الأربعاء 13 مايو 2020 09:51 ص

قطعت مكالمة هاتفية، في 2 أبريل/نيسان، بين الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" وولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، أي شك بشأن حالة العلاقات السعودية الأمريكية.

وبحسب ما ورد، قال "ترامب" لولي العهد إنه إذا لم تتحرك السعودية على الفور لحل حرب أسعار النفط مع روسيا وخفض الإنتاج بشكل كبير، وهو ما من شأنه إنقاذ ما تبقى من صناعة النفط الصخري الأمريكية المنهارة، فسوف تسحب واشنطن قواتها العسكرية من المملكة.

وتم تعزيز هذه القوات في عام 2019 وسط توترات متزايدة مع إيران، بما في ذلك الهجمات على حقول النفط السعودية، لذلك كانت خطورة هذا التهديد لا لبس فيها.

وتحرك السعوديون على عجل لعقد قمة بين مجموعة منتجي النفط "أوبك+"، وبعد عدة أيام من الجدل المكثف، وصلوا إلى اتفاق مع موسكو، التي كانت تعاني أيضا من مشاكل اقتصادية كبيرة بسبب حرب الأسعار، وغيرها، لتحقيق الاستقرار في السوق.

ولكن كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟

وكما يوضح تدخل "ترامب"، ربما تعاني السعودية والولايات المتحدة من أسوأ خلافاتهما في تاريخهما الطويل من التعاون، مع تضاؤل ​​دعم الرياض في واشنطن بسبب سلسلة معقدة من النزاعات.

وتقول وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" الآن إنها تزيل بطاريات صواريخ باتريوت من السعودية، وقد تسحب أيضا بعض القوات الأمريكية الإضافية التي تم نشرها على مدار العام الماضي، على أساس أن التهديد الإيراني يتراجع.

ومن الصعب ألا تقرأ هذا جزئيا كرسالة إلى الرياض، خاصة بالنظر إلى توقيت الإعلان.

وبالرغم من وجود أسباب عديدة للاعتقاد بأن الشراكة سوف تستمر، لكن حاجة الطرفين لإصلاح العلاقات الثنائية نادرا ما كانت ملحة بهذا القدر، خاصة بالنسبة للسعودية.

وتعتبر التوترات الحالية شذوذا تاريخيا، بالرغم من أن العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، التي يعود تاريخها إلى أربعينات القرن الماضي، شذت عن القاعدة مرات عديدة في الماضي.

وكان من بين أسوأ هذه المرات العقوبات الأمريكية على المملكة بعد حظر النفط لعام 1973، وعقب هجمات القاعدة في 11 سبتمبر/أيلول 2001.

ولكن في تلك الحالات، ساعدت الدعامات الأساسية للعلاقة لدى كلا الجانبين، المدفوعة بالضرورات الجيوستراتيجية الملحة مثل الحرب الباردة، أو في وقت لاحق الصراع المتمثل في مكافحة الإرهاب والهيمنة الإيرانية، في التغلب على الانقسامات.

وعلى مدى الأشهر الـ18 الماضية، أصبح من الصعب بشكل متزايد تحديد أصوات متناسقة تعبر عن شعور إيجابي تجاه الرياض في واشنطن، وسط علامات لا تعد ولا تحصى على تصاعد القلق.

التوترات في ولاية "أوباما" الثانية

وظهر انزعاج بين السعودية وكثير من الحزب الديمقراطي خلال الولاية الثانية لـ"باراك أوباما"، وكثيرا ما دعا الرئيس آنذاك إلى "محور استراتيجي للولايات المتحدة في شرق آسيا"، بعيدا عن منطقة الشرق الأوسط.

وأعرب عن وجهة نظر مفادها أن الشرق الأوسط واحتياطياته الاستراتيجية من الطاقة لم تعد مهمة لتعزيز الموقف العالمي للولايات المتحدة كما كانت في العقود السابقة.

كما أشار إلى السعودية وشركاء أمريكيين آخرين في الشرق الأوسط على أنهم "ركاب مجانيون" لم يكونوا يتحملون نصيبهم العادل من الدفاع عن أنفسهم.

وأخيرا، انتقد السعودية ودول الخليج العربية الأخرى بشأن حقوق الإنسان وحقوق المرأة، وهي انتقادات لم يوجهها إلى خصمها الإقليمي الرئيسي إيران.

وظهرت الخلافات العميقة حول إيران، ولم تترك السعودية، إلى جانب حلفائها الخليجيين و(إسرائيل)، أي فرصة للتعبير عن قلقها العميق بشأن المفاوضات النووية الدولية بقيادة الولايات المتحدة مع إيران.

وكانت الرياض قلقة من أن الاتفاق، الذي ظهر في شكل "خطة العمل الشاملة المشتركة"، يفيد طهران بلا مبرر، ويمكن أن يكون الخطوة الأولى في تقارب أوسع بين الولايات المتحدة وإيران دون أي إعادة هيكلة أساسية لسياسات إيران الإقليمية.

وأيدت السعودية وحلفاؤها في نهاية المطاف كلا من المفاوضات والاتفاق النووي اللاحق، لكنهم ظلوا قلقين من النتائج المحتملة.

وفي عهد "أوباما"، لم تكن واشنطن قادرة أبدا على الابتعاد عن الشرق الأوسط، نحو آسيا أو أي مكان آخر، وحافظت على تواجدها العسكري والتجاري الإقليمي القوي.

وأثبتت إيران أنها غير مستجيبة للتواصل الإضافي، وكانت غير راغبة في تغيير سلوكها الإقليمي المزعزع للاستقرار، خاصة دعم الميليشيات الطائفية المسلحة في الدول العربية المجاورة. 

عهد "ترامب" يكثف الانقسام الحزبي

ومع ذلك، تركت التجربة مرارة في حلوق الجانبين، وشعر العديد من السعوديين وحلفائهم بالارتياح لأنه لم يكن هناك "محور لآسيا" أو تفاهم أوسع مع إيران، لكنهم استمروا في الشك في نوايا أولئك الذين أثاروا تلك المخاوف في المقام الأول.

واستمر العديد من الديمقراطيين في رؤية السعودية من المنظور السلبي الذي حدده "أوباما"، وتفاقم كل هذا إلى حد كبير عندما أصبح "ترامب" رئيسا.

وسرعان ما احتضن المملكة كحليف رئيسي ومستهلك للسلع والخدمات العسكرية الأمريكية، ومع ضجة كبيرة، بدأ رحلته الأولى إلى الخارج كرئيس بإقامة طويلة في الرياض، وروج للعديد من العقود التي ادعى أنها جلبت أرباحا غير مسبوقة للشركات الأمريكية ووظائف للعمال الأمريكيين.

وخلال فترة ولاية "ترامب" الأولى، زادت التوترات بين الديمقراطيين والسعودية بشكل سريع، وكان الديمقراطيون يبحثون عن قضية في السياسة الخارجية لتركيز هجماتهم ضد الإدارة، ولأسباب متنوعة تركزت هذه الهجمات على السعودية.

على وجه الخصوص، أصبحت الاعتراضات على التدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن صرخة حاشدة ضد سياسة الإدارة في "الكابيتول هيل" مع تدهور الوضع الإنساني في البلاد، وأصبحت الحرب بشكل متزايد مستنقعا للرياض وحلفائها.

وزاد الأمر سوءا عندما سحب "ترامب" الولايات المتحدة من "خطة العمل الشاملة المشتركة"، وشن حملة من عقوبات "أقصى ضغط" ضد إيران.

وانزعج الديمقراطيون من هذا الهجوم الشامل على ما اعتبره معظمهم إنجازا بارزا للسياسة الخارجية لـ"أوباما"، وألقى العديد منهم باللوم على حكومتي السعودية و(إسرائيل) لتشجيع وتمكين هذا التحول الجذري في السياسة.

ومع ذلك، تبقى (إسرائيل) محمية إلى حد كبير بمخزونها العميق من الدعم السياسي من الحزبين في الولايات المتحدة، على عكس ذلك، لا تستطيع السعودية، أو حلفاؤها من دول الخليج العربية، المطالبة بأي دعم سياسي محلي لتأمين مصالحها والدفاع عن مواقفها.

اليمن وقتل "خاشقجي".. استعداء الجمهوريين الرئيسيين

وبحلول صيف 2018، تدهورت العلاقات السعودية مع الديمقراطيين، الذين كانوا على بعد أشهر من استعادة سيطرتهم على مجلس النواب.

ومع ذلك، حافظت الرياض على علاقات قوية مع البيت الأبيض، ومعظمها، مع الجمهوريين، خاصة في مجلس الشيوخ، بالرغم من القلق المتزايد بشأن اليمن.

ومع ذلك، فإن مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي"، وهو مقيم دائم في الولايات المتحدة وكاتب عمود في صحيفة "واشنطن بوست"، في القنصلية السعودية في إسطنبول في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018، كان بمثابة ضربة قوية للعلاقات السعودية مع الجمهوريين في الكونجرس.

ويعتقد الكثيرون أن القتل، الذي تؤكد الحكومة السعودية أنه تم تنفيذه من قبل وكلائها الذين يعملون بدون تصريح، جاء بأمر من ولي العهد، ما أثار غضب الكونجرس.

وفقدت المملكة دعم العديد من الجمهوريين البارزين والمؤثرين في مجلس الشيوخ، الذين كانوا يدعمون الرياض بالرغم من القلق المتزايد بشأن الجمود العسكري والكارثة الإنسانية في اليمن، بما في ذلك "ليندسي جراهام" و"ماركو روبيو"، حيث فقدوا صبرهم على التفسيرات السعودية المتغيرة وغير المقنعة لقتل "خاشقجي".

وأدى هذا القتل إلى تأكيد غير مسبوق، في أبريل/نيسان 2019، لقرار سلطات الحرب حول مشاركة الولايات المتحدة في حملة اليمن من قبل الأغلبية في مجلسي الكونجرس.

واعترض "ترامب" على هذا الجهد لحظر استمرار مشاركة الولايات المتحدة في حرب اليمن، من خلال مبيعات الأسلحة والدعم اللوجستي للتحالف الذي تقوده السعودية، وكانت حالة نادرة اضطر فيها الرئيس إلى الضغط ضد الجمهوريين والديمقراطيين معا.

لذلك، تركت الحكومة السعودية في العام الماضي تعتمد بشكل شبه كامل على "ترامب" والبيت الأبيض كدعم وحيد في واشنطن.

واستمرت الضغوط الحزبية لإنهاء الدعم العسكري الأمريكي للسعودية في اليمن في ازدياد، واشتد استياء السياسيين الديمقراطيين من استمرار حملة "أقصى ضغط" ضد إيران والهجمات العسكرية المتبادلة.

وتصاعدت المخاوف بشأن الحملة السياسية المستمرة في المملكة، لا سيما سجن المرأة وانتهاك حقوقها، فضلا عن باقي ناشطي حقوق الإنسان، وبعضهم مرتبط بالولايات المتحدة.

وكانت هناك اتهامات مستمرة بأن المسؤولين السعوديين يساعدون رعاياهم على الفرار من الملاحقات الجنائية في الولايات المتحدة.

وزاد الأمر سوءا بإطلاق النار في ديسمبر/كانون الأول 2019 من قبل متدرب عسكري سعودي في قاعدة بحرية أمريكية في "بنساكولا" بولاية فلوريدا، أسفر عن مقتل 3 مواطنين أمريكيين وإصابة 8 آخرين، ما زاد من الشعور بالقلق وعدم الثقة.

حرب أسعار النفط تدفع العلاقات للاقتراب من نقطة الانهيار

وبالرغم من كل شيء، بدت إدارة "ترامب" متمسكة بالرياض، لكن كل هذا تغير مع حرب أسعار النفط بين السعودية وروسيا، حيث كان منتجو النفط الصخري الأمريكي من بين الأطراف الأكثر تضررا.

ومن وجهة نظر سعودية، أثارت المواجهة مع موسكو خروج روسيا من اجتماع "أوبك+"، الذي كان يهدف إلى تحقيق استقرار السوق، مع رفض الاستمرار في اتفاقية خفض الإنتاج.

وكان السعوديون يضغطون من أجل تقاسم الأعباء للسيطرة على أسعار النفط، وحصلوا على ما أرادوا، وفي هذه العملية، أظهروا أهميتهم في إدارة أسواق النفط العالمية.

ومع ذلك، جاء ذلك بتكلفة باهظة لعلاقاتها مع الولايات المتحدة، وتحتفظ إدارة "ترامب"للوقود الأحفوري بتقدير كبير، والتزمت ببرنامج "هيمنة الطاقة" الأمريكية عالميا.

وكان صعود إنتاج الولايات المتحدة للنفط الصخري ركيزة رئيسية لهذا النجاح السياسي المزعوم، والآن، بدلا من ذلك، تم التأكيد على مركزية السعودية في أسواق النفط العالمية بشكل واضح.

وجاءت المواجهة في وقت كارثي للغاية بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، بالنظر إلى الانكماش الهائل المرتبط بوباء الفيروس التاجي الجديد "كوفيد-19" والديون المستحقة لصناعة النفط الصخري الأمريكي.

وأغضبت الخطوة ليس "ترامب" فقط، ولكن 13 عضوا رئيسيا في مجلس الشيوخ من الولايات المنتجة للنفط، بما في ذلك الجمهوري "تيد كروز"، من تكساس، حيث كتبوا في 18 مارس/آذار رسالة تحث الرياض على حل النزاع مع موسكو وزيادة سعر النفط.

وقال "كروز"، وهو حليف تقليدي للمملكة داخل "الكونجرس": "إذا كنت تريد أن تتصرف مثل عدو، فسوف نتعامل معك كعدو".

وأظهر تهديد الرئيس بسحب جميع القوات الأمريكية من السعودية أن واشنطن لن تشعر بعد الآن بأنها ملزمة بأي شكل من الأشكال لحماية الأمن القومي السعودي، أو حتى وحدة أراضيها، لقد كان في الأساس تهديدا بإنهاء العلاقة.

لن تنتهي العلاقة.. لكنها تحتاج الكثير من العمل

وتحركت السعودية بسرعة للرد على هذه التهديدات، وتوجهت بشكل خاص لـ"ترامب"، ومن خلال القيام بذلك، ربما تكون الرياض قد أنقذت علاقتها مع البيت الأبيض، وربما مع بعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين.

ومع ذلك، تشير التوترات المستمرة بشأن اليمن و"خاشقجي"، وقضايا أخرى، إلى أن هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به مع الحلفاء الجمهوريين التقليديين في "الكابيتول هيل".

أما بالنسبة للديمقراطيين، فليس هناك شك في أن المملكة لا تزال هدفا مناسبا ومفضلا، ليس فقط في أقصى اليسار، ولكن أيضا داخل التيار الرئيسي.

ومع وجود الديمقراطيين في موقع جيد في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، قد تحتاج الرياض بشكل متزايد إلى أعمال الإصلاح السياسي العاجلة المطلوبة.

ومع ذلك، لا يزال السعوديون يضيفون قيمة، وبغض النظر عن مدى إثارة الغضب بحرب أسعار النفط بالنسبة للعديد من المواطنين الأمريكيين، تمكنت الرياض من إثبات نقطتين رئيسيتين ربما احتاجت إلى تعزيزهما.

أولا، استمرار مركزية نفطها للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية الأمريكية.

وثانيا، الدور الفريد الذي تؤديه حتما في استقرار وإدارة أسواق الطاقة العالمية.

بعبارة أخرى، بالرغم من الغضب الذي خلقته، أثبتت الرياض أنها حليف يستحق الاحتفاظ به.

بالإضافة إلى ذلك، إذا فاز الديمقراطيون بالانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني، فإن النقاش داخل المؤسسة حول إعادة الانضمام إلى "خطة العمل الشاملة المشتركة"، والعودة إلى النهج الاستراتيجي لولاية "أوباما" الثانية، لن يستمر.

ومن الناحية العملية، لم تعد "خطة العمل الشاملة المشتركة" موجودة، وتغير كل شيء آخر ذي صلة بهذه المسألة منذ عام 2016.

لذا، حتى البيت الأبيض الديمقراطي يجب أن ينظر في التحديات التي تواجه واشنطن في منطقة الخليج في عام 2021 لحساب موقفه من جديد.

ومن شبه المؤكد أن التحالف القوي مع السعودية سيعتبر أحد الأصول الموجودة والقيمة بمجرد أن يبدأ التخطيط السياسي الحقيقي.

ويعني هذا أن السعوديين سيكون لديهم فرصة لإعادة العلاقات، ولكن لتحقيق النجاح، سيتعين عليهم التحرك بسرعة، مع الاعتراف بمدى إلحاحية التحدي الذي يواجهونه في إصلاح العلاقات مع واشنطن.

المصدر | حسين آيبش | معهد دول الخليج العربي في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد