الأحد 28 يونيو 2020 04:09 م

قد لا تبدو دول الخليج الغنية بالنفط، التربة الأكثر خصوبة للحركات الشعبوية، ومع ذلك، توجد علامات واضحة على أن الشعبوية تنتشر وتتقدم في شبه الجزيرة العربية.

وكما هو الحال في كثير من الأحيان، من الأسهل تمييز هذا الاتجاه السياسي في الكويت، الدولة الخليجية ذات الإعلام الأكثر انفتاحا والمشهد السياسي النشط.

ومع تفشي جائحة فيروس "كورونا" وما لها من آثار على الاقتصاد، في الوقت الذي يستعد فيه المرشحون للانتخابات البرلمانية المتوقعة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تتضح عناصر الشعبوية في البرلمانيين الذين يقاومون خطة الإنقاذ الحكومية للشركات الكبيرة، وفي المطالب العامة بطرد العمالة الأجنبية.

وكذلك تغازل النخبة الحاكمة الجمهور بحملات مكافحة الفساد التي تستهدف المنافسين السياسيين.

النقاش الشعبي يشكل الاستجابة السياسية للوباء

وبينما تسعى الحكومة الكويتية جاهدة لحماية رفاهية المواطنين والمقيمين في الكويت في مواجهة الوباء، يتشكل المشهد السياسي من خلال النقاش العام حول رد فعل الحكومة.

وفي حين يقدر غالبية الكويتيين الإجراءات السريعة والشاملة التي تم اعتمادها للحد من انتشار الفيروس، فإن الخسائر الاقتصادية لهذه التدابير وما صاحبها من انهيار أسعار النفط تسبب في انقسام حاد بين الجمهور.

وبالرغم من الخسائر المالية التي تكبدتها الشركات، وقف السياسيون الشعبويون ضد الجهود المبذولة لإنقاذ القطاع الخاص والعائلات التجارية البارزة.

وكما هو الحال في جميع أنحاء الخليج، يعاني القطاع الخاص في الكويت من الإجراءات التي تم اتخاذها للحد من انتشار الفيروس.

وتميل السلطات الكويتية بشدة نحو اتخاذ تدابير لحماية الصحة العامة، ما أدى إلى إغلاق الاقتصاد لعدة أشهر، وجرى فرض حظر التجوال للمرة الأولى في 22 مارس/آذار، وفي الفترة من 10 إلى 31 مايو/أيار، خضعت البلاد لحظر تجول كامل لمدة 24 ساعة.

وبحسب استطلاع أجرته شركة "بنسيري" الاستشارية المحلية قبل إغلاق شهر مايو/أيار، أفإن 43% من الذين شملهم الاستطلاع علقوا أو أغلقوا أعمالهم، وذكرت الغالبية أنها لم تتمكن من تلبية التكاليف الثابتة لمدة شهرين إضافيين في ظل هذه الأوضاع.

وبالمقارنة مع الدول المجاورة، كان الدعم الحكومي للقطاع الخاص محدودا، وقدمت الحكومة تعويضات للقطاع الخاص لمدة 6 أشهر للحد من البطالة، ولكن ذلك يشمل الموظفين الكويتيين فقط الذين يمثلون 19% من القوى العاملة في القطاع الخاص.

ورفض البرلمانيون خطط الحكومة للسماح للشركات بتخفيض الرواتب وفرض الإجازات القسرية، في حين خرج الكثيرون في وسائل الإعلام، بما في ذلك المرشحين البرلمانيين، لرفض فكرة إنقاذ الأعمال التجارية.

ولا يزال هذا الرفض مستمرا بالرغم من مساهمة الشركات الكويتية في دعم جهود الحكومة للتغلب على الوباء من خلال إنشاء صندوق يصل الآن إلى 50 مليون دولار من المساهمات وتوفير المساعدة الطبية والدعم اللوجستي، بما في ذلك وضع الفنادق والمستشفيات الخاصة وأماكن أخرى تحت سيطرة الحكومة.

وقال خبير الشؤون الخليجية "مايكل هيرب" إن اللامبالاة الشعبية الكويتية بتحديات القطاع الخاص تأتي نتيجة لسوق العمل المجزأ بشكل حاد، حيث يشغل أكثر من 80% من القوى العاملة الوطنية في الكويت وظائف في القطاع العام.

وتتمتع "دولة البيروقراطيين" هذه بأهمية سياسية حقيقية بسبب البرلمان الكويتي المنتخب شعبيا، حيث يعمل السياسيون على الحفاظ على المنافع العامة، وعلى رأسها التوظيف الحكومي.

ويدخل الانقسام الجغرافي عاملا أيضا، حيث يعيش العمال الأجانب (عماد القطاع الخاص والاقتصاد الأوسع) في أحياء منفصلة عن الكويتيين في الغالب.

وأثار مسار الوباء في هذه الأحياء المنعزلة المخاوف وأجّج المشاعر الوطنية، وبعد احتواء الفيروس في البداية، تسارع انتشار الفيروس في المخيمات المزدحمة للعمالة الأجنبية غير الماهرة، ما سهل اندلاع موجة ثانية من الإصابات التي أثرت على العديد من المواطنين الكويتيين.

ووجّه الجمهور غضبه إلى شركات الطيران التي نُظر إليها على أنها استفادت من نقل العمال المصريين إلى البلاد في الأيام الأولى للوباء.

كما كانت هناك دعوات لمحاكمة "تجار التأشيرات"، وهم الأفراد الذين يستفيدون من جلب العمال إلى البلاد دون تصريح عمل واضح، ما يجعلهم عرضة للاستغلال، لكن هذا الدافع للإصلاح سرعان ما طغى عليه الاستياء العلني من العمال الأجانب أنفسهم.

وبعد ارتفاع حالات الإصابة بالفيروس في الأحياء التي يسكنها معظم العمال المصريين، طلبت الحكومة من جميع المغتربين غير الشرعيين الرحيل طواعية، وتم احتجاز هؤلاء العمال غير الشرعيين في معسكرات اعتقال في انتظار العودة إلى الوطن.

وبعد أسبوعين، لجأ هؤلاء إلى الاحتجاجات بسبب الظروف المعيشية الصعبة، وعدم اليقين من قيام رحلات جوية وسط الوباء.

واعتبر العديد من الكويتيين أعمال الشغب هذه إهانة، واعترض البعض على إهانة المصريين على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك إساءات بشكل خاص من قبل الناشطين الكوتيين على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتماشيا مع المزاج الشعبوي، صعّد أعضاء البرلمان الخطاب السياسي الذي يهدد بتشريع يوقف المساعدة عن مصر حتى تلبي مطالب الكويت وتقبل مواطنيها.

وأشارت الحكومة إلى تحول أكثر ديمومة في سوق العمل من خلال تعهدات جديدة بمعالجة الخلل الديموغرافي في البلاد، وصرح وزير النفط "خالد الفاضل" بأن شركة البترول الكويتية وفروعها لن توظف غير الكويتيين في 2020-2021.

وردا على اقتراح أعضاء البرلمان نظام حصص للعمال الأجانب، أكد رئيس الوزراء الكويتي "صباح الخالد الصباح" هدف الحكومة على المدى الطويل، المتمثل في خفض حصة المغتربين من 70% إلى 30%.

وتم رفض هذا الهدف باعتباره غير عملي تماما من قبل المحللين المطلعين على الشأن الكويتي، ولكن هذا الهدف المعلن يعد مؤشرا جيدا على المزاج الشعبوي الحالي.

حملة "ناصر الصباح" لمكافحة الفساد

ولا تنبثق المواضيع الشعبوية من عموم الناس، ولكن تبدأ من قبل النخبة السياسية الكويتية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2019، أطاح نجل الأمير "ناصر صباح الأحمد الصباح" بالحكومة، حيث كان يشغل في ذلك الوقت منصبي وزير الدفاع ونائب رئيس الوزراء حين كشف عن أدلة على وجود اختلاس حدث في عهد سلفه في وزارة الدفاع.

وتشير المعلومات إلى أن هذا النشر العام للمخالفات داخل الأسرة الحاكمة لم يحظَ بترحيب من الأمير، الذي ترك ابنه خارج التعديل الوزاري الذي أعقب هذه الأحداث.

ومع ذلك، يبدو أن "ناصر" لم يتراجع، واستأنف حملته لمكافحة الفساد، ويستهدف هذه المرة ضمنيا نجل رئيس الوزراء السابق "جابر المبارك الصباح" لتورطه حتى الآن في فضيحة صندوق الثروة السيادي  في ماليزيا.

ومرة أخرى، خرج "ناصر" عن قبضة الحكومة، ورفع القضية من خلال الإعلان عن مشاركته في ندوة مغلقة نظمها مركز أبحاث كويتي في واشنطن مع مسؤولين أمريكيين كان من بينهم نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى "جوي هود"، وفي الأسبوع التالي، أحال رئيس الوزراء الكويتي ملف الصندوق الماليزي إلى مكتب النائب العام.

وتلقت حملة مكافحة الفساد الدعم من المنظمات غير الحكومية داخل الكويت، مثل جمعية المحامين الكويتية والجمعية الكويتية لحماية الأموال العامة، ويشغل "ناصر" منصب الرئيس الفخري للأخيرة منذ إنشائها في عام 1997.

ومن المرجح أن تكتسب حملة مكافحة الفساد زخما إضافيا من التعيين الأخير لـ"عبدالعزيز الإبراهيم" رئيسا جديدا للهيئة الكويتية لمكافحة الفساد، حيث عمل سابقا مع "ناصر" في مجلس أمناء المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية.

ويبدو أن جهود مكافحة الفساد هذه تحظى بشعبية لدى الجمهور، وبالتالي قد تمنح "ناصر" دعما سياسيا كبيرا في وقت حرج تحدد فيه الانتخابات شكل البرلمان الذي قد يكون له رأي في مسألة خلافة الأمير.

تأملات عبر الخليج

وتبرز الكويت من خلال الطريقة التي تسمح بها لهذه المواضيع المناهضة للأجانب والفساد لتشغل الرأي العام.

لكن هذه القضايا تلعب دورا واضحا في دول الخليج، وبينما يكافح قادة الخليج لمواكبة متطلبات الشباب الذين ينادون بالوظائف وينددون بالفساد، فإنهم يواجهون تلك الطلبات بالقومية التي تقودها الدولة.

لذلك ليس من المستغرب تصاعد إلقاء اللوم على الأجانب والنخب، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الأكثر صعوبة التي يبشر بها الوباء العالمي.

المصدر | كريستين سميث ديوان | معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد