ستظل الجهود المبذولة لتنشيط أرقام الاستثمار الأجنبي المباشر الراكدة في طليعة جدول أعمال صانعي السياسات السعوديين للفترة المتبقية من العام وطوال عام 2022. وعقدت السعودية المؤتمر السنوي الخامس لمبادرة الاستثمار المستقبلي في الرياض في الفترة من 26 إلى 28 أكتوبر/تشرين الأول، حيث اجتمع قادة العالم ورجال الأعمال والحكومة لمناقشة مستقبل الاستثمار العالمي. ويأمل المسؤولون السعوديون أن تحصل المملكة كشبكة متكاملة من تدفقات الاستثمار الدولي لخدمة هذا المستقبل.

وقبل المؤتمر، أعلنت الحكومة السعودية عن استراتيجية استثمار وطنية سعودية جديدة، تهدف إلى زيادة صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أكثر من 100 مليار دولار سنويا بحلول عام 2030.

وشرع وزير الاستثمار "خالد الفالح" في جولة مليئة بالاجتماعات عبر أرجاء الولايات المتحدة للمساعدة في حشد اهتمام المستثمرين قبل المؤتمر. كما وضع المسؤولون السعوديون قدما في مبادرات الاستثمار الخضراء المتعلقة بتغير المناخ، مستفيدين من الشعبية المتزايدة للاستثمار الموجه بالمبادئ البيئية والاجتماعية والحوكمة والاستفادة من خلفية الأحداث المناخية الكبرى، مثل مؤتمر الأمم المتحدة الـ 26 لتغير المناخ، "كوب 26"، في جلاسكو باسكتلندا.

وتهدف المبادرة السعودية الخضراء، الموجودة إلى جانب مبادرة الشرق الأوسط الخضراء الأوسع نطاقا، إلى خلق فرص استثمارية وتحديد الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال الاستدامة.

وتبنت الحكومة السعودية نهج العصا والجزرة لتعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. وفي فبراير/شباط، أعلنت الحكومة السعودية أنه من أجل تأمين العقود الحكومية، سيُطلب من الشركات الأجنبية إنشاء مقر إقليمي لها في السعودية بحلول 1 يناير/كانون الثاني 2024. ووفقا لوكالة الأنباء السعودية، حصلت نحو 44 شركة متعددة الجنسيات على تراخيص لنقل المقر الإقليمي الخاص بها للرياض، كجزء من برنامج جذب المقرات الإقليمية للشركات متعددة الجنسيات.

أما بالنسبة للجزرة، فقد أصدر الملك "سلمان بن عبدالعزيز" مرسوما ملكيا في 11 نوفمبر/تشرين الثاني يسمح للمغتربين المتخصصين بالحصول على الجنسية السعودية، وهو مجرد واحد من الإصلاحات العديدة التي تهدف إلى جعل المملكة بيئة أكثر ودية للأعمال التجارية.

وأطلقت وزارة الاستثمار خدمة جديدة تسهل عملية تأسيس الأعمال للمستثمرين الموجودين خارج الدولة. وبالمثل، تعمل الحكومة السعودية على زيادة المعروض من البنية التحتية التجارية الجديدة؛ حيث أعلن ولي العهد "محمد بن سلمان" في 16 نوفمبر/تشرين الثاني عن خطط "أكساجون"، مع طموح أن يكون أكبر مجمع صناعي عائم في العالم.

ويستخدم المسؤولون في السعودية العديد من الأدوات لتحفيز الاستثمار الأجنبي الوافد المباشر. وفي حين أن مبادرات الاستثمار السعودية طموحة بشكل واضح، فإن جدوى استراتيجية الاستثمار طويلة الأجل ومتعددة الأوجه هذه لا تزال غير مؤكدة.

ويحجب وابل الإعلانات الاقتصادية الجديدة المستمر الأهداف السابقة. ولا يزال صانعو السياسات الاقتصادية يتمتعون بالجزء الأفضل من عقد لتحقيق نتائج يمكن إثباتها. ولكن مع اقتراب عام 2030، لن يكون الطموح الأساسي والأهداف الطموحة المرتبطة بمبادرات الاستثمار كافية لتلبية التوقعات السامية لرؤية 2030.

ولا تعد أرقام الاستثمار الأجنبي المباشر الأخيرة في المملكة واعدة كثيرا، ولكن مستويات الاستثمار المنخفضة توفر مجالا كبيرا للنمو. وفي الفترة من 2015 إلى 2019، بلغ إجمالي صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 25.8 مليار دولار، وفقا للبنك الدولي.

وبلغ الاستثمار الأجنبي المباشر الداخلي ذروته عام 2008 بنحو 39 مليار دولار، وهو ما يمثل 38% فقط مما تهدف استراتيجية الاستثمار السعودية الجديدة إلى تحقيقه سنويا بحلول عام 2030.

وتحتل الكيانات الحكومية السعودية التي تم تمكينها حديثا موقع الصدارة في حملة الاستثمار. وفي أوائل عام 2020، حولت السعودية الهيئة العامة للاستثمار في المملكة إلى وزارة الاستثمار. وبالمثل، يلعب صندوق الاستثمارات العامة، وهو صندوق الثروة السيادية للبلاد، دورا محفزا للاستثمار.

وتمتلك هذه الكيانات العديد من المشاريع التي تستخدم الموارد الجغرافية على طول البحر الأحمر للسياحة الفاخرة بالإضافة إلى مواقع التراث التاريخي والثقافي في جميع أنحاء البلاد. وفي 27 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت شركة البحر الأحمر للتطوير عن شراكات مع 9 علامات فندقية عالمية.

وتبدو المشاريع الأخرى، مثل "ذا ريج"، وهو متنزه فخم مخطط أن يتم بناؤه على منصة نفطية محولة، منفصلة إلى حد ما عن كل من احتياجات التنمية الاقتصادية الأساسية للبلد والتفضيلات المتطورة للسياح العالميين.

وتعتبر اعتبارات المستثمرين الأجانب جزءا مهما من المعادلة. وفي حين أن الكثير من الشركات الأمريكية تسعى لدخول الأسواق السعودية أو توسيع وجودها هناك، تظل التوترات بين السعودية والولايات المتحدة وقضايا السمعة مصدر قلق لبعض رجال الأعمال.

ووقعت المملكة المتحدة والسعودية مذكرة تفاهم لتعزيز الاستثمار بين البلدين على هامش مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار. وتأمل المملكة المتحدة في تأمين اتفاقيات تجارية مع دول الخليج. وفي وقت سابق من أكتوبر/تشرين الأول، وقع الاتحاد الأوروبي والسعودية اتفاق تعاون واسع النطاق لتعزيز العلاقات.

وفي حدث عقد في سبتمبر/أيلول مع ممثلي الأعمال الألمان، وصف "الفالح" العلاقات الصينية الألمانية في التجارة والاستثمار بأنها "تثقل كاهلنا". والصين هي الشريك التجاري الأكبر للسعودية. ومع ذلك، كانت الاستثمارات الصينية في الاقتصاد غير النفطي للمملكة، خاصة كجزء من إطار مبادرة الحزام والطريق، باهتة.

ويقدر المستثمرون الأجانب الاستقرار في العلاقات الخارجية للدولة المستهدفة، لأن هذا يقلل من المخاطر السياسية. ومع ذلك، فإن التصعيد الأخير للتوترات الدبلوماسية بين السعودية ولبنان، الذي يقال إنه يشمل مقاطعة البضائع اللبنانية ويشارك فيه دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، يذكرنا بالخلافات الدبلوماسية السابقة للسعودية مع قطر وتركيا وألمانيا وكندا.

ومن المرجح أن تنحسر التوترات في نهاية المطاف، كما كان الحال فيما يتعلق بالعلاقات السعودية مع الدول الأخرى. ومع ذلك، فإن استمرار حدوث صراعات دبلوماسية كبيرة ذات تداعيات اقتصادية يعقد الجهود السعودية لتعزيز بيئة صديقة للأعمال.

وتحاول السلطات السعودية تحقيق التوازن الصحيح مع الأنظمة الضريبية المتطورة. ورفعت السعودية معدل ضريبة القيمة المضافة إلى 15%، ارتفاعا من 5%، في عام 2020. وبينما يتم نقل العديد من التكاليف المرتبطة بضريبة القيمة المضافة إلى المستهلكين، تواجه العديد من الشركات أيضا تكاليف متزايدة على طول سلسلة التوريد وعملية المبيعات.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني، أرسلت السفارة الأمريكية في الرياض خطابا هاما إلى وزارة الاستثمار السعودية تشدد فيه على المخاوف بشأن القضايا الضريبية، لا سيما "الافتقار إلى الشفافية والاتساق والإجراءات القانونية الواجبة"، في أعقاب الفواتير الضريبية غير المتوقعة التي تلقتها الشركات متعددة الجنسيات.

ومن المرجح أن يستخدم المسؤولون السعوديون المناطق الحرة والمناطق الاقتصادية الخاصة لتقديم الإعفاءات الضريبية والحوافز ذات الصلة للمستثمرين الدوليين. وفي مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، أعلنت وزارة الاستثمار السعودية عن خطط لـ 20 منطقة اقتصادية خاصة جديدة مع بيئات تنظيمية صديقة للمستثمر.

وفي حين أن المبادرات الملموسة كانت بطيئة في التنفيذ، فقد خصصت الحكومة السعودية ميزانية سنوية مستقلة لهيئة المدن والمناطق الاقتصادية في نوفمبر/تشرين الثاني.

وتصف رؤية 2030 السعودية بأنها "اقتصاد موجه نحو المستقبل، يوفر إمكانات غير مستغلة وفرص عمل فريدة". ويجد المسؤولون السعوديون أنفسهم في دور يتطلب منهم تحويل المزيد من فرص الاستثمار المحتملة والتطلعات ذات الصلة إلى نتائج فعلية.

المصدر | روبرت ماغلونيسكي/معهد دول الخليج العربي في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد