الاثنين 22 نوفمبر 2021 05:35 ص

أتت زيارة وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" إلى لبنان هذا الأسبوع لتدحض شكوك المراقبين، فقد أظهرت أن تحسن العلاقات بين المتنافسين في الشرق الأوسط لن توقف التنافس.

وبدلًا من ذلك، يبدو أن تحسن العلاقات يحوّل ساحة المعركة بعيدا عن النزاعات المسلحة المحتملة، مما يسمح للمنافسين بالتنافس والاستمتاع في الوقت ذاته بمزايا التجارة والتعاون الاقتصادي وكذلك خطوط التواصل التي تساعد على منع النزاعات والصراعات من الخروج عن السيطرة.

ملء فراغ لبنان

كان "جاويش أوغلو" يسعى بزيارته هذه إلى ملء الفراغ بعد أن فرضت السعودية والإمارات جنبا إلى جنب مع البحرين والكويت (وهم منافسون لتركيا في القوة الناعمة الجيوسياسية والدينية) مقاطعة اقتصادية على لبنان وسحبوا سفراءهم من بيروت.

وبعد أن كانت لبنان بلدًا ذات دخل متوسط ، أصبحت على شفا الانهيار بسبب الفساد المستوطن ونخبة ترغب في حماية مصالحها المكتسبة بأي تكلفة، ونتيجة لذلك، انحدر 3 أرباع السكان إلى الفقر وفق تقديرات الأمم المتحدة.

عمّقت المقاطعة من أزمة لبنان، وكانت تهدف لإضعاف قبضة "حزب الله"، وهو الميليشيا والحزب السياسي المدعوم من إيران، والذي أصبح جزءًا من النخبة، وأدى احتجاج نظمه "حزب الله" في أكتوبر/تشرين الأول، مطالبا باستبدال قاضي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت المدمر العام الماضي، إلى أعمال عنف طائفية ذكرتنا بالحرب الأهلية في لبنان التي امتدت لمدة 15 عاما في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

وسافر "جاويش أوغلو" إلى بيروت قبل منتدى أعمال يدوم يومًا واحدًا بين الإمارات وتركيا في اسطنبول وزيارة ولي العهد الأمير "محمد بن زايد" الأولى منذ 12 عاما، كما التقى وزير الداخلية التركي "سليمان صويلو" في روما بنظيره الإماراتي "سيف بن زايد آل نهيان"، بعد أيام من زيارة بيروت على هامش الجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط.

إرث من المنافسة

كانت تركيا والإمارات على خلاف صريح بسبب الادعاءات التركية بأن الإمارات مولت محاولة الانقلاب العسكري الفاشل لعام 2016 للإطاحة بالرئيس "رجب طيب أردوغان" والاعتراض الإماراتي على الدعم التركي للإسلام السياسي، ولا سيما جماعة "الإخوان المسلمون".

وانخرطت تركيا والإمارات في معارك وكلاء عسكرية وسياسية في ليبيا وسوريا وشرق البحر المتوسط، وفرنسا، وعلاوة على ذلك، دعمت تركيا قطر ووسعت وجودها العسكري فيها خلال الحصار الدبلوماسي والاقتصادي الذي قادته الإمارات والسعودية لمدة 3 أعوام ونصف، وتم رفعه في يناير/كانون الثاني.

وبالمثل، سعت مصر والسعودية إلى تهدئة خلافاتهما مع تركيا في خضم الشعور بعدم اليقين بشأن التزامات الولايات المتحدة بأمن الشرق الأوسط، بالإضافة إلى حاجة جميع دول الشرق الأوسط للتركيز على مزيج من الإصلاح الاقتصادي والتنويع والتوسع نتيجة جائحة "كوفيد 19" ومتطلبات تغير المناخ.

المنافسة مستمرة

على هذه الخلفية، سافر "جاويش أوغلو" إلى طهران قبل يوم من وصوله إلى بيروت، حيث سعى في طهران إلى تعزيز موقفه كوسيط محتمل في لبنان، وإدارة التوترات التركية الإيرانية في القوقاز على طول الحدود الأذربيجانية الإيرانية، وإيجاد بعض الأرض المشتركة في سوريا حيث يقف البلدان أيضا على خلاف.

وقال "جاويش أوغلو": "إذا كان هناك أي شيء يمكن القيام به لحل المشكلة (في لبنان) في أقرب وقت ممكن، فنحن على استعداد لتنفيذه".

وعلى الرغم من تحسن العلاقات بين تركيا والإمارات والسعودية، فمن غير المرجح أن تخفف دول الخليج من تضييقها على لبنان أو تثق بتركيا كوسيط مقبول وغير متحيز.

في الوقت نفسه، يبدو أن تركيا أظهرت استعدادها للمنافسة الإقليمية ليس فقط مع السعودية والإمارات ولكن أيضا دول جنوب شرق أوروبا وكذلك روسيا وإيران، والتي تنافسها جميعًا وتتعاون معها في الوقت ذاته.

هذا ما فعلته تركيا في تجمع في اسطنبول الأسبوع الماضي لمجلس تعاون الدول الناطقة بالتركية، حيث يجمع المجلس أذربيجان وأوزبكستان وقيرغيزستان وكازاخستان والدول الناطقة باللغة التركية في آسيا الوسطى والقوقاز، أما تركمانستان (وهي الدولة الوحيدة المتبقية الناطقة بالتركية) والمجر فإنهما اتخذتا وضع المراقب.

حصر تجمع اسطنبول العضوية ووضعية المراقب على البلدان الناطقة باللغة التركية فقط، وبالتالي فإن هذا القرار لا يمنع دول جنوب شرق أوروبا فقط من ربط نفسها بالمجلس، وإنما يمنع أيضا إيران، حيث تمثل الأقلية الأذرية أكبر أقلية عرقية في البلاد (15% من السكان)، كما يمنع روسيا التي تمتلك أيضًا أقليات تركية.

أضف إلى كل هذا التأثير الدبلوماسي لاعتقال تركيا الأسبوع الماضي لزوج من السياح الإسرائيليين بتهم التجسس والإفراج اللاحق عنهما لالتقاط صور لقصر طولمة باغجة في إسطنبول، إحدى مناطق الجذب السياحي الرئيسية في المدينة.

وكان القصر القابع على شواطئ البوسفور يستخدم كمقر إداري للسلاطين العثمانيين في القرن 19 ومكان وفاة "كمال مصطفى أتاتورك" عام 1938، وهو مؤسس تركيا الحديثة.

وأدى إطلاق سراح الزوجين لأول مكالمة هاتفية بين "أردوغان" وأرفع القادة الإسرائيليين منذ 9 سنوات، حيث شكره كل من الرئيس الإسرائيلي "إسحاق هرتسوج" ورئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بينيت"، بعد أن ظلت إسرائيل حتى ذلك الحين تتجاهل جهود تركيا لتحسين العلاقات المشدودة منذ فترة طويلة بين البلدين.

وإلى جانب حقيقة أن "أردوغان" لا يريد لهذه الحادثة أن تخيف السياح الذين تحتاجهم البلاد بشدة في خضم أزمة اقتصادية، فإنها وفرت أيضًا فرصة لإيجاد منفذ إلى إسرائيل وتقليل أفضلية الإمارات الجيوسياسية، التي تتمتع بها بفضل علاقاتها الوثيقة بإسرائيل، حيث يتوقع "أردوغان" أن تواجه خطوة تركيا بالمثل، وهذا بالضبط ما يخشاه الصقور الإسرائيليون.

فقد قال "سيث جي فرانتزمان"، وهو مراسل لصحيفة "جيروزاليم بوست" اليمينية: "اتهامات أنقرة بالتجسس وتهديداتها الواضحة برفع تكلفة المحتجزين تظهر استخدامها دبلوماسية الرهائن التي تشمل سياحًا أبرياء، هكذا تصرفت حماس أيضًا المدعومة من الحزب الحاكم في أنقرة، الأنظمة الطبيعية لا تحتجز الأبرياء".

المصدر | جيمس إم دورسي - أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد