تعتبر العلاقات مع دول الخليج من بين أكبر القضايا المطروحة على المحك بالنسبة للعراق في الوقت الذي تناور فيه الأحزاب المتنافسة لتشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

وطوال العقد الماضي، بذلت بغداد جهودا كبيرة من أجل استقرار وتعزيز العلاقات مع دول الخليج وذلك في إطار مبادرة أوسع - وطويلة الأمد أيضًا - لإعادة دمج العراق في العالم العربي،وتحويلها إلى وسيط بين إيران وخصومها العرب بدلاً من كونها قناة لنفوذ طهران الإقليمي.

ويمكن لأي شخص يتولى منصب رئيس الوزراء إما إعاقة أو تسهيل الجهود المبذولة لتشكيل هوية عراقية جديدة تتجنب هيمنة كلا من الولايات المتحدة وإيران التي ساهمت في تعميق مأزق العراق باعتباره ساحة معركة بالوكالة بين الخصمين، مما أدى إلى تفاقم الاضطرابات.

وشهدت انتخابات 10 أكتوبر/ تشرين الأول إقبالا متدنيا بشكل نسبي حيث وصلت نسبة المشاركة 43% فقط. وقد عكس ذلك الأمل المتدني لدى العديد من العراقيين بخصوص الحكومة والطبقة السياسية، حيث ينظر إليهم عدد كبير من العراقيين على أنهم متورطين في الفساد السائد في البلاد وأنهم يعملون لخدمة مصالحهم الخاصة وليس المصالح الوطنية العراقية.

وبالرغم من مزاعم تزوير الانتخابات والتي أطلقتها الأحزاب الموالية لإيران والتي كان أداؤها سيئًا، فقد تم اعتبار التصويت نزيه وخالٍ من المخالفات بشكل عام.

وتشير النتائج الأولية إلى أنه من أصل 329 مقعدًا في البرلمان، حصل رجل الدين الشيعي والشعبوي "مقتدى الصدر" على 73 مقعدًا. وحصل ائتلاف دولة القانون الشيعي بزعامة رئيس الوزراء السابق "نوري المالكي" على 35 مقعدًا، بينما كان أداء تحالف الفتح الموالي لإيران ضعيفًا للغاية، حيث فاز بـ 17 مقعدًا فقط.

وفي المقابل، تفوق المرشحون المستقلون حيث حصلوا على 40 مقعدًا، كما حققت حركة "امتداد" (التي تمثل العديد من الجماعات التي احتجت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019 ضد الفساد والنفوذ الإيراني في العراق) أداءً أفضل مما كان متوقعًا حيث فازت بـ 9 مقاعد. وحصل ائتلاف "تقدم" الذي يتزعمه رئيس البرلمان "محمد الحلبوسي" على 37 مقعدًا، مما جعله ليس فقط الزعيم السني الذي لا جدال فيه، ولكن أيضًا يضمن أن يكون له رأي كبير في تشكيل الحكومة المقبلة.

وفي الشمال الكردي شبه المستقل، حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني على 32 مقعدًا، مما قد يجعل له دورا مهما في تسمية الرئيس العراقي المقبل. وكان أداء الجماعات الكردية الأخرى المنافسة للحزب أقل كفاءة حيث حصلوا على 16 مقعدًا فقط.

وخلافا لمعظم الأنظمة البرلمانية، لا يملك الفائز في الانتخابات العراقية الحق التلقائي في تشكيل الحكومة المقبلة. وبدلاً من ذلك، يتم إسناد مهمة اختيار رئيس الوزراء إلى  أكبر تحالف للأحزاب تم تشكيله بعد نتائج الانتخابات "الكتلة الأكبر".

ولا تبدأ تلك المناورة إلا بعد فرز الأصوات حيث تتفاوض الأحزاب الأكبر مع الأحزاب الأصغر وتتسابق للوصول إلى عدد أصوات الأغلبية البالغ 165. وعادة ما تستغرق هذه العملية عدة أشهر و يمكن أن تستمر لمدة عام أو أكثر، مع استمرار رئيس الوزراء المنتهية ولايته في تصريف الأعمال.

وفي ترتيب ضمني على الطراز اللبناني يعكس مفاهيم التنوع الطائفي المنصوص عليها في ديباجة الدستور العراقي، من المعتاد أن يكون رئيس الوزراء من المجتمع الشيعي فيما يحصل الأكراد على الرئاسة الرمزية إلى حد كبير (ويستخدمون نفوذهم للتأثير على اختيار رئيس الوزراء)، ويخصص للسنة منصب رئاسة البرلمان.

وبالنظر إلى نظام الحكم، فإن رئيس الوزراء يتولى توجيه السياسة الخارجية للعراق، بما في ذلك العلاقات مع الدول المجاورة. وخلال فترتيهما في رئاسة الوزراء، قام "إبراهيم الجعفري" (من 2005-2006) و"المالكي" (من 2006 إلى 2014) بدفع بغداد نحو إيران، بينما كانت العلاقات مع معظم الدول العربية مشوبة بالتوترات وغالبًا ما اقتصرت على المستوى المنخفض من الدبلوماسية والمشاركة الاقتصادية (مع لعب "الصدر" دور المنشق وزيارة السعودية عام 2006 ومرة ​​أخرى في عام 2017).

وتغير كل ذلك عندما حل "حيدر العبادي" محل "المالكي" كرئيس للوزراء في عام 2014. وبدعم من الولايات المتحدة خلال فترة ولايته التي استمرت 4 سنوات، سعى "العبادي" إلى موازنة النفوذ الإيراني المتزايد في العراق من خلال إقامة علاقات مع دول أخرى. وزار "العبادي" الرياض ودول خليجية أخرى في عام 2017 لتحسين علاقة العراق بالسعودية الأمر الذي انعكس على تعيين سفير سعودي في العراق وافتتاح قنصليات. كما مهد الطريق لفتح معبر عرعر الحدودي في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، بعد إغلاقه لمدة 30 عامًا تقريبًا.

وتطورت هذه العلاقات الناشئة إلى تقارب عملي عندما أصبح "مصطفى الكاظمي" رئيسًا للوزراء في أعقاب احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2019، التي أجبرت رئيس الوزراء آنذاك "عادل عبدالمهدي" على الاستقالة. ومنذ أن تولى "الكاظمي" منصبه، حاول موازنة علاقات العراق مع دول الجوار وتحويل العراق إلى وسيط إقليمي بدلاً من ساحة معركة إقليمية.

وأدت مبادرة "الكاظمي" الشخصية إلى محادثات مباشرة، والآن رسمية، بين إيران والسعودية في العراق. ويبقى أن نرى إلى أي مدى يمكن أن تمضي هذه المفاوضات في استعادة العلاقات بين الخصمين، لكنها ساهمت في تخفيف التوترات ووفرت أجواء من المشاركة البناءة بدلاً من المواجهة.

وفي 15 سبتمبر/أيلول، قام وفد سعودي برئاسة "سهيل بن محمد"، القائم بأعمال محافظ الهيئة العامة للجمارك السعودية، بزيارة بغداد واتفق مع نظيره العراقي على زيادة حجم التجارة عبر عرعر. فيما وقعت مجموعة موانئ أبوظبي مذكرة تفاهم مع الشركة العامة للموانئ في العراق خلال زيارة وزير النقل العراقي لدولة الإمارات.

بالإضافة إلى ذلك، زار "الحلبوسي" أبوظبي في 27 سبتمبر/أيلول بدعوة رسمية من دولة الإمارات. وكان كل ذلك جزءا من استراتيجية أوسع لـ"الكاظمي" لتحسين العلاقات مع دول الخليج وتعزيز دور العراق الإقليمي كصانع سلام غير منحاز على أمل أن يساعد ذلك في تحسين الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية في العراق. وعلى نفس المنوال، عمل "الكاظمي" على إحياء العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الأردن ومصر. وقد استفاد الرئيس "برهم صالح" أيضًا من علاقاته الشخصية مع زعماء دول الجوار لتعزيز علاقات العراق.

وبدت دول الخليج متجاوبة مع هذه الجهود حيث دعا مجلس التعاون الخليجي العراق لحضور اجتماع مجلسه الوزاري الأخير في الرياض بصفة مراقب. وشدد وزير الخارجية العراقي "فؤاد حسين" في الاجتماع على اهتمام بغداد بدمج شبكة الكهرباء الوطنية العراقية مع دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يمثل دفعة أوسع لتحسين العلاقات مع دول الخليج، كما يدفع العراق لفتح معبر حدودي ثان مع السعودية في محافظة المثنى العراقية.

علاوة على ذلك، تطورت الروابط الثقافية بشكل سريع. وفي معرض الرياض الدولي للكتاب 2021، تمت دعوة العراق كضيف شرف وتم تخصيص قسم خاص للعراق. ويخطط العراق لتنظيم حدث ثقافي سعودي على مدى أسبوع في بغداد في الأسابيع المقبلة.

ومع ذلك، فإن الحفاظ على هذا الزخم يعتمد على نتيجة العملية السياسية بعد الانتخابات حيث أن "الكاظمي" ليس له قاعدة شعبية أو حزب ولم يسبق له الترشح لمقعد في البرلمان، فقد تولى منصبه كحل وسط بين واشنطن وطهران. ويمكن أن يثبت "الكاظمي" مرة أخرى أنه الشخصية الأكثر قبولًا على نطاق واسع ويحصل على فترة ولاية ثانية، وهو أمر كان يحاول الترويج له عبر جهوده في مجال الوساطة الإقليمية، خاصة بين إيران والسعودية، ولكن لن تكون مفاوضات تشكيل الحكومة للوصول إلى هذه النتيجة أمرا سهلا.

كما أن نتائج الانتخابات لم تكن جيدة بالنسبة للداعم الرئيسي الآخر لسياسة التواصل هذه وهو الرئيس "برهم صالح"، فقد كان أداء حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه الرئيس ضعيفًا. وفي عام 2018، رشح منافسه في الحزب الديمقراطي الكردستاني وزير الخارجية العراقي الحالي "فؤاد حسين" نفسه للرئاسة. لكن "حسين"، الذي دفع بشكل استباقي من أجل كردستان مستقلة قبل عام، فشل في كسب ثقة الأحزاب الشيعية.

وأصر الحزب الديمقراطي الكردستاني على أنه يجب أن يكون له دور فعال في اختيار رئيس الوزراء المقبل. لكن من المرجح أن يتم تحديد النتيجة من خلال مفاوضات أخرى بين الأكراد وأطراف عراقية أخرى، وهي مفاوضات تتميز بديناميات سياسية داخلية معقدة يمكن أن تضعف بسهولة التركيز على أهمية سياسة التواصل في العراق كمعيار لاختيار رئيس الوزراء المقبل، الأمر الذي من شأنه أيضاً أن يقوض آفاق "الكاظمي".

يتمتع معظم الأكراد والسنة العراقيين - والنخب السياسية العراقية التي تمثلهم - بعلاقات جيدة مع دول الخليج منذ عام 2003. لكن هذه العلاقات كانت تعتمد على بعض الشخصيات في السلطة. كما أن بعض الرؤساء العراقيين السابقين، رغم أنهم أكراد، لم يفعلوا الكثير لتعزيز العلاقات مع الدول المجاورة.

ومع ذلك، في الآونة الأخيرة جعل "صالح" والرئيس السابق الراحل "جلال طالباني" التواصل الخليجي أولوية. والمثير للدهشة إلى حد ما أن رؤساء البرلمان السنة السابقين - القلقين بشأن الاتهامات بالإفراط في الاهتمام بالعلاقات مع الجيران العرب - كانوا في كثير من الأحيان حذرين بشأن إصلاح العلاقات مع دول الخليج. ومع ذلك، كان "الحلبوسي" أكثر ديناميكية وعمل على دفع إعادة اندماج العراق مع العالم العربي، وهو انعكاس ليس فقط لشجاعته السياسية ولكن للديناميكية الإقليمية المتغيرة التي تدعم مثل هذه الجهود.

يبقى أن نرى ما إذا كان سيتم اختيار أي من عناصر المثلث الحالي للسلطة أو جميعها – "الكاظمي" و"صالح" و"الحلبوسي" - لفترة ولاية أخرى.

لقد أظهرت السنوات الثلاث الماضية أنه يمكن تعزيز مكانة العراق الإقليمية من خلال العلاقات السياسية والتجارية والاقتصادية مع دول الخليج التي تتطلع إلى موازنة النفوذ الإيراني. ومن الممكن أن تتخذ حكومة يهيمن عليها "الصدر" نهجًا مشابهًا بحيث يستمر بحذر في إعادة الاندماج مع العالم العربي والتموضع في مسافة بين الرياض وطهران.

لكن كل ذلك يعتمد على مفاوضات تشكيل الحكومة القادمة والتي قد تترك العديد من العراقيين محبطين من النتائج التي قد تحققها.

المصدر | يريفان سعيد/ معهد دول الخليج العربية – ترجمة وتحرير الخليج الجديد