الاثنين 7 يونيو 2021 10:08 م

تكشف الاحتجاجات الأخيرة في سلطنة عمان عن تراكم إخفاقات فيما يتعلق بسياسات الدولة لحل مشكلة البطالة وغيرها من التحديات الاقتصادية. وإذا لم تنتهج عمان استراتيجية عملية لحل هذه القضايا، فمن المحتمل أن تزيد الأزمات في المستقبل.

وفي 23 مايو/أيار الماضي، تظاهر عدد من الشباب العماني أمام مبنى مديرية العمل في مدينة صحار، التي تقع على بعد 200 كيلومتر شمال غرب العاصمة العمانية مسقط، لمطالبة الحكومة بتوفير وظائف.

ثم امتدت هذه الاحتجاجات إلى مناطق أخرى، ولا سيما عبري والرستاق وصور ونزوى وصلالة. وطالب الشباب بمزيد من فرص العمل بالإضافة إلى إلغاء ضريبة القيمة المضافة، وتحسين ظروف المتقاعدين، وزيادة الرواتب، فضلا عن التدابير الأخرى التي يمكن أن تحسن الظروف المعيشية.

وتذكرنا هذه المظاعرات باحتجاجات عام 2011، والتي بدأت أيضا في صحار وحركتها وسائل التواصل الاجتماعي. وكانت المطالب في ذلك الوقت أيضا تتركز حول مشكلة البطالة. وفي حين أدخلت الحكومة بعض الإصلاحات، إلا أن التأثير كان محدودا بسبب مشاكل أخرى مثل الفساد والبيروقراطية الشديدة وقصور الأداء الحكومي.

كما وقعت احتجاجات أيضًا في عامي 2018 و2019 وكانت مصحوبة بالإضرابات على المستوى الوطني.

وتشير الإحصاءات إلى أن العدد الإجمالي للعاملين في السلطنة هو 2.2 مليون، تمثل نسبة غير العمانيين منهم نحو 78.4%. ووفقا لوزارة العمل، يبلغ عدد العمانيين الباحثين عن عمل من المسجلين لدى الوزارة حوالي 65 ألف شخص، من أصل 475 ألفًا يمثلون القوى العاملة المحلية في البلاد.

وتفاقم الوضع بعد تسريح العمال بسبب جائحة "كورونا"، وقد عزا البعض المشكلة إلى غياب القوانين التي تحمي حقوق العمال. وعلاوة على ذلك، فإن سياسة الحكومة لإحلال العمانيين مكان العمال الأجانب لم تنجح، حيث أن مؤهلات معظم طالبي العمل المحليين غير متسقة مع احتياجات سوق العمل.

من ناحية أخرى، فإن سلطنة عمان تواجه عجزًا مزمنًا في الميزانية فاقمه الركود الاقتصادي بسبب "كورونا" وانخفاض أسعار النفط العالمية.

ومن المتوقع أن يبلغ عجز الموازنة لعام 2021 نحو 5.72 مليار دولار، وقد اضطر هذا الوضع الحكومة إلى اعتماد تدابير التقشف. وفي مايو/أيار 2021، أدخلت الحكومة ضريبة القيمة المضافة للمرة الأولى، وكذلك اعتمدت إصلاحات أخرى تهدف إلى ضمان الاستقرار المالي للسلطنة.

ومع عدم وجود قطاع خاص قوي يستثمر في خلق فرص العمل، تفاقمت هذه المشكلات لتؤدي إلى مستويات البطالة فحسب.

استجابة الحكومة العمانية

تعاملت الحكومة العمانية مع الاحتجاجات الأخيرة بشكل مختلف عن السابق. وقد استخدمت نهجين مختلفين في استراتيجية احتواء الاحتجاجات.

وفيما يخص النهج الأول، فقد اعتمدت السلطات نهجا أكثر ليونة، وذلك باستخدام منصات الإعلام الرسمية للتعبير عن فهمها لمطالب المتظاهرين، كما غطت صحف حكومية أخبار الاحتجاجات. وبالرغم من ذلك، تم وصف ما يحدث بأنه مشكلة "باحثين عن عمل"، دون ذكر بعض المطالب الأخرى للمتظاهرين، مثل مكافحة الفساد وحل مشكلة الإسكان في البلاد.

كما ذهب المسؤولون الحكوميون أيضا إلى أماكن الاحتجاج لسماع مطالب المتظاهرين وإصدار وعود بمعالجتها. والأهم من ذلك أنه في اليوم الثالث من الاحتجاجات، أمر السلطان "هيثم بن طارق" بتوفير ما يصل إلى 32 ألف وظيفة حكومية بدوام كامل أو جزئي.

أما العنصر الثاني لاستجابة الحكومة العمانية فقد كان قاسيًا إلى حد ما، حيث لجأت إلى التدابير الأمنية. ووفقا للتقارير الواردة من صحار وغيرها من المدن، كانت هناك اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة التي أطلقت القنابل المسيلة للدموع ونفذت حملة اعتقالات.

ومع ذلك، تم إطلاق سراح معظم المعتقلين بعد حملات على وسائل التواصل الاجتماعي للمطالبة بإطلاق سراحهم.

دروس للحكومة

قد تمثل الاحتجاجات أكبر تحدٍ يواجه السلطان "هيثم" منذ توليه منصبه في يناير/كانون الثاني 2020، كما أنها تبدو اختبارًا جديًا لـ"رؤية عمان 2040" التي تهدف إلى إنشاء حلول مستدامة للتحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد.

وقد بدأت مناقشة الخطة في عام 2013 خلال عهد السلطان "قابوس بن سعيد آل سعيد"، الذي عين "هيثم" (ابن عمه الذي خلفه في نهاية المطاف) لإدارتها.

واستخلصت الحكومة العمانية عدة دروس من الاحتجاجات الأخيرة، أولها أن الإصلاحات السطحية لم تعد مناسبة وإنما المطلوب هو حلول جذرية وطويلة الأمد، ما يسمح بخلق فرص العمل.

أما الدرس الآخر فهو أن الاحتجاجات التي بدأت مع الطلب على الوظائف، سرعان ما توسعت لتشمل مشاكل أخرى في البلاد، ما أكد على التقلب الذي يمكن أن يرافق السخط الاجتماعي.

ومع ذلك، فإن التحدي الرئيسي الذي يواجه الحكومة العمانية الآن هو إيجاد توازن بين المشاكل الاقتصادية التي تواجهها ومطالب المتظاهرين. وبحسب درجة نجاح الحكومة في تحقيق ذلك، سيتحدد ما إذا كانت الأزمة الحالية يمكن أن تنتهي أم تصبح مجرد مرحلة في سلسلة الاضطرابات التي تواجهها سلطنة عمان.

المصدر | أحمد ناجي | معهد كارنيجي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد