الثلاثاء 28 يوليو 2020 07:43 م

سلطت السياسة الخارجية الحازمة لدولة الإمارات والنفوذ الإقليمي المتزايد لها منذ بداية الربيع العربي عام 2011 الضوء على شخصيات ومؤسسات ومصالح شكلت عملية صنع القرار في هذا البلد. إذ تطور سلوك السياسة الخارجية في الإمارات من نهج توافقي إلى نهج مخاطرة على مدى العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين. الأهم من ذلك، في حين أن التحول في السياسة الخارجية متجذر في عملية التغيير التي سبقت الربيع العربي، إلا أنها اكتسب قوة وإصرارا بعد عام 2011 مع تصاعد تصورات التهديد الإقليمي وضعف القيود المحلية على أبوظبي. يبدو أن الأمر الأساسي الآن هو المدى الذي قد يستوعب فيه صانعو القرار في الإمارات الدروس المستفادة من تجاوز السياسة الخارجية، إضافة إلى حماية متانة المواءمة بين أبوظبي والرياض.

  • التغييرات على المدى الطويل

لأكثر من عقدين، نشرت الإمارات قوات في عمليات خارج الشرق الأوسط، بداية في كوسوفو ولاحقًا في أفغانستان. ففي عام 1999، شاركت قوة إماراتية قوامها 1200 جندي في عمليات حفظ السلام في القطاع الذي تسيطر عليه فرنسا في كوسوفو، بينما نشرت 250 جنديا إضافيا، بما في ذلك القوات الخاصة، في القطاع الأمريكي. وفي حديث عام 2000، أشار رئيس الأركان الإماراتي آنذاك "محمد بن زايد"، صراحة إلى قيمة مشاركة بلاده إلى جانب قوات الناتو في عمليات تحقيق الاستقرار في كوسوفو. وقال: "المهمة تقدم لقواتنا خبرة عملية في الحياة الواقعية وفرصة للعمل بشكل وثيق والاندماج مع أفضل الجيوش في العالم". في العام التالي وبعد الغزو الأمريكي عام 2001، أرسلت الإمارات قوات إلى أفغانستان؛ حيث انخرطت القوات الإماراتية بشكل كبير في العمل الإنساني، مثل تقديم الدعم والمساعدة الطبية، إضافة إلى الدعم الجوي للقوات الأمريكية وقوات الناتو. لقد حقق أدائهم في أفغانستان الإعجاب في واشنطن العاصمة، وكان الجنرال "جيمس ماتيس"، الذي ورد أنه صاغ لقب "ليتل سبارتا" للدولة الخليجية هو أحد المعجبين.

بين عمليات الانتشار في كوسوفو في عام 1999 وأفغانستان في أواخر عام 2001 جاءت هجمات 11 سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة، التي كان فيها إماراتيان من بين الخاطفين التسعة عشر ووجد أن الكثير من الدعم المالي واللوجستي لهم تدفّق عبر أبوظبي. كان "محمد بن زايد" هو الذي نظم معظم ردود سياسة بلاده على 11 سبتمبر/أيلول. وعمل "بن زايد" بشكل وثيق مع نظرائه الأمريكيين بطرق تجاوزت منصبه "الرسمي" في ذلك الوقت كرئيس للأركان. كانت هذه مقدمة لترقيته اللاحقة إلى خط الخلافة كنائب ولي عهد أبوظبي عام 2003، ولولي العهد عندما توفي والده، البالغ من العمر 86 عاما، في اليوم الذي أعيد فيه انتخاب "جورج دبليو بوش" رئيسا للولايات المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2004.

ورغم أن "بن زايد"، لم يشغل أي منصب رسمي داخل الحكومة الفيدرالية (على مستوى الإمارات) وكان أخوه غير الشقيق الشيخ "خليفة بن زايد"، هو رئيس دولة الإمارات وحاكم أبوظبي منذ عام 2004. بحلول أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبح "بن زايد" مركز التأثير والسلطة بحكم الواقع، أولا داخل أبوظبي نفسها، ثم في عام 2010 في جميع أنحاء الإمارات ككل.

تم تسهيل هذه العملية من خلال قاعدة قوته داخل الأسرة الحاكمة كأكبر 6 إخوة كاملين جاءوا لشغل مناصب رئيسية عبر الحكومة الفيدرالية. إضافة إلى ذلك، تعزز ذلك بحقيقة أن الشيخ "خليفة" عانى بشكل متزايد من أوضاع صحية خطيرة منذ فترة طويلة، لكنها بلغت ذروتها مع السكتة الدماغية المنهكة والانسحاب اللاحق من الحياة العامة عام 2014.

أصبح يُنظر إلى "بن زايد" باعتباره رجل المرحلة جنبا إلى جنب مع نظيره في دبي، ولي العهد "محمد بن راشد"، الذي كان منذ عام 2006 حاكم دبي ونائب رئيس وزراء اتحاد الإمارات. في عام 2004، أشارت برقية دبلوماسية أمريكية إلى أن "الاثنين لديهما القدرة على رؤية الصورة الأكبر ولديهما رؤى متوافقة لتنمية البلاد". إضافة إلى تمثيل ظهور جيل جديد من القيادة في الإمارات، عمل الاثنان بشكل وثيق معا منذ التسعينيات. ومع ذلك، بدا في بعض الأحيان خلال منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وكأن دبي كانت تتبع أجندة سياسية منفصلة خاصة بها، والتي بدت منسقة قليلا مع أجندة أبوظبي (أو في الواقع كان هذا شكل من أشكال النهج المتفق عليه على مستوى الإمارات). ومن الأمثلة على ذلك استمرار التجارة بين دبي وطهران، حتى عندما كانت أبوظبي في مفاوضات مع إدارة "جورج دبليو بوش" لتأمين دعم الكونجرس الأمريكي لبرنامجها للطاقة النووية المدنية.

في عام 2008، أثرت الأزمة المالية العالمية على دبي بقوة؛ حيث ترك انفجار فقاعة السيولة والعقار الإمارة مكشوفة بشكل كبير وغير قادرة على السداد الكامل للديون المقدرة بما يتجاوز 142 مليار دولار. مددت أبوظبي شريحتين بقيمة 10 مليار دولار لكل منهما لمعالجة أزمة الديون المتزايدة التي هددت في مرحلة ما بالذعر المالي في دبي، مع أول "خطة إنقاذ" تتكون من شراء سندات من قبل أبوظبي. في حين أن إعادة التسمية المفاجئة لأطول مبنى في العالم من برج دبي  إلى برج "خليفة" في يوم افتتاحه في يناير/كانون الثاني 2010، كانت أبرز مظاهر النفوذ المكتشف حديثا لأبوظبي على دبي، فقد شهدت السنوات منذ ذلك الحين تخطي أبوظبي و"بن زايد" لدبي وحاكمها.

في حين أن الصعوبات الاقتصادية التي واجهتها دبي -والتي تكررت منذ عام 2017- أزالت أحد القيود المحلية على تركيز وتوطيد السلطة في أبوظبي، أزالت وفاة حاكم رأس الخيمة، "صقر بن محمد القاسمي" (92 عاما)، في أكتوبر/تشرين الأول 2010، قيدا آخر. كان "صقر" حكم الإمارة الشمالية لرأس الخيمة منذ عام 1948، وجعل أسلوبه الفريد من نوعه رأس الخيمة في خلاف مع حكام نظرائه في الإمارات الست الأخرى. والجدير بالذكر أن "صقر" كان منذ فترة طويلة متعاطفا مع الإسلاميين الإماراتيين، وخلال حياته أصبحت رأس الخيمة مكانًا آمنًا لأعضاء الإصلاح، وهي مجموعة محلية ترى أبوظبي أنها متحالفة مع الإخوان المسلمين. كان رحيله قبل 3 أشهر فقط من بدء الربيع العربي يعني أنه لم يكن هناك سوى القليل من الحماية بمجرد أن قرر"بن زايد"  في عام 2011 اعتماد نهج صفري تجاه الإسلاميين في الداخل والإقليم.

  • تطور تصورات التهديد

على مدى العقد الذي تلا الربيع العربي، تصرفت الإمارات -تحت الإدارة الفعالة لـ"بن زايد"- بحزم، وفي كثير من الحالات بقوة، ضد تهديد متصور من أشكال مسيسة وعبر وطنية للإسلام ترى أنها تنبثق عن الإخوان المسلمين وإيران. كما لاحظ "بيتر ساليسبري" في تقرير "تشاتام هاوس" الأخير حول السياسة الخارجية لدولة الإمارات، تحت قيادة "بن زايد"، أصبحت الدولة تنظر إلى هذه القضايا باعتبارها "تهديدا وجوديا لنهجها العلماني الواسع تجاه الحكومة وكذلك لاستقرار ما تسمى سلطات الوضع الراهن في المنطقة". خلال نفس الفترة، اقتربت الإمارات (وفي الواقع أبوظبي) من السعودية؛حيث عمل وليا العهد معا وصاغا محورا جيوسياسيا أعاد تشكيل السياسة الإقليمية في شبه الجزيرة العربية.

كان نهج عدم التسامح إطلاقا تجاه أي شكل من أشكال التعبئة المعارضة أو النشاط الإسلامي هو السمة الأكثر لفتا للنظر في قيادة "بن زايد" الفعلية منذ عقد من الزمان. كان لهذا جذور محلية مثل تأثر "بن زايد" بالإخوان المسلمين في شبابه؛ فهو يعتقد أن الإسلاميين المحليين لديهم تصميمات للسلطة السياسية داخل الإمارات، ويشكلون تهديدا لرؤيته العلمانية لنموذج الإمارات للتنمية. وقال للمسؤولين الأمريكيين في عام 2006 إنه يعتقد أن جماعة الإخوان المسلمين ستفوز في أي انتخابات ستجري في دبي. بعد ظهور إسلاميين إماراتيين في عريضة مارس/آذار 2011 التي تدعو إلى إصلاح سياسي (متواضع) في الإمارات وبدء نجاح الأحزاب الإسلامية في الانتخابات في دول المنطقة التي مرت بتحولات سياسية في الربيع العربي، زادت طبيعة وإلحاح التهديد الإسلامي الذي تصوره "بن زايد"، وقد توسعت مقاربته التي تركز على الأمن تدريجيا إلى الرأي القائل بأن جميع أشكال الإسلام السياسي تشكل تهديدا وجوديا ليس للإمارات فحسب، بل أيضًا للمنطقة الأوسع، دون أي فارق بسيط، وأنه يمكن للإمارات أن تتعامل معها في جميع المناطق الإقليمية المسارح.

وفي عام 2011 أيضًا، أشار "بن زايد" إلى نهج قطر الحازم تجاه الانتفاضات العربية، واعتقد أن الدوحة تدعم التحديات الشعبية للقادة الاستبداديين مما دفعه إلى تطوير نهج تدخلي من تلقاء نفسه، وإن كان في اتجاه يعارض تمامًا اتجاه الدوحة. اقتربت الإمارات من السعودية خلال عام 2010، جزئياًلمواجهة قطر وأيضا لزيادة ثقلها في الجغرافيا السياسية الإقليمية، خاصة تجاه إيران. بدأ هذا في البداية في عهد الملك "عبدالله بن عبدالعزيز" ودعماً للمصلحة المشتركة في قمع تحدي الربيع العربي للنظام الإقليمي، لكنه نما بطريقة أسرع وأعمق وأكثر تكاملا بكثير بعد وصول الملك "سلمان بن عبدالعزيز" إلى السلطة. والصعود السريع لـ"محمد بن سلمان"  في عام 2015. بعيدا عن كونهم حلفاء طبيعيين، فإن الإمارات والسعودية لديهما تاريخ طويل من التوتر، من الخلافات الحدودية في الخمسينيات حتى السبعينيات إلى التصعيد  في أعوام الألفية الثانية التي بلغت ذروتها في نزاع حاد في عام 2009 بسبب الاتحاد النقدي المخطط لمجلس التعاون الخليجي وصدام بحري قصير وحاد في مارس/آذار 2010.

توضح العلاقة بين "بن زايد" و "بن سلمان" إحدى الطرق التي تطورت بها السياسة الإقليمية والخارجية لدولة الإمارات من الاعتماد على الروابط المؤسسية إلى الاعتماد على الأفراد الرئيسيين. وهذا واضح ليس فقط مع "بن سلمان" في السعودية، ولكن أيضا بالنسبة لشخصيات مثل الجنرال المنشق "خليفة حفتر" في شرق ليبيا وقادة المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، الذين يقيمون منذ فترة طويلة في أبوظبي. مثل هذه الروابط تجعل الإمارات عرضة للاتهامات بأنها تدعم الجهات الفاعلة والجماعات (في ليبيا واليمن) التي تقوض الحكومات المعترف بها دوليا وتتدخل في شؤونها الداخلية. ومن المفارقات أن هذه هي نفس الاتهامات التي رددتها أبوظبي بصوت مرتفع ضد الدوحة منذ عام 2011.

حدد "بن زايد" في وقت مبكر بأن "بن سلمان" بأنه "منقذ" السعودية ولعب دورا رئيسيا في الدفاع عن الأمير البالغ من العمر 29 عاما (ووزير الدفاع) خلال اجتماعاته مع مسؤولي إدارة "باراك أوباما" في واشنطن العاصمة في عام 2015. بعد ذلك بـ3 سنوات، في أعقاب مقتل "جمال خاشقجي" داخل القنصلية السعودية في اسطنبول، كان قادة ودبلوماسيو الإمارات هم الذين تواصلوا بسرية مع إدارة "ترامب" ومسؤولي الكونجرس ليوضحوا أن هناك لم يكن بديلا قابلا للتطبيق لـ"بن سلمان". في غضون ذلك، قام وليا العهد بإضفاء الطابع الرسمي على شراكتهما في ديسمبر/كانون الأول 2017 مع تنشيط مجلس التنسيق السعودي الإماراتي الذي شاركا في رئاسته. كما أطلقوا حصارًا لقطر وحافظوا على عملياتهم العسكرية في اليمن، وإن كان ذلك أصبح أكثر انفصالا بسبب السياسات السعودية والإماراتية (المنفصلة) على الأرض.

إن النهج الذي اتبعه "بن زايد" يعرض الإمارات لخطر التورط في صراعات إقليمية تبدو غير قابلة للربح ولسلوك سياسة خارجية مرتكز على الشخصيات أكثر من المصالح المؤسسية المستقرة. يعد فشل مسيرة "حفتر" في طرابلس في يونيو/حزيران 2020 أحد الأمثلة على ذلك؛ لأنه يخاطر بسحب الإمارات، إلى جانب روسيا ومصر وتركيا، إلى صراع أعمق. كان آخر هذا هو الجدل الناجم عن أنشطة إماراتيين تورطوا في تحقيق" روبرت مولر" في التأثير الأجنبي في الولايات المتحدة وإجراءات المحكمة اللاحقة أيضا. بما أن الشهية المتزايدة للمخاطرة قد أدخلت التقلبات وعدم القدرة على التنبؤ في صنع السياسة الخارجية لدولة الإمارات، فسيكون من المفيد تقييم درجة استيعاب "بن زايد" للدروس والقيود المفروضة على أخطاء السياسة والعمل على تغيير المسار، على سبيل المثال السلوك الجزئي عند إعادة تشكيل وسائلهم  لإسقاط القوة في اليمن عام 2019.

ليس من الواضح ما إذا كانت إعادة نشر قوات الإمارات في اليمن قد تم تنسيقها مع السعودية أو حتى التواصل معها مسبقا، ومن المحتمل أن يتسبب أسلوبها المتهور في توتر بين الطرفين الخارجيين الرئيسيين في النزاع. كما أن الإعلان اللاحق عن "الحكم الذاتي" من قبل القيادة (التي تتخذ من أبوظبي مقراً لها) للمجلس الانتقالي الجنوبي في أبريل/نيسان 2020، بعد الانهيار الشديد لاتفاق الرياض الذي وقعه المجلس الانتقالي الجنوبي وحكومة الرئيس اليمني "هادي" المدعومة من السعودية في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، هي مؤشرات أخرى على أن المصالح الإماراتية والسعودية في المستقبل السياسي لليمن في مرحلة ما بعد الصراع في نهاية المطاف لا تتوافق بأي حال من الأحوال.

 يمكن أن تؤدي التوترات الأخرى أيضًا إلى خلق وتوسيع الشقوق في الشراكة الإماراتية السعودية إذا كانت اقتصادات ما بعد الوباء في الخليج تتنافس بشكل متزايد على الأسواق الإقليمية والدولية الأصغر وحصص السوق، أو إذا استمر المسؤولون الأمريكيون في الضغط على السعوديين للتصالح مع قطر على حساب أبوظبي التي تعارض بحزم إنهاء الحصار. عندما يخلف "بن سلمان" والده ملكا على السعودية، فقد يرى "بن زايد" الحاجة إلى القيام بنفس الشيء والضغط على أخيه غير الشقيق للتنحي عن منصب رئيس الإمارات؛ بحيث يحتفظ هو على الأقل بما يعادل منصب رئيس الدولة بدلا من منصب ولي العهد.

المصدر | كريستيان كوتس أولريشسن/ المركز العربي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد