الخميس 27 يناير 2022 03:52 ص

نجح الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" في هزيمة "ثورة 25 يناير" على الأقل في الوقت الحالي. وبعد 11 عاما من الثورة التي أطاحت بالديكتاتور "حسني مبارك"، أصبحت مصر مرة أخرى غارقة في سلطوية مقيتة، مع عدم وجود حراك ديمقراطي جديد في الأفق.

وفي صيف 2013، قاد "السيسي" انقلابا عسكريا ضد أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيا، "محمد مرسي"، بعد عام واحد فقط من فوزه في الانتخابات الرئاسية التي أعقبت الثورة.

وبعد الانقلاب مباشرة، بدأ "السيسي" العمل على برنامج سياسي إقصائي مصمم لضمان استحالة اندلاع انتفاضة ديمقراطية أخرى. وتضمن البرنامج مزيجا من الترهيب والقوة الغاشمة والتشريعات الصارمة والدعاية الإعلامية والفساد القضائي.

وتشير عدة مؤشرات إلى أن وضع مصر اليوم أسوأ بكثير مما كانت عليه في أي وقت خلال عهد "مبارك"، حيث تستمر مصر في تحقيق نتائج سيئة فيما يتعلق بمعايير الفساد، ولدى حكومة "السيسي" سجل حقوقي أسوأ من سجل "مبارك".

القضاء على المعارضة السياسية

وارتكب نظام ما بعد الانقلاب عدة مجازر بحق المتظاهرين السلميين، وأصدر سلسلة من التشريعات القاسية، وملأ السجون المصرية بما يفوق طاقتها، وهو واقع استلزم توسيع شبكة السجون في مصر.

وأغلق "السيسي" جميع شبكات الإعلام المعارض، وخلق نظام دعاية فعال يعيد الرواية الفريدة للنظام، واستخدم القضاء كأداة للقمع. وتم إسكات جميع ألوان المعارضة السياسية بنجاح. وتم دفع جماعة الإخوان المسلمين إلى العمل السري، وتم حظر المنظمات السياسية الجادة، وتعرض المنافسون المحتملون لـ"السيسي" للترهيب والاعتقال.

ودفع اعتداء "السيسي" على حقوق الإنسان الأساسية منظمة "العفو الدولية" إلى وصف مصر بأنها "سجن مفتوح". وأمضت حكومة "السيسي" الجزء الأكبر من الأعوام الـ8 الماضية في محاولة إقناع المصريين والمجتمع الدولي بأضرار الربيع العربي، وخاصة ثورة يناير.

ويهتم "السيسي" كثيرًا بهذه الرسالة باعتبار أنها تساعد في منع حدوث انتفاضة أخرى.

وقد عمل النظام بجد على محو ثورة 2011 من الذاكرة العامة، وتجاهلها أحيانا تماما، أو أشار إليها بشكل غامض على أنها مجرد أحداث وليس "ثورة". وعندما أشار النظام بشكل مباشر إلى  يناير/كانون الثاني 2011، فقد فعل ذلك بوصف الانتفاضة كحدث زعزع استقرار الأمة.

ثمن الاستقرار

وعلى مدى الأعوام العديدة الماضية، كانت هذه الأنماط واضحة في خطاب الحكومة والإعلام المصري. وقاد "السيسي" بنفسه الطريق في إنشاء التصورات الجديدة حول ثورة 2011.

وفي خطاب ألقاه عام 2018، أشار "السيسي" إلى أن استقرار مصر سيكون على المحك إذا حدثت انتفاضة أخرى. وقال: "ما حدث قبل 7 أو 8 أعوام لن يتكرر في مصر. ما لم ينجح حينها لن ينجح الآن. لا لا لا. يبدو أنكم لا تعرفوني جيدا. لا والله. ثمن استقرار مصر وأمنها هو حياتي وحياة الجيش".

وخلال الشهر الجاري في منتدى شباب العالم السنوي الرابع، واصل "السيسي" هذا النهج. وفي حديثه إلى وسائل الإعلام الدولية والدبلوماسيين، أعرب عن أسفه لحقيقة وجود الكثير من الاهتمام الدولي بسجل مصر في مجال حقوق الإنسان. وفي قلب خطاب "السيسي" كانت الرسالة الأوضح هي أن الهوس بحقوق الإنسان وحق الاحتجاج قد يضر بالاقتصاد المصري، وهو ما أشار إلى أنه أكثر أهمية.

وفي إشارة غامضة إلى ثورة يناير وما تلاها، حاول "السيسي" هدم أي أمل في انتخابات حرة ونزيهة فضلا عن حرية التعبير والاحتجاج، بحجة أن الدول النامية مثل مصر لا تستطيع السماح بها.

وبعد توضيح هذه النقطة، قال "السيسي" إنه مكلف بقيادة مصر إلى الأمام، "وليس نحو الدمار". وكان المعنى واضحا بأن الاحتجاجات والحريات ستؤدي إلى "تدمير" مصر سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

ولتوضيح هذه النقطة، واصل "السيسي" وصف ما يعتبره العواقب السلبية للربيع العربي، ودعا الجمهور إلى التفكير فيما حدث في بعض بلدان الربيع العربي. كما قال إنه "على استعداد لإجراء انتخابات في مصر كل عام، ولكن بشرط واحد أن يدفع المجتمع الدولي التكلفة".

فجوة الثروة المتزايدة

ومن وجهة نظر "السيسي"، لا يمكن أن تتعايش حقوق الإنسان والحريات مع النجاح السياسي والاقتصادي، على الأقل ليس في أماكن مثل مصر. لكن المشكلة في هذه الحجة أن الاقتصاد المصري لم يتحسن بشكل ملموس في البيئة الاستبدادية لـ"السيسي". وفي الواقع، لا يزال الاقتصاد في حالة سيئة.

وبالرغم من دعمه بمليارات الدولارات من الحليفين الخليجيين المخلصين السعودية والإمارات، وكذلك المليارات من القروض الدولية، إلا أن الاقتصاد المصري يعاني بشدة.

ونمت الفجوة في الثروة بشكل كبير في عهد "السيسي"، وازداد الفقر بين المصريين إلى حد كبير كنتاج طبيعي للتضخم، ووجد المواطن العادي صعوبة متزايدة في تغطية نفقاته.

ولا يبدو أن هناك أي نهاية تلوح في الأفق لهذا الواقع. بل ينتشر الخوف بين المصريين والمحللين على حد سواء من أن تسوء الأمور أكثر.

ويشير تحليل أجراه "روبرت سبرينجبورج"، نُشر في وقت سابق من هذا الشهر عن طريق مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط "بوميد"، إلى أن مصر يمكن أن تتبع لبنان في وضع "الاقتصاد الفاشل"، لا سيما إذا استمرت في تنفيذ برنامج "السيسي" الاقتصادي.

لقد نجحت جهود "السيسي" الوقائية لضمان استحالة اندلاع انتفاضة أخرى حتى الآن. ومن غير المرجح حدوث انتفاضة أخرى، على الأقل في الوقت الحالي. ومع ذلك، في غياب تحول اجتماعي وسياسي واقتصادي ذي مغزى، قد تستمر الإحباطات الشعبية المصرية في النمو. وقد تحدث الانتفاضة في أكثر الأوقات التي لا تكون متوقعة فيها.

المصدر | محمد المصري | ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد