الأربعاء 25 مارس 2020 03:25 م

يزداد تفشي الفيروس التاجي الجديد "كوفيد-19" عبر الشرق الأوسط، ما يضغط على خدمات الصحة العامة الضعيفة بالفعل ويؤدي إلى تفاقم التوترات السياسية والطائفية الموجودة، سواء داخل الدول أو بين المنافسين الإقليميين.

ومع  تتبع معظم الحالات المبكرة من إصابات "كوفيد-19" في المنطقة، فإنها تعود إلى مدينة "قم" المقدسة في إيران، التي تضم المعاهد الشيعية الشهيرة، وتستقبل رجال الدين والحجاج الشيعة من جميع أنحاء العالم.

وقدم المسؤولون الإيرانيون روايات متضاربة حول كيفية وصول الفيروس لأول مرة إلى مدينة "قم"، وتم إلقاء اللوم على الطلاب المسلمين الصينيين في المعاهد الدينية في المدينة، والعمال الصينيين الذين يبنون خط سكة حديد عالي السرعة هناك.

لكن ما أصبح واضحا منذ ذلك الحين هو أنه بمجرد وصول الفيروس إلى مدينة "قم"، التي يبلغ عدد سكانها نحو 1.2 مليون نسمة، انتشر بسرعة هناك.

وأبلغت الحكومة الإيرانية عن وفاة شخصين بسبب "كوفيد-19" في مدينة "قم" في 19 فبراير/شباط، وهي المرة الأولى التي اعترفت فيها بوجود الفيروس في البلاد.

وبحلول 27 فبراير/شباط، تم الإبلاغ عن حالات في 24 من 31 محافظة إيرانية. وحتى 23 مارس/آذار، أصاب الفيروس أكثر من 23 ألف شخص في إيران وقتل أكثر من 1800، بما في ذلك ما لا يقل عن 12 مسؤولا حكوميا.

ونظرا لأن اختبار الفيروس التاجي في إيران يقتصر على الحالات الأكثر خطورة، قالت منظمة الصحة العالمية إن العدد الحقيقي للمصابين في إيران قد يصل إلى 5 أضعاف الرقم الرسمي.

وكانت حكومة الرئيس الإيراني "حسن روحاني" بطيئة في الاستجابة لتفشي الفيروس، وقاومت الدعوات لفرض قيود صحية واسعة النطاق وقيود على السفر، وقللت من حجم الأزمة. وبعد أسابيع من التردد، أمر "روحاني" بإغلاق العديد من المزارات الهامة في 16 مارس/آذار.

وقد لقي القرار، (الذي لم يسبق له مثيل في إيران حيث الأضرحة مفتوحة عادة على مدار 24 ساعة في اليوم) شجبا شديدا من قبل رجال الدين، وأثار مظاهرات من قبل الإيرانيين المحافظين. لكن ترك المواقع الدينية مفتوحة كان خطأ فادحا بالنسبة لإيران والشرق الأوسط.

وسيلة لنقل المرض

وفي كل عام، يزور الملايين من الحجاج الشيعة من جميع أنحاء العالم مجموعة من الأضرحة في إيران والعراق وسوريا. وتجرى الممارسات مثل تقبيل أو لمس تلك الأضرحة من الجميع للحصول على "البركة" من خلال الاتصال بـ"آل البيت". وخلال الأيام الأولى للوباء، أصبحت الأضرحة نواقل فيروسية رئيسية، تصيب الحجاج الشيعة، الذين يعاني بعضهم من ظروف صحية مزمنة أو كبار في السن، ثم يخرجون لنشر المرض في جميع أنحاء المنطقة.

وفي 21 فبراير/شباط، أكد لبنان أول حالة إصابة بـ"كوفيد-19"، وهي امرأة تبلغ من العمر 45 عاما وعادت مؤخرا من "قم". وفي 24 فبراير/شباط، أعلنت حكومات العراق والبحرين وعمان والكويت عن أول حالات إصابة بالفيروس التاجي. وبحلول 2 مارس/آذار، أعلنت قطر والمملكة العربية السعودية عن حالات إصابة أيضا.

وفي جميع الدول الـ6، كان المصابون عائدين مؤخرا من إيران.

وبالرغم من أن الفيروس التاجي الجديد نشأ في الصين، فإن تعامل إيران مع تفشي المرض سرعان ما جعلها هدفا للانتقاد. وقال وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" إن الولايات المتحدة "تشعر بقلق عميق" بسبب التقارير التي تفيد بأن إيران أخفت معلومات حول معدلات الإصابة بالفيروس التاجي لديها.

وحذر رئيس القيادة المركزية الأمريكية "كينيث ماكنزي" لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ من أن تفشي الفيروس التاجي من المرجح أن يجعل إيران "أكثر خطورة وليس أقل خطورة".

وسارع جيران إيران إلى إلقاء اللوم على الجمهورية الإسلامية أيضا. واتهم وزير الداخلية البحريني الشيخ "راشد بن عبد الله آل خليفة" إيران بـ"العدوان البيولوجي الذي يجرمه القانون الدولي" بتسترها على تفشي المرض.

وفي حسابها الرسمي على "تويتر"، أدانت وزارة الخارجية السعودية إيران "لكونها تشكل تهديدا صحيا للبشرية".

وزعمت إحدى الصحف في الإمارات أن جميع حالات الإصابة بالفيروس التاجي في المنطقة مرتبطة بإيران، بالرغم من أن أول حالات الإصابة بـ "كوفيد-19" في الإمارات كانت لسائحين صينيين من ووهان.

شيطنة الشيعة

واتخذت السعودية والبحرين إجراءات صارمة في الأعوام الأخيرة بشأن المعارضة السياسية بين سكانها الشيعة، الذين غالبا ما يتم تهميشهم سياسيا، والتمييز ضدهم بسبب معتقداتهم وممارساتهم الدينية، والاشتباه في ولائهم لإيران.

ويبدو أن أزمة الفيروس التاجي قد ضخمت التحيز والتمييز ضد الشيعة. وبعد اكتشاف أول حالة إصابة للسيدة السعودية في منطقة القطيف ذات الأغلبية الشيعية، تم وضع المنطقة في الحجر الصحي، ودعت وزارة الصحة السعودية الأشخاص الذين سافروا إلى إيران لإبلاغ السلطات بذلك.

وبالرغم أن السفر إلى إيران يعد جريمة في المملكة، إلا أن بعض السعوديين يسافرون إليها عبر دول ثالثة. ورد العشرات من الشيعة السعوديين على طلب وزارة الصحة باعترافهم بأنهم سافروا إلى إيران.

ومع ارتفاع حالات الإصابة بالفيروس التاجي في المملكة، لجأ بعض المواطنين على "تويتر" لوصمهم بالخونة والدعوة إلى إعدامهم.

وبدأت البحرين في استخدام أزمة الفيروس التاجي كذريعة لتتبع تحركات مواطنيها الشيعة، وطلبت من أولئك الذين سافروا إلى إيران الاعتراف بذلك من خلال الاتصال بالخط الساخن، بالرغم من أن السفر إلى إيران ليس جريمة في البحرين كما هو الحال في السعودية. لكن البحرينيين الشيعة لديهم سبب للخوف من التداعيات.

وفي لبنان، الذي كان بالفعل في حالة أزمة سياسية ومالية عميقة، أدى تفشي جائحة كورونا إلى تفاقم التوترات السياسية والطائفية.

وتملك أقوى قوة سياسية وعسكرية في البلاد، "حزب الله"، علاقات قوية مع إيران، وسمح لبنان بالرحلات الجوية من إيران حتى الأسبوع الثاني من مارس/آذار. ويعد دعم إيران لـ "حزب الله" موضع خلاف شديد في البلاد، وقامت الأطراف المتنافسة بتسييس الفيروس، واستخدامه لانتقاد نفوذ إيران في لبنان.

وحصل وزير الصحة اللبناني المعين مؤخرا على دعم "حزب الله" في تشكيل حكومي حديث في أعقاب احتجاجات كبيرة مناهضة للحكومة.

وقد تم إغلاق البلاد وعاصمتها بيروت بالكامل منذ 21 مارس/آذار، لكن الكثير من اللبنانيين يخشون أن حجم الأزمة أكبر بكثير مما تعترف به الحكومة.

ويعاني النظام الصحي في لبنان من ضغوط شديدة، حيث يعيش 1.5 مليون لاجئ سوري في البلاد، وهو أعلى رقم في العالم بالنسبة لعدد السكان الأصليين، وقد يكون تفشي المرض في لبنان كارثيا.

ولم تبلغ سوريا واليمن رسميا عن أي حالة من حالات الإصابة بالفيروس التاجي لمنظمة الصحة العالمية. لكن بالنظر إلى العلاقات الاقتصادية والعسكرية الوثيقة بين إيران والبلدين، يبدو أنه من غير المحتمل أن يتم تجنب ذلك.

وبعد أعوام من الحرب، من المرجح أن يكون انتشار الفيروس التاجي في اليمن أو سوريا، أو في المخيمات التي تستضيف ملايين اللاجئين السوريين في الأردن وتركيا ولبنان، مدمرا.

ومن منظور أمني وكذلك إنساني، يبدو أن أزمة الفيروس التاجي في الشرق الأوسط تتشكل لتكون أزمة ذات أبعاد ملحمية.

المصدر | توبي ماثيسين - فورين أفيرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد