الأربعاء 24 نوفمبر 2021 11:39 م

يعد مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرون بشأن تغير المناخ بمثابة تذكير للعالم بأن نهاية إنتاج الوقود الأحفوري يجب أن تأتي عاجلاً وليس آجلاً.

وخلال السنوات الماضية، اعترفت دول مجلس التعاون الخليجي علنًا بعدم استدامة الاقتصادات المعتمدة على النفط، وقالت إنها تسعى لتنويع الاقتصاد بعيدا عن الهيدروكربونات.

وبغض النظر عن التصريحات، فقد زاد إنتاج الوقود الأحفوري في الخليج بنحو الثلث منذ عام 2000.

وكانت أكبر زيادة في قطر، حيث تضاعف الإنتاج حتى عام 2013 بينما تقلص ببطء في السنوات الأخيرة.

وقد نما إنتاج السعودية بنسبة 31% حتى عام 2016 وتراجع أيضًا بشكل طفيف منذ ذلك الحين، في حين نما إنتاج الإمارات بنحو 60% ولا يوجد أي علامة على التراجع.

كما انخفض الإنتاج في عام 2020 بسبب الوباء ولكنه ينتعش الآن بالفعل.

وبالتالي، فإن التطور الحالي يشير إلى استمرار اعتماد المنطقة على الوقود الأحفوري، خاصة عند مقارنته ببقية دول أوبك وبقية العالم.

ويعرقل هذا الاتجاه المحفوف بالمخاطر خطط تصفير انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بشكل جذري حيث ما تزال عوائد النفط تلعب دورًا مهيمنًا في الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج.

وفي المتوسط، فإن الوقود الأحفوري أصبح يساهم بنسبة أقل في الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج مجتمعة مقارنة بعام 2000، وفقًا لتقديرات البنك الدولي.

ولكن لم تنجح جميع البلدان بنفس القدر في الحد من الاعتمادية على النفط.

وفي حين خفضت قطر والبحرين حصة ريع النفط في إجمالي الناتج المحلي بنسبة 56% و 50% على التوالي، انخفضت عائدات النفط في عُمان بنسبة 46%، بينما انخفضت عائدات السعودية بمقدار 41% والإمارات 24% والكويت 18%.

ومع ذلك، لا يزال دخل الوقود الأحفوري المحرك الاقتصادي الرئيسي في المنطقة.

وقد نشرت دول الخليج سيلًا مستمرًا من "الرؤى" التي تتمحور حول سياسات تهدف إلى التحول من اقتصادات قائمة على النفط إلى اقتصادات قائمة على المعرفة.

وكان لخطة بناء اقتصاد محلي منتج ومستقل عن النفط من خلال المعرفة والابتكار نتائج مختلطة في كل من البحث والتعليم.

وبينما زاد عدد الطلاب، لم ترتفع جودة البحث العلمي ولم تصنف أي جامعة خليجية ضمن أفضل 100 جامعة في تصنيف "تايمز 2022" للتعليم العالي. وقد حصلت جامعة الملك "عبد العزيز" السعودية على المرتبة 190 ولم تصنف أي جامعة خليجية أخرى ضمن أفضل 300 جامعة.

ومن بين دول الخليج، تمتلك السعودية أعلى مؤشر "إتش اندكس"، والذي يقيس الإنتاجية وتأثير الاقتباس من المنشورات العلمية، حيث تحتل المرتبة 39 مقارنة بدول مثل أستراليا (المرتبة 9) وإسرائيل (المرتبة 16) وكوريا الجنوبية (المرتبة 17) والنرويج (المرتبة 20) وسنغافورة (المرتبة 24). وجاءت الإمارات في المرتبة 63 وقطر في المرتبة 75.

وتعد طلبات تسجيل براءات الاختراع بالنسبة لعدد السكان متخلفة كثيرًا كما أن إجراءات تسجيل براءات الاختراع في دول الخليج معقدة، وهو ما تجلى في الإعلان المفاجئ لمكتب براءات الاختراع لدول مجلس التعاون الخليجي في يناير/كانون الثاني أنه لم يعد يقبل طلبات براءات الاختراع الجديدة.

ويواجه نظام التعليم العالي أيضًا مشاكل في جعل المواطنين لائقين لسوق العمل الخاص.

وبينما أعلنت الحكومات الخليجية عن إعانات كبيرة للشركات الخاصة التي توظف مواطنين محليين، إلا أن الوظائف لا تزال محصورة إلى حد كبير في القطاع العام.

وقد أصبح ذلك أكثر إشكالية بالنسبة للمواطنين لأن مصدرًا آخر لدخلهم، وهو رعاية المشاريع الأجنبية، آخذ في النضوب بسرعة حيث بدأت الحكومات الخليجية في تجنيس الأجانب وإلغاء القيود المفروضة على ملكية الأعمال الأجنبية.

وينبع تخلف التعليم العالي من عدة مشاكل، بما في ذلك مشاكل قطاع التعليم الأساسي الذي يترك الطلاب غير مستعدين للدراسة الجامعية، ومشاكل جذب أعضاء هيئة تدريس رفيعي المستوى والاحتفاظ بهم، وربما الأهم من ذلك، التمويل غير الكافي.

على سبيل المثال، لم يواكب التمويل الفيدرالي للتعليم العالي في الإمارات معدلات التضخم منذ عام 2010. ويضاف كل ذلك إلى المشكلات الأكبر المتعلقة بتطوير الاقتصاد المحلي مثل الاعتماد الكبير على العمالة المهاجرة ذات الأجور المنخفضة والآثار المدمرة لتغير المناخ على منطقة الخليج.

والسؤال هنا هل تستطيع صناديق الثروة السيادية سد الفجوة؟

باختصار، فإن دول الخليج مقصرة في جهودها للتحول من اقتصادات قائمة على النفط إلى اقتصادات قائمة على المعرفة.

وتستطيع الإصلاحات الهيكلية الشجاعة حل مشاكل قطاع التعليمإذا ما اقترنت بزيادة التمويل لكل من التعليم الابتدائي والاعدادي والتعليم الجامعي والبحث العلمي.

ولكن حتى إذا نجحت الحكومات الخليجية في زيادة إنتاجية العمالة المحلية، فقد يستغرق التغيير الاقتصادي والمجتمعي عقودًا.

ومع ذلك، قد تكون هناك خطة بديلة من شأنها الالتفاف على ضرورة زيادة الإنتاجية ونقل المواطنين من القطاع العام إلى القطاع الخاص، وتتلخص هذه الخطة في استثمار الموارد الهائلة لصناديق الثروة السيادية لتحل محل ريع النفط.

وتتميز بعض دول الخليج بنصيب مرتفع للفرد من صناديق الثروة السيادية.

على سبيل المثال، يمتلك جهاز قطر للاستثمار 354 مليار دولار من الأصول في مقابل 317 ألف قطري (باستثناء غير المواطنين)، أو 4 أضعاف ما تملكه النرويج لكل مواطن.

وتجمع أكبر 4 صناديق ثروة سيادية إماراتية ما يقرب من 1.3 تريليون دولار (يعادل أكبر صندوق ثروة سيادي وهو صندوق النفط النرويجي) في مقابل 1.4 مليون مواطن إماراتي.

 ويثير ذلك تساؤلاً حول ما إذا كانت صناديق الثروة السيادية قادرة على سد الفجوة التي خلفتها موارد الوقود الأحفوري، وتحويل الدولة الريعية إلى دولة يمكنها العيش من عائدات محفظتها الاستثمارية.

ويستبدل هذا النهج في جوهره الاستثمار في الإنتاجية المحلية (الاقتصاد القائم على المعرفة) من خلال الاستثمار في محفظة من الإنتاجية الأجنبية.

ومن الصعب حساب الحجم اللازم لصناديق الثروة السيادية لاستبدال الريع النفطي، لكن بعض الحسابات الأولية مثيرة للاهتمام.

على سبيل المثال، تحصل الإمارات وقطر حاليًا على ريع نفطي يقدر بـ 70 مليار دولار و 25 مليار دولار على التوالي.

وبافتراض متوسط ​​عائد حقيقي تقريبي على الاستثمار يبلغ حوالي 5%، فإن هذا يعني أن هذين البلدين بحاجة إلى 1.4 تريليون دولار و 500 مليار دولار إضافية في صندوق الثروة السيادي لتحل محل الدخل النفطي الحالي (ضعف القيم الحالية تقريبًا).

والسؤال هو هل تنمو الأموال بمعدل يسمح لها باستبدال دخل الوقود الأحفوري بشكل ملحوظ؟ في حين أن الصناديق غير شفافة.

تشير التقديرات إلى أنها لا تنمو باستمرار. 

ويشير النقص في النمو إلى مزيج من التقلبات الكبيرة في العائدات وعمليات السحب الكبيرة وإعادة الهيكلة المتكررة وانخفاض العائدات، حيث تستخدم الحكومات محافظ صناديق الثروة السيادية لأغراض استراتيجية وأغراض القوة الناعمة.

وبالتالي، فإن صناديق الثروة السيادية تنمو ببطء شديد بحيث لا تستطيع استيعاب الانخفاض النسبي في دخل النفط.

وتتعرض المالية العامة بالفعل لضغوط في وقت يتزايد فيه الطلب على الإنفاق العام بما في ذلك الإنفاق الدفاعي.

ونتيجة لذلك، تتجه دول الخليج لفرض المزيد من الضرائب (تقتصر حاليًا إلى حد كبير على ضرائب القيمة المضافة مع خطط لفرض ضرائب على الدخل والشركات).

ولكن حتى لو كانت صناديق الثروة السيادية قادرة على التخفيف من حدة الموقف، فإن هذا الخيار سيظل مرتبطًا بالإرادة السياسية لحكومات الخليج وقدرتها المؤسسية على إدارة صناديق الثروة السيادية بشكل آمن لصالح مواطنيها على مدى عقود.

وفي حين أن الثروة النفطية مرتبطة بتراب الدولة ذاتها، فإن صناديق الثروة السيادية والمحافظ المتنوعة ليس لها حدود ويمكنها استبدال الموارد النفطية بالرغم أنها ناشئة عنها في الأساس.

المصدر | فريدريك شنايدر/معهد دول الخليج – ترجمة وتحرير الخليج الجديد