الاثنين 14 يونيو 2021 07:52 ص

أشارت مقالة في "فايننشال تايمز" هذا الأسبوع إلى أن الإمارات تستبدل سياستها الخارجية والأمنية الحازمة بمقاربة دبلوماسية مدروسة.

وتحاول أبوظبي إعادة تقديم نفسها في عهد الرئيس الأمريكي "جو بايدن" على أنها لاعب بنّاء وليس تخريبيا في المنطقة.

ومع ذلك، إذا نظرنا إلى ما هو أبعد من هذا السرد، يقول التقرير، يتضح أن أبوظبي لا تزال لاعبا حازما للغاية في المنطقة، وعلى استعداد لاستخدام جميع أدوات القوة لتحقيق غاياتها. وهي تفعل ذلك بتكتم أكبر وبإمكانية إنكار أكثر معقولية، ولكن ليس بالضرورة أقل تسببا في الاضطراب.

وفي تحدٍ لسمات القوة الصلبة والناعمة، تستمر المقاربات الاستراتيجية التي تتبعها المملكة الخليجية القبلية في المنطقة لتجميع جميع مصادر قوتها ونفوذها.

ونظرا لصغر حجم الدولة وعدد سكانها، لا يزال معظم المحللين يطبقون بشكل خاطئ مقاييس قديمة للقوة التقليدية عند محاولة فهم موقف أبوظبي الحازم في المنطقة.

الاستراتيجية الكبرى

وقد يقلل "اتحاد الإمارات السبع"، بقيادة ثلاثية من الإخوة الثلاثة المؤثرين من عائلة "آل نهيان" في أبوظبي، "محمد ومنصور وطحنون بن زايد"، من طموحاته في المنطقة، لكنهم في الواقع يواصلون ممارسة جميع ممارسات القوة لتحقيق أهدافهم الاستراتيجية الكبرى في أماكن مثل ليبيا واليمن والقرن الأفريقي.

ونظرا لافتقارها إلى القدرات والإمكانيات العسكرية التقليدية، أصبحت أبوظبي سيدة الحرب من خلال التفويض، حيث قامت ببناء شبكات مع المجتمعات المحلية والنخب لإنشاء قوات مقاتلة بديلة، أو سمحت لقوات المرتزقة بإبراز قوتها في الخارج.

ومن خلال القيام بذلك، واصلت الإمارات متابعة أهدافها الاستراتيجية رغم كل الصعاب، متحدية انتقادات واشنطن بشأن تمويل المرتزقة الروس في ليبيا، وفقا لتقرير صادر عن المفتش العام للبنتاجون لعمليات مكافحة الإرهاب في أفريقيا، أو بالتعاون مع الصين في تطوير المجال السيبراني وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

وعلى عكس السعودية، التي عادة ما تنهار تحت الضغط الأمريكي، تميل الإمارات إلى الرد بحملات العلاقات العامة في واشنطن.

ولا ينظر "محمد بن زايد" وإخوته إلى الإمارات على أنها دولة تابعة لأي طرف، ويتبعون منهجا صفريا في مشاركتهم في المنطقة لتعزيز مصالحهم.

وبدافع الطموحات الاستراتيجية الكبرى لبناء إمبراطورية تجارية جديدة على مفترق الطرق بين الشرق والغرب، أصبحت قيادة أبوظبي على مدى العقد الماضي تعتقد أن الفراغ الذي تركه الغرب يمكن ملؤه من قبل نظام سلطوي جديد مضاد للثورة تقوده قوة متوسطة الحجم مثل الإمارات.

فرق تسد

وأتقنت أبوظبي الحرب من خلال التفويض للقوات بالوكالة، التي تمتص عبء الصراع بينما تحمي الإمارات من تكاليف السمعة.

ويمكن للبدائل، مثل مجموعات الميليشيات المحلية والمرتزقة وأصحاب النفوذ المجتمعي، المساعدة في ترجمة ثروات المملكة النفطية إلى قوة صلبة وذكية.

ومن خلال استغلال المظالم المحلية، تقوم الإمارات ببناء قوات مقاتلة بعناية من خلال الاعتماد على استراتيجية استعمارية تقوم على فرق تسد.

وفي الصومال، دعمت أبوظبي بنشاط مقاطعة "بونتلاند" الانفصالية الصومالية، مستفيدة من الطموحات الانفصالية لإنشاء قوة لمكافحة القرصنة بقيادة المرتزقة من شأنها أن توفر لدولة الإمارات إمكانية الوصول إلى منطقة القرن الأفريقي ذات الأهمية الجيواستراتيجية.

وحول الطموحات الانفصالية الجنوبية في اليمن، أنشأ الإماراتيون المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو قوة بديلة تواصل تأمين وصول أبوظبي إلى الممرات المائية اليمنية.

وفي ليبيا، استغلت الإمارات استقطاب ما بعد الثورة لإنشاء شبكة ميليشيا فضفاضة تحت اسم "الجيش الوطني الليبي"، ما أعطى الدولة الخليجية سيطرة كبيرة على الممر الاستراتيجي لشمال أفريقيا في شرق ليبيا.

وبالإضافة إلى ذلك، تجاوزت الإمارات حدود كيفية انتشار المرتزقة في الحرب.

وفي ليبيا، تمول أبوظبي مجموعة "فاجنر" الروسية لدعم الجيش الوطني الليبي بقيادة "حفتر".

وفي الصومال، رعت قوة لمكافحة القرصنة. وفي اليمن، شكلت مرتزقة أمريكا اللاتينية بالزي الإماراتي العمود الفقري لعملياتها، بينما أدار مرتزقة أمريكيون وإسرائيليون فرق اغتيال في جنوب اليمن.

التحصّن وليس الانكماش

وبالتالي، بدلا من الانسحاب الفعلي، تنتقل الإمارات من مرحلة التوسع إلى مرحلة تكثيف الجهود، حيث تتم حماية الأهداف المضمونة من خلال نهج فرق تسد.

ومع تقليص قواتها على الأرض في الصومال وليبيا واليمن، تواصل الشبكة البديلة ضمان تحقيق أهدافها.

وبتكتم وبإمكانية إنكار معقولة، اعتمدت أبوظبي في قوتها على هذه القوات بشكل فعال، ما ساعد على توجيه نتائج هذه النزاعات مع تجنب المسؤولية عن جرائم الحرب.

وسوف تستمر أبوظبي في فرض رؤيتها على المنطقة، مع حماية البنية التحتية والوصول المطلوبين للحفاظ على إمبراطوريتها الواعدة.

وحتى لو تم تقليص القوات الإماراتية على الأرض في اليمن وليبيا في الأشهر الأخيرة، فلا ينبغي أن يكون هناك أي توهم بأن سياسة الدولة الخليجية سياسة تقليص للقوة، بل ترسيخ لهذه القوة بوسائل أخرى.

المصدر | أندرياس كريج - ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد