الجمعة 22 مايو 2020 05:52 م

أعلن الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" في بيان درامي ألقاه في رام الله وبثه تلفزيون فلسطين عن نهاية جميع الاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية و(إسرائيل) والولايات المتحدة.

وفي ضوء التزام الحكومة الإسرائيلية الجديدة بضم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، أعلن "عباس" أن القيادة الفلسطينية ستُعفى من الآن فصاعدًا، من جميع الاتفاقات والتفاهمات مع الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية، ومن جميع الالتزامات المبنية على هذه التفاهمات والاتفاقيات، بما في ذلك الالتزامات الأمنية.

ويعني ذلك ضمنا انتهاء التنسيق الأمني ​​بين السلطة الفلسطينية و(إسرائيل)، والذي كان أحد أعمدة "عملية أوسلو" منذ انطلاقها في عام 1993 والتي وصفها "عباس" من قبل بأنها مسؤولية "مقدسة".

وقال "عباس": "على سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اعتبارا من اليوم، أن تتحمل جميع المسؤوليات والواجبات أمام المجتمع الدولي كقوة احتلال على أراضي دولة فلسطين المحتلة، بكل ما يترتب عليها من عواقب وتداعيات على أساس القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني".

لم يقابل إعلان "عباس" في فلسطين وخارجها بجدية كبيرة. ففي الواقع، أصدر "عباس" العديد من التهديدات المماثلة حول إلغاء الاتفاقيات السابقة منذ عام 2015، كان آخرها قبل 9 أشهر فقط في يوليو/تموز 2019 ولكن دون متابعة أي منها.

في حين أن هناك العديد من الأسباب التي تجعلك متشككًا نظرًا لسجل "عباس" السابق، فهناك سبب وجيه للاعتقاد بأن هذه المرة قد تكون مختلفة. إذا كان هذا هو الحال، فإن العواقب يمكن أن تكون أكبر بكثير مما تفاوض عليه "عباس".

يترك "عباس" لخيالنا الفردي والجماعي التفكير في ما سيترتب بالضبط على إلغاء الاتفاقات القائمة من الناحية العملية، أو ما قد يعنيه أن تتحمل (إسرائيل) مسؤولياتها كقوة احتلال.

إن التفسير الأشمل لإعلان "عباس" يعني إلغاء كل شيء من التنسيق الأمني ​​للسلطة الفلسطينية مع (إسرائيل) إلى الترتيبات الاقتصادية معها بما في ذلك إنهاء الواردات والصادرات الفلسطينية، وتنقل الفلسطينيين من وإلى (إسرائيل) وحتى داخل الضفة الغربية.

باختصار، ستتوقف الحياة الاجتماعية والاقتصادية الفلسطينية، بينما ستتوقف السلطة الفلسطينية نفسها عن العمل بفعالية. إذا كان هذا ما قصده "عباس" -وهو أمر يبدو غير مرجح إلى حد كبير- فمن المؤكد أن قيادته لم تفعل شيئًا لإعداد شعبه للعواقب الوخيمة التي قد تترتب على مثل هذا القرار.

بدلاً من ذلك، من المرجح أن ينوي "عباس" اتخاذ إجراء أكثر محدودية، على سبيل المثال، قطع التعاون الأمني، ربما فقط رداً على الضم الرسمي. ولكن حتى هذه الاستجابة المحدودة نسبيًا يمكن أن تتوسع بسهولة إلى شيء أكبر بكثير.

إذا قطع "عباس" العلاقات الأمنية مع (إسرائيل)، فلا يوجد سبب يدعو للاعتقاد بأن (إسرائيل) لن ترد بالمثل، على سبيل المثال إلغاء الترتيبات المتعلقة بالتجارة والصحة والتنقل، وما إلى ذلك. في حين أنه من الممكن أن ينسحب الجانبان في النهاية من حافة الهاوية، من الممكن أن تؤدي هذه اللعبة عالية المخاطر عن غير قصد إلى انهيار السلطة الفلسطينية.

بالرغم من إصرار القيادة الفلسطينية على أن إعلان "عباس" ليس مجرد خدعة وأنه في الواقع جزء من استراتيجية شاملة، إلا أنها لم توضح بعد ما هي تلك الاستراتيجية أو كيف سيتم تنفيذها. إن هذا الخلل الواضح في الاستراتيجية، الذي يتفاقم بسبب ضعف وانقسام القيادة، هو الذي قد يدفع "عباس" إلى طريق لم تستعد السلطة الفلسطينية ولا الجمهور الفلسطيني له.

سيعمل "عباس" بلا شك على تأخير تنفيذ قراره لأطول فترة ممكنة. ولكن مع احتمال الضم الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة في 1 يوليو/تموز، قد لا يكون أمام "عباس" خيار سوى المضي قدما في تعهده بقطع العلاقات الأمنية مع (إسرائيل). 

لا توجد خيارات لدى "عباس" العجوز الذي لا يحظى بشعبية كبيرة، وقد يجد أنه وضع نفسه بالفعل في زاوية.

وبالفعل، فإن الفلسطينيين العاديين، الذين استاءوا من عملية السلام بقيادة الولايات المتحدة قبل وقت طويل من  قدوم "دونالد ترامب" أصبحوا يعارضون التعاون الأمني للسلطة الفلسطينية مع (إسرائيل) باعتباره تعزيز للاحتلال.

علاوة على ذلك، فإن استمرار السلطة الفلسطينية في تعاونها الأمني في سياق الضم الإسرائيلي سيعني الموافقة على كل من الضم وخطة "ترامب" المخزية.

وبمجرد أن يسير "عباس" في هذا الطريق، فإنه لا يملك الوسائل للتحكم بنهايته، بما في ذلك الاحتمال الحقيقي لانهيار السلطة الفلسطينية. وهكذا، حتى بدون قرار رسمي بحل السلطة الفلسطينية، ربما يكون "عباس" قد وضع نفسه بالفعل على مسار يجعل مثل هذه النتيجة حتمية.

المصدر | خالد الجندي - ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد