الأربعاء 7 أبريل 2021 12:57 م

تتجه أزمة "سد النهضة" المتنازع عليه بين إثيوبيا والسودان ومصر، إلى مزيد من التعقيد، بعد فشل اجتماعات كينشاسا، التي اعتبرت مفاوضات الفرصة الأخيرة.

ويبدو أن لغة التصعيد باتت سيدة الموقف، بعد إعلان أديس أبابا المضي قدما في عملية الملء الثاني للسد، في يوليو/تموز المقبل، وإصرار دولتي المصب (السودان ومصر)، على التوصل لاتفاق ملزم قانونا قبل ملء وتشغيل السد.

ومنذ سنوات، يطبق الجانب الإثيوبي، سياسة الأمر الواقع، مع استنزاف الوقت، وتعدد الوساطات، وإخفاق التدخل الأمريكي، والأوروبي، والأفريقي، في حلحلة الأزمة.

في المقابل يتواصل الإصرار المصري السوداني على ضرورة إتمام التفاوض بوساطة رباعية، تضم إلى جانب الاتحاد الأفريقي، الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، لكن دون نتيجة.

نبرة تهديد

بالتزامن مع تعقد الموقف، استيقظ المصريون قبل أيام على لغة تهديد، ونبرة جديدة تلمح إلى خيار الحرب، بشكل يناقض رسائل الطمأنة التي دأب نظام الرئيس "عبدالفتاح السيسي" على توجيهها للشارع من آن لآخر.

ففي يناير/كانون الثاني 2018، كان التصريح اللافت للرئيس المصري، على هامش قمة ثلاثية جمعت قادة البلدان الثلاثة، قائلا: "كونوا مطمئنين تماما، فى مصر وإثيوبيا والسودان، فيه قادة مسؤولين، التقينا واتفقنا لا يوجد ضرر على أحد، وأكدنا أن مصلحة الثلاث دول واحدة، وصوتنا واحد، ولا توجد أزمة بيننا".

وقبل أيام، وفي أول انتقادات بهذه الحدة، قال "السيسي": "ما حدش هيقدر ياخد نقطة مياه من مصر، واللي عاوز يجرب يجرب، إحنا مابنهددش حد، وإلا هيبقى في حالة عدم استقرار في المنطقة لا يتخيلها أحد، ولا يتصور أحد أنه بعيد عن قدرتنا، المساس بمياه مصر خط أحمر، وسيؤثر على استقرار المنطقة بشكل كامل".

وجدد "السيسي" تهديداته، الأربعاء، قائلا: "مصر لن تقبل أن تمس نقطة مياه واحدة، لأن الخيارات كلها مفتوحة، وتعاوننا أفضل كتير من إننا نختلف"، مواصلا تحذيراته: "في الآخر.. اللي نزل المياه هناك ربنا، واللي خلاها تيجي مصر ربنا، في مسار ربنا محدده، واللي عمله ربنا مش هيغيره البشر".

إعلان المبادئ

وأمام الإصرار الإثيوبي على إكمال المرحلة الثانية من الملء، مقابل تعثر الوصول لحل بشأن الأزمة، التي تشكل خطرا حقيقيا على حياة الملايين من مواطني مصر والسودان، قد يكون أمام القاهرة والخرطوم أوراق بديلة وناجعة، وخيارات مختلفة ومؤثرة.

ووفق الفقيه الدستوري المصري، الدكتور "محمد نور فرحات"، فإن عرض اتفاقية "إعلان المبادئ" الموقعة مارس/آذار 2015، على البرلمان المصري ورفض التصديق عليها، يجب أن يكون خيارا ملحا أمام الدولة المصرية.

وتنص الاتفافية التي وقعها "السيسي" مع نظيره السوداني المخلوع "عمر البشير"، ورئيس الوزراء الإثيوبي السابق "هايلي ماريام ديسالين"، على سماح الدول الثلاث ببناء السدود على نهر النيل لتوليد الكهرباء، وهو ما يعني اعترافا مصريا سودانيا بشرعية بناء سد النهضة.

وإلى جانب ذلك، يمكن أن تعلن مصر أن الملء الأحادي ودون اتفاق ملزم بالإدارة المشتركة للسد، عمل عدائي يمس الأمن القومي، مع التقدم بشكوى لمجلس الأمن الدولي، وفق مقترحات "فرحات".

وتخول المادة 36 من ميثاق مجلس الأمن الدولي، للمجلس، التدخل في أي مرحلة من مراحل النزاع بين الدول وإصدار قرارات ملزمة لكل الأطراف، كما يمكن للمجلس وفق المادة 38 من ميثاقه فرض وساطة دولية أو إصدار قرار تحكيمي أيضا لتجنب أي صراع أو حرب قد تندلع بين الدول المتنازعة.

تحرك عسكري

ويرى مراقبون، أن مصر قد تسلك مسلكا آخر، وقد بدأت بالفعل تحركا عسكريا يمهد لطرح ورقة الحرب كخيار محتمل، بعد اختتام المناورات الجوية "نسور النيل2" والتي بدأت 31 مارس/آذار الماضي في السودان، وهو ما اعتبر بمثابة إنذار للجانب الإثيوبي.

وتنقل "الإذاعة الألمانية" عن خبراء أن "السيسي" أراد أن يوجه رسالة واضحة لأمريكا وأوروبا ومبعوثيهما بأنه لن يتردد في اللجوء للحل العسكري، ويدلل هؤلاء بأن الرئيس المصري بات في وضع أفضل بعد التفاهمات في ليبيا، وكذلك التقارب مع تركيا.

وتظهر المقارنات الرقمية بين الجيشين المصري والإثيوبي، تفوقا واضحا للجيش المصري نوعاً وكماً، حسب موقع "جلوبال فير بور" الأمريكي.

ويملك الجيش المصري قوة عاملة 440 ألف عنصر، إضافة إلى قوة احتياط 480 ألف، و2160 دبابة، وأكثر من 5700 مدرعة، ونحو 218 طائرة من طراز "إف-16"، و20 مقاتلة فرنسية من طراز رافال، وطائرات روسية من طراز "ميج-29"، و"سوخوي-35" الشهيرة، و320 قطعة بحرية منها حاملتا طائرات و7 طرادات، و4 غواصات.

في المقابل، لا يتجاوز عدد قوات الجيش الإثيوبي 140 ألف شخص، وليس لديهم قوات احتياطية، إضافة إلى امتلاك 800 دبابة، و800 مدرعة، وقدرات جوية متواضعة لا تتجاوز 82 طائرة حربية.

لكن الخيار العسكري يواجه عقبات صعبة، أبرزها أن إثيوبيا ليست لديها سواحل، بحيث يمكن قصفها من البحر، إضافة إلى وعورة الجغرافيا الإثيوبية، وبعد منطقة الهدف عن مدى المقاتلات المصرية، ما يستلزم تعاونا سودانيا، لتكون إحدى القواعد العسكرية في السودان، أو جنوب السودان، محطة للتحرك العملياتي ضد إثيوبيا.

وتحيط المخاوف بهذا الخيار، ومدى تقبل المجتمع الدولي له، وكذلك خشية الجانب المصري من التورط في حرب طويلة الأمد، أو تلقي ضربة إثيوبية عكسية تهدد السد العالي، جنوبي مصر، وربما التعرض لعقوبات دولية، حال اشتعال الحرب.

كذلك سيبقى القرار المصري بإعلان الحرب في انتظار الدعم العربي والخليجي تحديدا، سياسيا وماليا، لاسيما وأن وعد "السيسي" المعروف بـ"مسافة السكة" لم يتحقق في حرب اليمن لدعم السعودية والإمارات، وهو ما يجعل من تلك الورقة ربما مجرد تهديد مصري لنيل مكاسب على مائدة المفاوضات.

حرب بالوكالة

ويطرح المحلل المتخصص في الشؤون الأفريقية "شفاء العفاري"، في حديثه لموقع "المونيتور" الأمريكي، سيناريو آخر يتعلق بدعم مصري مكثف للسودان لخوض حرب واسعة أو منخفضة الكثافة مع إثيوبيا، بالنظر إلى التوتر القائم في مناطق الحدود الإثيوبية السودانية.

وفي هذه الحالة، قد تتدخل قوات مصرية لمساعدة القوات السودانية، خاصة أن هناك اتفاقية للدفاع العربي المشترك يمكن الإستناد عليها.

والشهر الجاري، ألمح السودان إلى التفكير في كل الخيارات الممكنة لحماية أمنه ومواطنيه، معتبرا التعنت الإثيوبي تهديدا حقيقيا لا يمكن قبوله.

ومن الخيارات المطروحة، رابعا، تنفيذ عملية تفجير للسد، بواسطة عناصر أمنية استخباراتية، على أن تتبرأ القاهرة منها، ما يحققق الهدف المرجو، دون تبعات إقليمية ودولية على الجانب المصري.

وتشير برقية للسفارة الأمريكية تعود إلى عام 2010، نشرها موقع "ويكيليكس"، أن المصريين فجروا معدات كانت في طريقها إلى إثيوبيا في منتصف السبعينيات، ما يعني أن الخيار المطروح سبق تنفيذه بشكل ما.

ومن الخيارات الواقعية أمام مصر، وأقلها تكلفة، إثارة النزاعات الداخلية في إثيوبيا وتشجيع الحركات الانفصالية بالتعاون مع السودان، ودعم المعارضة المناوئة لرئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد علي".

لكن مراقبين يرون أن مصر والسودان أضاعتا فرصة ذهبية لإمساك ورقة ضغط ضد أديس أبابا، وهي حرب "تيجراي" التي اندلعت في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وحسمتها الحكومة الإثيوبية لصالحها.

ويبقى خيار إحالة الملف إجمالا لمحكمة العدل الدولية في لاهاي، قائما بالفعل، شريطة موافقة الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) على اللجوء إليه، وهو ما يبدو بعيد المنال.

يبقى الباب إذن مفتوحا أمام كل السيناريوهات، مع فشل مفاوضات كينشاسا، وغياب الضغط الدولي المطلوب، وعزم الجانب الإثيوبي على إكمال عملية ملء السد، وتصاعد نبرة التهديد المصري والسوداني على أكثر من مستوى.

المصدر | الخليج الجديد