الجمعة 31 يوليو 2020 07:40 ص

مع احتفال إثيوبيا بالأمطار التي بدأت في ملء سد مثير للجدل على أحد روافد نهر النيل، استشاطت مصر غضبا.

فلطالما عارضت مصر أي تطوير على مجرى النيل، يمكن أن يقلل من كمية المياه التي تتلقاها من النهر، واعتبرت المشروع الإثيوبي "تهديدا وجوديا".

ويحجز سد النهضة الإثيوبي الكبير (جيرد)، وهو قيد الإنشاء منذ عام 2011، الآن المياه، وسيحتوي على 4.9 مليار متر مكعب من مياه النيل الأزرق، بعد هطول الأمطار هذا الموسم.

جاء ذلك على الرغم من إصرار مصر على عدم إجراء أي عملية ملء للسد، من دون اتفاقية ملزمة قانونا، حول كيفية إدارة العملية.

ومن المتوقع أن يصل منسوب المياه في الخزان، الذي يقف وراء ما سيكون أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، عندما يبدأ تشغيله، إلى 74 مليار متر مكعب، في غضون من 4 إلى 6 سنوات.

وكانت مصر وإثيوبيا، إلى جانب السودان الذي يمر عبره نهر النيل الأزرق أيضا، تتفاوض على مدى نحو عقد من الزمان، فيما يتواصل بناء السد طوال الوقت.

وقد وقعت الدول الثلاث إعلان المبادئ في عام 2015، الذي تحدث عن "روح التعاون"، لكن مصر تشعر بأن تلك الروح مفقودة.

وفي العام الماضي، استثمرت مصر الوقت ورأس المال السياسي من خلال ممارسة الضغط على أعلى مستوى دولي، وطلب المساعدة من الولايات المتحدة والأمم المتحدة، ولكن دون جدوى.

فشلت الولايات المتحدة في دفع مصر واثيوبيا للتوقيع على اتفاقية.

ويبدو أن مصر خسرت تلك المعركة، حيث فشلت في إجبار إثيوبيا على الالتزام بما اعتبرته اتفاقية دولية طويلة الأمد تتطلب من دول المنبع التشاور مع دول المصب قبل الشروع في مشاريع بهذا الحجم.

ومن الصعب في هذه المرحلة، أن نتخيل ما يمكن لمصر أن تفعله اليوم بخلاف تقبل الوضع والحد قدر الإمكان من الضرر.

ومع ذلك، لم يتم استبعاد الخيار العسكري، بشكل صريح.

وقالت القيادة المصرية مرارا إنها لا تزال ملتزمة بالتوصل لحل من خلال المفاوضات.

ولكنها عادة ما تضيف العبارة التحذيرية التي تقول بأن "جميع الخيارات لا تزال مطروحة على الطاولة"، وهي عبارة غالبا ما تشير إلى صراع محتمل.

ولقد دأبت الحكومة على وصف قضية مشروع سد النهضة بأنها مسألة حياة أو موت، وسيكون ذلك صحيحا بشكل خاص إذا كان هناك انخفاض كبير في كمية المياه التي تصل إلى مصر بسبب السد.

ولكن الآن، وبعد أن باتت عملية الملء واقعا، ماذا فعلت الحكومة المصرية؟

رسميا، قالت مصر إنها ما زالت ملتزمة بالعملية الدبلوماسية الحالية التي يعالجها الاتحاد الأفريقي، وكررت شعارها القديم بأنها لن تقبل إجراءً أحادي الجانب من قبل إثيوبيا.

وتصر مصر على أن أي اتفاقية مستقبلية يجب أن تصادق على ما تراه حقوقها الثابتة في النيل والتي تقدر بـ55 مليار متر مكعب من مياه النهر.

ويتدفق في المتوسط 49 مليار متر مكعب من المياه عبر رافد النيل الأزرق سنويا، وقد رفضت إثيوبيا باستمرار التسليم بمنح مصر التزاما بكمية محددة من المياه تسمح لها بالتدفق عبر السد، وترى مطالب مصر على أنها إرث من الاتفاقات التي أبرمت من دون تدخلها.

ومن ثم لم تكن المخاطر أعلى على البلد من قبل.

ووصف سد النهضة، بأنه تهديد وجودي ليس مغالاة، فمصر دولة قاحلة وتعتبر فقيرة للغاية في المياه.

ويصنف البنك الدولي، بلدا بـأنه يعاني من ندرة المياه، عندما يكون هناك أقل من 1000 متر مكعب من المياه العذبة للفرد في السنة فيه.

وفي مصر، يبلغ الرقم 550 مترا مكعبا للفرد سنويا، وفقا للحكومة.

ما عليك سوى إلقاء نظرة على خريطة مصر، حيث يحشر 90% من سكانها البالغ عددهم 100 مليون نسمة، في وادي النيل الضيق الذي يمثل 6% من إجمالي مساحة البلاد، التي تحيط بها صحاري شاسعة من الجانبين.

ويوفر النيل للمصريين مصدرهم الرئيسي للمياه، للشرب والزراعة، وتقول مصر إن مياه النيل حيوية لقطاعها الزراعي.

وتعجز حصتها السنوية الحالية من مياه النيل، التي يبلغ حجمها الآن 55 مليار متر مكعب والمعرضة للخطر(جراء السد)، بالفعل عن تلبية احتياجاتها.

وهذا يفسر عدم توقف وسائل الإعلام والمعلقين عن مهاجمة إثيوبيا، على الرغم من أن مصر الرسمية مارست حتى الآن "ضبط النفس اللفظي".

فبالنسبة لهم، استخدمت إثيوبيا المفاوضات المطولة لتعمية الجانب المصري أثناء فرض حقائق على الأرض لممارسة السيطرة الكاملة على النهر.

وجاءت "تغريدة انتصار" احتفالا بأول عام لملء السد من قبل وزير الخارجية الإثيوبي "غدو أندارغاشيو"، التي جاء فيها "النهر أصبح بحيرة .. النيل لنا"، لتلهب المشاعر.

فقد أكدت تلك التغريدة، ما كان المصريون يخشونه منذ فترة طويلة، ورد بعضهم بكل أنواع التهديدات.

واعترف "عماد الدين حسين"، في صحيفة "الشروق" (يومية مصرية)، على مضض، بأن إثيوبيا قد تفوقت على بلاده ، لكن، في محاولة لطمأنة قرائه، قال إن "الأمر لم ينته بعد".

وأضاف "حسين"، قائلا في سخط يلخص الخلل الذي يشعر به كثير من المصريين: "يرفض الإثيوبيون تصديق أنه بدون النيل سنموت حرفيا، لديهم العديد من الأنهار ويتلقون حوالي 950 مليار متر مكعب من مياه الأمطار سنويا، ونتلقى حصة شحيحة قدرها 55 مليار متر مكعب، وهي نصف ما نحتاجه بالفعل، وتمثل أيضا نصف ما تستهلكه مواشيهم".

من جانبها ، أطلقت مصر العديد من برامج إدارة المياه، والتي تشمل إعادة تدوير مياه الصرف الصحي في الزراعة، ومحطات تحلية المياه، وبرنامج طموح لتغيير الأشكال التقليدية للري إلى طريقة أكثر توفيرا للمياه من خلال الري بالتنقيط.

لكن الجدل حول فقر المياه في مصر ربما يكون أقوى أوراقها في الخلاف الدبلوماسي، إذا أمكن استخدامه لحشد الدعم الدولي.

وبصرف النظر عن إعلان قصير بعدة لغات، فشلت الإدارات المصرية حتى الآن في إطلاق حملة إعلامية منسقة لكسب التأييد العالمي.

ويبدو أن الإثيوبيين حققوا نجاحا أكبر في أفريقيا، جنوب الصحراء الكبرى، وحتى في الولايات المتحدة.

والرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي هو رئيس جنوب أفريقيا "سيريل رامافوسا".

ويعتقد العديد من المصريين أن جنوب إفريقيا متحيزة لصالح إثيوبيا، الأمر الذي لا يبشر بالخير للمحادثات.

وإذا فشلت هذه المحادثات في تحقيق نتيجة مرضية، فإن مصر تعتقد أنها يمكن أن تعيد القضية إلى مجلس الأمن الدولي من أجل الحصول على قرار يقيد أيدي إثيوبيا.

ولكن ليس من المؤكد أنها تستطيع تأمين الحصول على دعم كل الأعضاء الخمسة الدائمين فيه.

فقد أشارت التقارير الأخيرة إلى أن الصين وروسيا ستعارضان مثل هذه الخطوة، لأنهما لا تريدان إرساء سابقة فكلتاهما لديها نزاعات نهرية مع جيران المصب.

وقد يؤدي الفشل في سد الفجوة بين مصر وإثيوبيا إلى كارثة لكلتيهما.

إذ يمكن أن تسفر الاضطرابات في مصر نتيجة الجفاف والنزوح الجماعي المحتمل إلى عواقب بعيدة المدى في جميع أنحاء شمال أفريقيا وأوروبا.

كما أن صراعا مسلحا بين دولتين من أكبر وأعظم دول إفريقيا يجب أن يكون احتمالا مخيفا ليس للأفارقة فحسب، بل للعالم كله.

المصدر | بي بي سي