الأحد 13 سبتمبر 2020 08:37 ص

بدأت أنقرة في تطبيق وجهة نظرها التي يمتد عمرها لـ50 عامًا بشأن الحقوق البحرية، من خلال مبدأ "الوطن الأزرق"، حيث وسعت تركيا من وجودها البحري والتجاري في مياه البحر الأبيض المتوسط ​​التي ترى أنها جزء من مناطقها الاقتصادية الخالصة، وقد أصبح التنقيب عن النفط والغاز أداة حاسمة في تنفيذ هذه الاستراتيجية.

لكن المحاولات التركية للمطالبة بحقوق واسعة في الموارد البحرية تهدد باندلاع صراع أوسع مع اليونان وحلفاء آخرين في الناتو، ومن شأن ذلك أن يجر مشاريع الطاقة في المنطقة إلى المعركة، وربما يجر الولايات المتحدة أيضًا.

طموحات تركيا البحرية

ترى تركيا أن جميع المياه المجاورة لها في بحر إيجة والبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط ​​تستحق معاملة خاصة بموجب القانون الدولي، وأن الجزر في بحر إيجه (التي تسيطر اليونان على معظمها) يجب ألا تتمتع بنفس الحقوق التي تتمتع بها دولة كبيرة مثل تركيا التي لها سواحل طويلة.

ولكن، لم يهتم المجتمع الدولي بهذه الفروق مطلقًا، ولهذا السبب لم توقع تركيا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وتفضل حل النزاعات من خلال المفاوضات الثنائية بدلاً من التحكيم الدولي.

وقد أدى ذلك حتى الآن إلى نزاعين كبيرين مع اليونان في بحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط​​، بالإضافة إلى نزاع رئيسي مع قبرص في شرق البحر المتوسط.

ويعتبر النزاع الأهم لتركيا في بحر إيجه، حيث تساعد آلاف الجزر اليونانية في تعزيز مطالبات اليونان البحرية مقابل مطالبات تركيا، وحيث يختلف البلدان حول كيفية البدء في رسم حدود بحرية بسبب التباين في عدد الجزر بينهما.

تمتلك تركيا 3 جزر فقط في بحر إيجه، بينما تدعي اليونان ملكية أكثر من 3 آلاف جزيرة، ونظرًا لارتفاع عدد الجزر اليونانية، فقد أكدت تركيا منذ فترة طويلة أن أي توسع في المطالبات البحرية اليونانية من 6 أميال بحرية إلى 12 ميلًا بحريًا سيشكل "سببًا للحرب".

وبينما كادت الحرب تندلع عدة مرات بين اليونان وتركيا بسبب النزاعات في بحر إيجه، فقد تجنب البلدان حتى الآن إعلان المناطق الاقتصادية الخالصة الكاملة في المنطقة، فضلاً عن المطالبة بالمياه الإقليمية التي تتجاوز 6 أميال بحرية. لكن هذا لا يعني أنهما لا يستطيعان فعل ذلك في المستقبل.

إن استخدام جزر اليونان في بحر إيجه لترسيم الحدود البحرية للمناطق الاقتصادية الخالصة، والتي تمتد حتى 200 ميلًا بحريًا من الساحل الرئيسي، من شأنه أن يترك تركيا بلا حقوق تقريبًا في الموارد الطبيعية ومصايد الأسماك في بحر إيجه.

وأكدت تركيا أن الطريقة الأكثر إنصافًا لتقسيم موارد البحر ستكون من خلال تجاهل الجزر تمامًا والبدء بخط على مسافة متساوية من البر الرئيسي اليوناني والتركي.

أنقرة تتخذ إجراءات

تحاول تركيا إضفاء الشرعية على مطالبتها المعلنة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة، من خلال استعراض مطالبها بقوة أكبر عبر استكشاف الطاقة والتدريبات البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط​، وكذلك نزع الشرعية عن أي مطالبات محتملة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة في المنطقة والتي تستطيع اليونان أن تطالب بها من خلال جزرها في كريت ورودس و كاستيلوريزو.

يمكن لجزيرة كاستيلوريزو​​، على وجه الخصوص، أن تكون أساس مطالبة مهمة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة لليونان والتي يمكن أن تتصل بالمنطقة الاقتصادية الخالصة التي تطالب بها قبرص، وبالتالي تحد بشكل كبير من المطالبات التركية بالموارد بين جزيرة كريت وقبرص.

وقد يؤدي المزيد من التصعيد إلى مطالبة اليونان أخيرًا بكامل منطقتها الاقتصادية الخالصة في شرق البحر المتوسط​​، وهو ما كانت أثينا حتى الآن مترددة في القيام به خوفًا من تحفيز صراع أوسع.

نشطت سفينة المسح التركية "عروج ريس" في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط ​​منذ بداية العام، تحت حماية فرقة بحرية تركية.

وتهدف الاتفاقية البحرية التركية في ديسمبر/كانون الأول 2019 مع حكومة الوفاق الوطني الليبية إلى إضفاء الشرعية على مطالبات تركيا من خلال إقامة حدود بين المياه التركية والليبية تتجاهل جزيرة كريت وكاستيلوريزو.

وفي 27 أغسطس/آب، صادق البرلمان اليوناني على اتفاقية حدود بحرية مع مصر تهدف إلى مواجهة اتفاق تركيا مع ليبيا من خلال إضفاء الشرعية على حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة المحتملة المبنية على أساس سيطرتها على جزيرة كريت.

يعتبر اتفاق اليونان مع مصر خطوة أولى في احتمال إعلان منطقة اقتصادية خالصة كاملة في شرق البحر الأبيض المتوسط، لكن الاتفاق مع مصر لا يُشرعن مطالبات اليونان المحتملة التي تقوم على أساس كاستيلوريزو.

كما تحاول تركيا بنشاط نزع الشرعية عن المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تطالب بها قبرص في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​من خلال إجراء استكشافات للطاقة في المياه التي تدعي قبرص ملكيتها مباشرة، فضلاً عن مضايقة الشركات الأجنبية التي تعمل نيابة عن الحكومة القبرصية.

جادلت تركيا بأن مطالبة قبرص بالمنطقة الاقتصادية الخالصة ليس قانونيًا لأنه لم يتم بالتنسيق مع جمهورية شمال قبرص التركية، التي تعترف بها أنقرة كحكومة شرعية لكل قبرص.

كما تجادل تركيا بأن قبرص، كجزيرة، لا يمكنها المطالبة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة كاملة.

تقوم سفينة "يافوز" التركية حاليًا بالحفر قبالة ساحل غرب قبرص، كما تقوم سفينة "بربادوس" التركية حاليًا بإجراء أبحاث في المياه الإقليمية لشمال قبرص التي تعترف بها تركيا كجزء من منطقة التنقيب عن النفط التي تملكها شركة النفط التركية الحكومية.

في عام 2018، منعت البحرية التركية شركة النفط الإيطالية "إيني" من التنقيب في منطقة "كتليفيش" الاستكشافية التي استلمتها الشركة من قبرص.

شبح الحرب

ستستمر الأنشطة التركية المتزايدة في دفع الولايات المتحدة ودول الناتو الأخرى، بما في ذلك فرنسا واليونان، إلى تعزيز وجودها البحري في شرق البحر المتوسط.

وستحاول كل من تركيا واليونان الامتناع عن تجاوز الخطوط الحمراء التي يمكن أن تؤدي إلى مواجهة أكبر لا تريدها أي منهما، لكن تزايد للسفن في شرق البحر المتوسط ​​سيزيد من احتمال وقوع حوادث، كما يتضح من الاصطدام الذي وقع في 10 أغسطس/آب بين الفرقاطة اليونانية "ليمنوس" والفرقاطة التركية "كمال ريس".

ومن المرجح أن تنجح الوساطة الدولية في منع وصول التصعيد إلى نزاع عسكري بين اليونان وتركيا، ولكن من غير المرجح أن تؤدي إلى حل دبلوماسي للنزاع بينهما.

في حالة حدوث أزمة أوسع، سيرى معظم أعضاء الناتو تركيا على أنها المعتدي ومن المرجح أن يدعموا اليونان، وسيؤدي ذلك إلى زيادة تمسك أنقرة باستراتيجيتها البحرية والترويج لفكرة أن الناتو لا يهتم بأولويات الأمن القومي لتركيا.

ومن المستبعد أن تقرر تركيا الخروج من الناتو، وبدلاً من ذلك، من المحتمل أن تستمر أنقرة في تقليل تعاونها مع دول الناتو.

وبالرغم من دعوات قبرص واليونان لردع سلوك تركيا، فمن المرجح أن يتردد الاتحاد الأوروبي في فرض تدابير أكثر صرامة خوفًا من دفع أنقرة لتقليل التعاون بشأن الهجرة وأولويات الاتحاد الأوروبي الأخرى.

وما لم تبدأ تركيا في حماية مطالباتها بشكل مباشر في بحر إيجه، أو إطلاق النار على سفينة يونانية أو أوروبية أخرى، أو إجراء أنشطة حفر أو استكشاف حول جزيرة كريت، فمن المرجح أن تمتنع بروكسل عن فرض عقوبات على الشركات والأفراد الذين يدعمون الأنشطة التركية في البحر الأبيض المتوسط.

تحتاج القرارات الخاصة بتنفيذ عقوبات الاتحاد الأوروبي إلى إجماع الدول الأعضاء في الكتلة. ولكن بعض الدول، مثل ألمانيا، لديها مخاوف بشأن العقوبات الصارمة التي لا تؤدي إلا إلى تأجيج التوترات بين بروكسل وتركيا.

ولكن، إذا لم يتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات مهمة بشأن تركيا، فإن قبرص تهدد باستخدام حق النقض ضد عقوبات الاتحاد الأوروبي المقترحة ضد بيلاروسيا وسط الأزمة السياسية المستمرة في البلاد.

وقد يؤدي هذا إلى فرض عقوبات محدودة تستهدف عددا من الأفراد والشركات التركية، ولكن لا يزال من غير المحتمل فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية واسعة النطاق على الحكومة التركية.

مشاريع الطاقة مهددة

ومن المرجح أن تسمح الولايات المتحدة للاتحاد الأوروبي بمواصلة تولي زمام المبادرة في الرد على محاولات تركيا نزع الشرعية عن المطالبات البحرية اليونانية والقبرصية، لكن دخول شركة "شيفرون" الأمريكية مؤخرًا إلى شرق البحر المتوسط ​​قد يجر واشنطن في النهاية إلى الصراع بشكل مباشر.

ففي 20 يوليو/تموز، أعلنت شركة "شيفرون" عن اتفاق للاستحواذ على شركة "نوبل إنرجي" للنفط والغاز ومقرها هيوستن، والتي تشغل كل من حقل "ليفياثان" للغاز قبالة سواحل (إسرائيل) وحقل "أفروديت" للغاز قبالة ساحل قبرص.

ومع ذلك، من المرجح أن تتبنى أنقرة نهجًا يتضمن عدم الاشتباك مع الشركات الأمريكية العاملة في المنطقة، حيث ستكون الولايات المتحدة أكثر استعدادًا لفرض عقوبات كبيرة ردًا على جر الشركات الأمريكية إلى نزاعاتها البحرية.

وستؤدي مضايقات تركيا المستمرة لشركات الطاقة الأجنبية إلى تقريب جيرانها من بعضهم البعض فيما يتعلق بقضايا الأمن البحري واستكشاف الطاقة.

لكن من المحتمل أيضًا أن يتوقف بناء خط أنابيب شرق المتوسط الذي تم طرحه بعد أن أنشأت قبرص ومصر واليونان و(إسرائيل) منتدى غاز شرق المتوسط ​​في عام 2019.

منذ ذلك الحين، تعاون الرباعي لبناء مشروع خط أنابيب بقيمة 6 مليارات دولار تقريبًا، لنقل الغاز الطبيعي من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​إلى أوروبا.

بموجب القانون الدولي، فإن تركيا مطالبة من الناحية الفنية بالسماح للدول الأخرى ببناء خطوط أنابيب عبر المنطقة الاقتصادية الخالصة.

لكن أنقرة تحتفظ بسلطة مطالبة أي من منشئي خط أنابيب شرق البحر المتوسط ​​بالالتزام بمراجعاتها البيئية والرقابة، والتي ستكون بمثابة اعتراف فعلي بالمنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا.

وإذا لم تمتثل الأطراف المعنية، فيمكن أن ترسل تركيا أسطولها البحري لمضايقة أو اعتراض السفن المشاركة في البناء كما فعلت أنقرة في عام 2018 مع حفارة كانت تخطط لحفر بئر في المياه القبرصية.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد