تحتل الاستدامة مكانة متزايدة في طليعة التحول الاقتصادي في السعودية، وفي محاولة للحد من "التسرب الاقتصادي"، تخطط الحكومة السعودية لوقف منح العقود للشركات الأجنبية التي لا تنشئ مقار إقليمية في البلاد بحلول عام 2024.

وتنتشر مشاريع التنمية الموجهة نحو الاستدامة في المشهد الجغرافي والتجاري للمملكة، وكانت المعايير البيئية والاجتماعية المتعلقة بالحوكمة والاستدامة من الموضوعات الرئيسية في مبادرة الاستثمار المستقبلي في شهر يناير/كانون الثاني في الرياض.

وكانت الرغبة في إنتاج عمليات اقتصادية أكثر استدامة وراء اللوائح التجارية الجديدة، ومشاريع التنمية الجارية، وحتى استراتيجيات الاستثمار، ومع ذلك، فإن جدوى وربحية هذه السياسات والأنشطة الاقتصادية ليست مؤكدة.

وفي كثير من الحالات، قد يستغرق الأمر أعواما قبل أن تصبح بعض المشاريع منطقية من الناحية الاقتصادية، وقد يطغى التركيز المفرط على الاستدامة طويلة الأجل عبر مبادرات محددة على الحاجة الملحة للحكومة للعمل بطريقة مستدامة ماليا على المدى القصير.

المقرات واقتصاديات الحوافز

وتتبع السياسات الاقتصادية السعودية الجديدة نهج "فكر عالميا.. واعمل محليا"، وفي 15 فبراير/شباط، أعلنت الحكومة السعودية أن الأهلية لتأمين العقود الحكومية ستكون مرتبطة بوجود مقر إقليمي في المملكة اعتبارا من 1 يناير/كانون الثاني 2024.

ويعتمد نجاح تلك السياسة في النهاية على ما إذا كانت الشركات العالمية ستقرر أن عوائد التواجد في السوق السعودية تفوق التكاليف وأي مخاطر ذات صلة لتعزيز وجودهم في البلاد. وبحسب وزير الاستثمار السعودي "خالد الفالح"، فإن السياسة الجديدة "ستنعكس بشكل إيجابي على شكل خلق آلاف فرص العمل للمواطنين، ونقل الخبرات، وتوطين المعرفة"، إلى جانب استحداث المزيد من الاستثمارات وتعزيز المحتوى المحلي.

وكافحت المملكة لتعزيز المستويات المتدنية أو المنخفضة لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر منذ عام 2008؛ حيث سجل صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السعودية 4.2 مليار دولار فقط في عام 2018، و4.6 مليار دولار في عام 2019، ومن المرجح أن يتفاوض المسؤولون السعوديون مع المستثمرين المحتملين أكثر من أجل جذبهم. وستكون الامتيازات جزءا من أي مفاوضات تجارية.

ويقال إن الحكومة السعودية تعمل على تحويل مركز الملك "عبدالله المالي" إلى منطقة اقتصادية ذات حوافز تجارية خاصة، مثل الإعفاءات الضريبية وأنظمة العمل الأخف.

ويخطط صانعو السياسات أيضا لإنشاء 20 منطقة اقتصادية جديدة مع بيئات تنظيمية صديقة للمستثمر، وغالبا ما تتضمن المعاملة التفضيلية للشركات والمستثمرين مقايضة؛ حيث تعني انخفاض الإيرادات الضريبية وتوطين أقل على المدى القصير. ومع ذلك، قد يكون المردود مفيدا على المدى المتوسط ​​والطويل.

الاقتصاد الأخضر

وبالمثل، تعمل الاستدامة البيئية على ربط العديد من المشاريع التنموية البارزة تحت مظلة "رؤية السعودية 2030"، التي يملكها صندوق الاستثمارات العامة. وتهدف شركة البحر الأحمر للتطوير إلى وضع معايير جديدة في التنمية المستدامة.

ويشير مشروع "أمالا"، وهو وجهة فاخرة ناشئة على الساحل الشمالي الغربي للبلاد، إلى "الالتزام بالاستدامة ذات المستوى العالمي" كمكون أساسي من وعود الصورة الجديدة للمملكة. ويتضمن أحدث تطوير لمشروع "نيوم" العملاق مدينة خطية يبلغ طولها أكثر من 100 ميل مع "انبعاثات كربونية معدومة".

وتفتخر "نيوم" أيضا بمبادرة "الهيدروجين الأخضر" بقيمة 5 مليارات دولار، ما يعكس دفعة الاستدامة في قطاع الطاقة، ولدى الاعتماد الواسع للهيدروجين الأخضر القدرة على توفير وقود أنظف لمحطات الطاقة والصناعات الثقيلة والمركبات.

وفي سبتمبر/أيلول 2020، رتبت "أرامكو" السعودية لتصدير تجريبي للأمونيا الزرقاء إلى اليابان، وبالرغم من الإثارة الكبيرة المحيطة بإمكانيات الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة المتجددة الأخرى في المملكة، كان التقدم في مشاريع تطوير الطاقة المتجددة "غير مستقر".

وسيطرت الاستثمارات البيئية والاجتماعية والحوكمة وغيرها من الموضوعات المتعلقة بالاستدامة على حلقات النقاش في مؤتمر مبادرة الاستثمار المستقبلي السنوي في السعودية، وفي الواقع، يتوقع العديد من المستثمرين الأمريكيين والأوروبيين الالتزام بنوع من المعايير أو المبادئ البيئية والاجتماعية المتعلقة بالحوكمة.

ولا ينبغي التعامل مع المؤتمر كدليل إرشادي لاستراتيجيات الاستثمار للحكومة السعودية، لكنه يوفر نافذة على الاعتبارات التي تقوم عليها قرارات الاستثمار.

وقال "ياسر الرميان"، رئيس صندوق الاستثمارات العامة، في بداية المؤتمر: "لم تكن هناك فرصة أفضل من أي وقت مضى للاستثمار المؤثر المستدام". ومن السمات المهمة للاستثمار المستدام في صندوق الاستثمارات العامة توجهه المحلي؛ حيث يخطط الصندوق لضخ 40 مليار دولار في اقتصاد البلاد هذا العام، ومبلغ مماثل في عام 2022.

المالية المستدامة

وبينما أعطت الحكومة السعودية الأولوية للعمليات الاقتصادية المستدامة، كان هناك تركيز أقل على الاستدامة المالية، بالرغم أنه من السهل قياسها كهدف سياسي طويل الأمد.

وتعد ميزانية المملكة البالغة 263.9 مليار دولار لعام 2021 أقل بنحو 7% من الإنفاق المتوقع لعام 2020، لكن المسؤولين السعوديين ما زالوا يتوقعون أن يصل العجز في 2021 إلى 37.6 مليار دولار، أي نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي.

وإذا تم التعامل مع الـ40 مليار دولار التي سوف يستثمرها صندوق الاستثمارات العامة هذا العام على أنها نفقات رأسمالية، فسيكون العجز الاسمي لعام 2021 مشابها لعجز عام 2020. وتتوقع وكالة "موديز" "تآكلا كبيرا" في أصول صناديق الثروة السيادية في المملكة لتلبية متطلبات التمويل.

وقد تنهي الإيرادات الحكومية العام أفضل قليلا مما كان متوقعا، بسبب ارتفاع أسعار النفط، ويقدر صندوق النقد الدولي سعر التعادل المالي للنفط في السعودية بنحو 68 دولارا للبرميل، وبلغ سعر سلة أوبك من النفط الخام 63.43 دولارا للبرميل في 18 فبراير/شباط الجاري.

وفي حين أن أسعار النفط المرتفعة توفر للمسؤولين السعوديين بعض القدرة على المناورة المالية، فإن الاعتماد الكبير على أسعار النفط لتحقيق التوازن في ميزانيتها هو بالضبط ما تطمح السعودية إلى تجاوزه.

ويعتبر هذا هو الوقت المناسب لمزيد من إضفاء الطابع المؤسسي على آليات توليد الإيرادات غير النفطية اللازمة لاستدامة المالية العامة على المدى الطويل. وأحرزت المملكة تقدما ملموسا على هذا الصعيد من خلال تطبيق ضرائب جديدة ورسوم أخرى.

وبدأت الحكومة أيضا العمل على إطار إدارة الأصول والالتزامات السيادية في عام 2020، ما قد يساعد في إدارة المخاطر المتعلقة بالميزانية والمخاطر المالية.

ويعتبر البناء على هذا التقدم أكثر أهمية من الشروع في مشاريع جديدة، لا سيما بالنظر إلى عدد المشاريع الناشئة بالفعل في خط الاستثمارات التجارية في البلاد.

وسيكون من المنطقي بالنسبة لتركيز السعودية على الاستدامة إعطاء الأولوية للإنفاق المستدام، ولا ينبغي أن تشكل المشاريع باهظة الثمن التي تركز على الاستدامة جوهر المستقبل الاقتصادي للبلد، بل يجب أن تكون بمثابة مكافأة إضافية.

المصدر | روبرت موغلنيسكي | معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد