع جيرانها الخليجيين في القطاعات ذات الأولوية العليا، مثل السياحة، وتروج المملكة العربية السعودية بقوة لصناعة السياحة، وفي سبتمبر/أيلول 2019، قدمت المملكة برنامج التأشيرة الإلكترونية الذي يسمح لمواطني 49 دولة بالتقدم للحصول على تأشيرات سياحية صالحة لمدة 3 سنوات.

ولا تزال الإمارات والبحرين وقطر وجهات مشهورة للمسافرين حول العالم، وقد تكون عمان بمثابة المحطة الثانية للسياح الخليجيين المهتمين بالأنشطة المتخصصة، مثل رياضات المغامرة والسياحة البيئية.

ويمثل جذب الاستثمارات الأجنبية التي تقدم مساهمة واضحة للاقتصاد المحلي أولوية قصوى لصانعي السياسات، في 1 يوليو/تموز 2019، أصدر "قابوس" 4 مراسيم ملكية، بما في ذلك قانون استثمار رأس المال الأجنبي، لجذب مستثمرين جدد.

ومع ذلك، فإن الآمال الكبيرة في الاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة في القطاعات غير النفطية، لم يتحقق، ويعرب بعض العمانيين عن شعورهم بالإحباط لأن دور السلطنة كمفاوض في النزاعات مع إيران وقطر قد فشل في تحقيق أرباح.

ويشكل المواطنون العمانيون حوالي 60% من سكان البلاد؛ لذلك، تشعر عمان بقلق خاص حول قدرة الشركات الأجنبية على إيجاد وظائف للسكان المحليين ومهارات النقل ودفع الضرائب.

لقد فشل الصينيون إلى حد كبير في هذا الصدد، مع التقدم البطيء وتقليص طبيعة المشروعات الصينية في منطقة الدقم الاقتصادية الخاصة، ما يرمز إلى المزيد من الشكوك العامة في الشراكات الاقتصادية مع الصين.

وتنوي الشركات القابضة العمانية المملوكة للدولة خصخصة شركات فرعية إضافية في السنوات القادمة.

يجب أن تتوفر أسبقية للإصلاحات الاقتصادية عالية التأثير، وتتطلب بعض النهج السياسية إعادة النظر، ولم تطبق سلطنة عمان ضريبة القيمة المضافة، كما هو متفق عليه في اتفاقية ضريبة المكوس المشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي لعام 2016.

إن ضريبة الاستهلاكية المتواضعة في البلاد - والمتوقع أن تحقق حوالي 260 مليون دولار سنويًا - لا تقدم أي أموال مفاجئة، ويمكن فهم النهج العماني الصارم المتزايد في تأميم القوى العاملة بالنظر إلى التركيبة السكانية للبلاد، رغم أنه يجازف بجعل البلاد أقل جاذبية للمقيمين الأجانب والشركات الأجنبية.

بدلاً من توليد العمالة المحلية التي تركز على العرض باستخدام الحظر المفروض على تأشيرات العمل للمغتربين، على سبيل المثال، فإن النهج الذي يركز على الطلب وتنمية المهارات المحلية أكثر استدامة على المدى الطويل.

وينظر بعض العمانيين إلى الإصلاحات الاقتصادية المثيرة للجدل في المملكة العربية السعودية باعتبارها جريئة، وتشير الخطوات الضرورية إلى وجود شهية للإصلاح في عمان.

ويقدم الانتقال السياسي للسلطان الجديد وحكومته خيارًا للحفاظ على الوضع الراهن للسياسة الاقتصادية أو إجراء تحول هيكلي أعمق للمؤسسات الاقتصادية السائدة.

ويعد السيناريو الثاني أكثر ترجيحًا، ولكن هناك حاجة ملحة لاتخاذ إجراءات حاسمة بشأن المبادرات الاقتصادية التي طال انتظارها.

المصدر | روبرت موجيلنيكي | معهد الخليج العربي بواشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد