الثلاثاء 21 يناير 2020 04:44 م

في 8 يناير/كانون الثاني الجاري دُفن "جمال جعفر الإبراهيمي" في النجف بالعراق، ورغم أن "الإبراهيمي" وُلد بعيدا في الجنوب في محافظة البصرة، إلا أن النجف كانت المكان الذي اختير للدفن.

تضم النجف مسجد "الإمام علي"، وهو ضريح قديم لتكريم "علي بن أبي طالب" صهر النبي "محمد" عليه الصلاة والسلام.

ويجذب الضريح الشيعة من جميع أنحاء العالم، والذين سيتوجه الكثير منهم في المستقبل بلا شك إلى قبر "الإبراهيمي". سيتم تذكير الزائرين بأن الصواريخ الأمريكية قتلت زعيم الميليشيا المعروف بالاسم المستعار "أبومهدي المهندس".

توفي "المهندس" في الساعات الأولى من يوم 3 يناير/كانون الثاني في مطار بغداد الدولي مع الرجل الذي ذهب لتحيته؛ وهو الجنرال الإيراني "قاسم سليماني"، قائد قوة "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني.

زاد اغتيال "المهندس" من العداء المحلي للوجود الأمريكي في العراق حتى بين المعارضين للتدخل الإيراني في شؤونهم الداخلية، ربما أكثر من "سليماني" نفسه.

على عكس "سليماني"، كان "المهندس" عراقيا، وإن كان يتمتع بعلاقات أسرية ومهنية وثيقة مع إيران، مع كونه مسؤولا حكوميا. بالنسبة للعراقيين، فإن قتل "المهندس" يعادل قتل الجنرال "دانييل هوكانسون" مدير الحرس الوطني للجيش الأمريكي.

الفرق هو أنه في حين أن معظم الأمريكيين لم يسمعوا قط عن "هوكانسون"، فإن كل عراقي يعرف بـ"المهندس".

  • وظيفة "المهندس"

لديّ علاقة شخصية مع "المهندس"، ولولا التفجير الانتحاري الذي وجهه ضد السفارتين الأمريكية والفرنسية في الكويت في ديسمبر/كانون الأول 1983، فما كان من المرجح بشكل كبير أن أُختَطف أنا وحوالي 100 أمريكي وأوروبي آخرين في لبنان في الثمانينيات.

دعني أشرح ذلك.

تبدأ القصة بمولد "الإبراهيمي" بالقرب من البصرة في عام 1954، عندما كان العراق ملكية يسيطر عليها البريطانيون. أطاح انقلاب عسكري يقوده العقيد "عبد الكريم قاسم" بالملك الهاشمي بعد 4 سنوات.

أدى ذلك حتما إلى انقلاب تلو الآخر إلى أن استولى حزب البعث على السلطة في عام 1968. وأصبح العراق في عهد "صدام حسين" من أكثر الديكتاتوريات وحشية في منطقة من الطغاة.

كانت يد "صدام" قاسية بشكل خاص على الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب، وتخفى المسلحون في كلا المجتمعين.

حصل "الإبراهيمي" على درجة البكالوريوس في الهندسة من جامعة التكنولوجيا في بغداد عام 1977، ومثل العديد من الشيعة الآخرين المعارضين لـ"صدام"، انضم لحركة "الدعوة" التي قمعها النظام، وهرب "المهندس" إلى إيران، التي كانت خلعت للتو الشاه وأسست الجمهورية الإسلامية.

دربت إيران الشيعة العراقيين المعارضين في الأحواز للقتال ضد الجيش العراقي، الذي غزا إيران في عام 1980. وإضافة إلى القتال على الخطوط الأمامية للحرب الإيرانية العراقية، قام "المهندس" وغيره من أعضاء حزب "الدعوة" بشن عمليات إرهابية في الكويت.

كان الكويتيون يمولون آلة "صدام" الحربية، وأرادت إيران أن تجعلهم يدفعون ثمن ذلك. قام "المهندس" بتنظيم الهجوم على السفارتين الأمريكية والفرنسية بالكويت في ديسمبر/كانون الأول 1983، بعد شهرين من تفجير الشيعة الآخرين المدعومين من إيران الثكنات العسكرية الأمريكية والفرنسية في بيروت.

هرب "المهندس" إلى العراق، لكن الكويت اعتقلت 17 مشتبها بهم، وكان العديد منهم ينتمون إلى الجماعة الشيعية اللبنانية "حزب الله". أحدهم كان "مصطفى بدر الدين" ابن عم المسؤول في حزب الله "عماد مغنية"، أدانت محكمة كويتية الـ17 رجلا، وحكمت على العديد منهم بالإعدام.

تسارعت عمليات خطف الأمريكيين في لبنان، التي بدأت عام 1982 باختطاف رئيس الجامعة الأمريكية "ديفيد دودج" ردا على اختطاف 5 إيرانيين على أيدي مسيحيين تدعمهم (إسرائيل).

طالب الخاطفون اللبنانيون بالإفراج عن الـ17 الذين قبضت عليهم الكويت، وتصور هؤلاء وإيران تبادل رهائن مباشر، لكن هذه الطريقة لم تنجح.

واضطر رئيس مكتب وكالة "أسوشييتد برس" آنذاك "تيري أندرسون"، وعشرات آخرون إلى تحمل سنوات بائسة من الأسر. لم تفرج الكويت عن سجنائها، لكنها امتنعت عن إعدامهم خشية قتل الرهائن الغربيين.

حقق الأسرى حريتهم عندما غزا عدوهم القديم "صدام" الكويت في أغسطس/آب 1990؛ حيث تم فتح السجون وفر الـ17 إلى إيران. لم يتم إطلاق سراح الرهائن الأجانب في لبنان حتى انتهت الحرب الأهلية اللبنانية، وقرر "حزب الله" تأسيس نفسه كحزب سياسي شرعي.

استمر حزب "الدعوة" في قتاله ضد "صدام" والدول الغربية التي ساندته حتى عام 2003، عندما غزت الولايات المتحدة العراق وسمحت لأعضاء المجموعة بالعودة إلى ديارهم والترشح للبرلمان والمشاركة في الحكومة.

انتمى "إبراهيم الجعفري" -أول رئيس وزراء في العراق بعد "صدام"- إلى حزب "الدعوة"، وكذلك اثنان من خلفائه، "عز الدين سالم" و"نوري المالكي".

تعاون حزب "الدعوة" مع كل من إيران والولايات المتحدة، التي كانت تمول وتدرب الجيش العراقي. انهار هذا الجيش في عام 2014، عندما استولى تنظيم "الدولة" على ثلث العراق وغنم أطنانا من الأسلحة الأمريكية.

أصدر رجل الدين الشيعي الأعلى في العراق "علي السيستاني" فتوى تدعو الشيعة إلى مقاومة الغزاة. كان ذلك عندما قام "المهندس"، الذي كان له بالفعل ميليشيا صغيرة تدعى كتائب "حزب الله"، وآخرون بتشكيل جماعات مسلحة تحت راية وحدات "الحشد الشعبي".

وشهد العراق استيلاء تنظيم "الدولة" على مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار، غربي العراق، في عام 2015 ومدينة الموصل (شمال) بعد عام، وكان ما يفتقر إليه مسلحو الحشد من الانضباط يعوضونه في اعتداءات شجاعة على مواقع تنظيم "الدولة". كان ذلك بمثابة مواجهة للمتعصبين الدينيين ضد متعصبين دينيين.

لكن كان لوحدات "الحشد" ميزة يفتقر إليها مقاتلو تنظيم "الدولة"، وهي القوة الجوية الأمريكية. بحلول عام 2017، استولى "الحشد" والأكراد على جميع الأراضي التي حكمها تنظيم "الدولة" في العراق، ثم تصدع التحالف الأمريكي الإيراني الضمني في العراق.

  • عداء دائم

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تفقد فيها الولايات المتحدة وإيران فرصة للتعاون وتخفيف التوترات بينهما. ففي عام 2001، وضع هجوم 11 سبتمبر/أيلول واشنطن وطهران على نفس الجانب؛ فقد أراد كلاهما طرد "طالبان"، التي اضطهدت الشيعة في أفغانستان.

آنذلك، توجه "ريان كروكر"، وهو السفير الأمريكي السابق في العراق وسوريا وأفغانستان وأحد أفضل الدبلوماسيين الأمريكيين الذين قابلتهم، إلى جنيف للقاء دبلوماسي إيراني.

وفي فيلم وثائقي ممتاز لـ"بي بي سي"، بعنوان "التحقيق: لماذا قُتل قاسم سليماني؟"، قال "كروكر" إن الدبلوماسي كان يمثّل "سليماني". وأضاف: "كانت لديه خريطة تُظهر نظام طالبان في المعارك بجميع أنحاء أفغانستان، وقد أرفق ذلك بنصيحة بأن نضرب أهدافا معينة أولا. سألت إذا كان بإمكاني تدوين الملاحظات، فأجاب بأنني أستطيع الاحتفاظ بالخريطة."

وقال "كروكر" إن هذه المعلومات خففت الغزو وأنقذت الأرواح. بعد ذلك، أعلن الرئيس الأمريكي "جورج بوش" آنذاك أن إيران جزء من "محور الشر"، إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، في خطاب حالة الاتحاد عام 2002.

كان "كروكر" مذهولا؛ حيث قال: "لقد انتقلنا حرفيا بين عشية وضحاها من وضع كنا نتعاون فيه مع إيران بشأن أفغانستان وهو أمر مهم للغاية وفتح آفاقا لفتح فصل مختلف تماما في علاقتنا، لكن أغلق (محور الشر) ذلك الباب، ولم يُفتح ثانية".

كان من المقرر أن يُفتح الباب مرة أخرى بعد خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاقية النووية الإيرانية) في يوليو/تموز 2015 للإشراف على برنامج إيران النووي ورفع العقوبات الاقتصادية عن إيران.

انتهى ذلك أيضا بإعلان غير متوقع، من قبل الرئيس "دونالد ترامب" هذه المرة في مايو/آيار 2018، بالتخلي عن الاتفاق وتشديد العقوبات.

ويساهم اغتيال "سليماني" و"المهندس"، إلى جانب ردود أفعال العراقيين والإيرانيين، في تلاشي احتمالية إنهاء الخلاف الطويل والمكلف بين أمريكا وإيران.

المصدر | تشارلس جلاس/ ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد