الثلاثاء 15 مارس 2022 04:16 ص

في 3 يناير/كانون الثاني، أطلق الأمين العام لـ"حزب الله" اللبناني "حسن نصرالله" انتقادات قوية للسعودية، وفي خطابه المتلفز، خاطب "نصرالله" الملك "سلمان بن عبدالعزيز" مباشرة، قائلًا: "يا حضرة الملك، الإرهابي هو الذي صدر الفكر الداعشي للعالم، وهو أنتم".

ونأت الحكومة اللبنانية بسرعة بنفسها عن تصريحات "نصرالله"، حيث رد رئيس الوزراء اللبناني "نجيب ميقاتي" في نفس اليوم قائلًا: "ما قاله نصرالله عن المملكة العربية السعودية هذا المساء لا يمثل موقف الحكومة اللبنانية ومعظم اللبنانيين. ليس في مصلحة لبنان الإساءة الى أي بلد عربي، وخاصة دول الخليج"، وأضاف: "بالله عليكم ارحموا لبنان واللبنانيين وأوقفوا الشحن السياسي والطائفي البغيض".

وجاءت تصريحات "نصرالله" بعد خطاب للملك "سلمان" وصف فيه "حزب الله" المدعوم من إيران، بالمنظمة "الإرهابية".

وأتى تراشق الاتهامات بين الزعيمين في خضم أزمة دبلوماسية مستمرة بين السعودية ولبنان، بعد مجموعة من التصريحات المثيرة للجدل التي أدلى بها وزير الإعلام اللبناني "جورج قرداحي" وانتقد فيها الدور السعودي في الحرب الأهلية الدائرة في اليمن.

وبالرغم أن "قرداحي" أدلى بتصريحاته تلك خلال مقابلة قبل أسابيع من توليه الوزارة ولم يكن يمثل موقف الحكومة اللبنانية، فقد أدانها مجلس التعاون الخليجي، وقطعت السعودية علاقاتها مع بيروت واتخذت تدابير عقابية ضد لبنان.

وفي حين استقال "قرداحي" في نهاية المطاف، لا تزال الأزمة دون حل، وقد أثرت سلبًا على علاقات لبنان مع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى كذلك.

تصعيد "نصرالله": لماذا الآن؟

لطالما قدم "حزب الله" نفسه كحركة "مقاومة" هدفها الرئيسي محاربة إسرائيل. ولكن مع مرور الوقت، ازداد تدخل الحزب في شؤون لبنان الداخلية، مما أثار دول المنطقة من تزايد نفوذه.

ويعتبر "حزب الله"رصيدًا استراتيجيًا بالنسبة لإيران حيث يعد ركيزة رئيسية فس توسيع نفوذ طهران الإقليمي على طول الطريق إلى البحر الأبيض المتوسط. ولهذا السبب، من المهم النظر في تأثير العلاقات السعودية الايرانية على العلاقات بين "حزب الله" والرياض.

وبغض النظر عن الصراع الأوسع بين طهران والرياض، فإن هناك تفسيرات مختلفة لتصريحات يناير/كانون الثاني التصعيدية تجاه الملك "سلمان".

أحد التفسيرات هو أن وصف الملك "سلمان" لـ"حزب الله" على أنه جماعة "إرهابية" في خطاب متلفز أغضب "نصرالله" وكثير من أنصاره في لبنان. وربما رأى "نصرالله" أن كلمات الملك "سلمان" تصعيد، وقرر أن يرد بنفس الطريقة في تصريحات متلفزة. ويبدو أن إيران والعديد من حلفائها يحرصون على إعطاء الانطباع بأنهم لا يتحدثون من موقف ضعف، وإنما قوة. وهناك تفسيرات أخرى تشير إلى أن هذه التصريحات كانت مدفوعة بالإحباط من الغارات السعودية المتزايدة ضد الحوثيين في اليمن.

وبغض النظر عن الدافع وراء تصريحات "نصرالله"، فمن المرجح أن تؤدي هذه التصريحات إلى مزيد من التعقيد في العلاقات السعودية اللبنانية. وبالطبع، ليست هذه المرة الأولى التي تشهد فيها العلاقات بين الرياض وبيروت توترات، لكن توقيت الأزمة الحالية يزيد من عدم استقرار لبنان.

وفي الوقت الذي يتبادل فيه الملك "سلمان" و"نصرالله" الانتقادات اللاذعة، ما يزال الاقتصاد اللبناني في حالة يرثى لها، فيما وصلت الليرة اللبنانية إلى مستويات انهيار قياسية. لذلك فإن الآثار الاقتصادية للأزمة ستكون أكثر كارثية على المواطنين العاديين في البلاد.

دوافع غضب الرياض

ربما تكون هناك دوافع عديدة قادت السعودية  لبدء حملة ضغط على لبنان بعد تداول تصريحات "قرداحي"، خاصة أن هذه ليست المرة الأولى التي تنتقد فيها شخصية لبنانية رفيعة المستوى المملكة علنًا.

أولًا، يمكن ربط موقف الرياض من الأزمة مع لبنان بعلاقات السعودية والولايات المتحدة. فمنذ غادر الرئيس "دونالد ترامب" البيت الأبيض، بدا أن الرياض فقدت صديقًا كان يقدم للمملكة دعمًا شبه غير مشروط. وعندما جاء الرئيس "جو بايدن" -الذي وعد بتحويل السعودية إلى دولة منبوذة- مرت العلاقات بين الرياض وواشنطن ببداية وعرة. وربما يكون موقف السعودية محاولة لتسليط الضوء على الأزمة لدفع الشركاء الدوليين للتحرك من أجل موقف أكثر صرامة تجاه "حزب الله".

ثانيًا، يرتبط الضغط السعودي على لبنان بالدعم الواسع الذي يقدمه "حزب الله" للحوثيين في اليمن. ويظن المسؤولون السعوديون أن الضغط على لبنان قد يؤدي إلى تقليص الدعم الذي يقدمه "حزب الله" للمتمردين في اليمن. لكن هذه الطريقة من التفكير غير صحيحة. ومن المهم أن نتذكر أن الصراع المستمر في اليمن هو في المقام الأول حرب أهلية؛ وفيما يبدو أن إيران استغلت الصراع لصالحها من خلال تعزيز علاقاتها مع المتمردين اليمنيين وزيادة دعمها لهم، فإن هذا لا يعني أن الحوثيين هم دمى في يد طهران.

ثالثًا، يمكن ربط الموقف السعودي بنهج الرياض الجديد تجاه السياسة اللبنانية المحلية. فقد دعمت السعودية موقف "سمير جعجع"، زعيم "حزب القوات اللبنانية"، المناهض لـ"حزب الله" فيما يتعلق بالتحقيق في انفجار ميناء بيروت، في حين لم تهتم بـ"سعد الحريري"، الذي ذكر مؤخرًا أنه سيخرج من السياسة. ويبقى أن نرى إذا كان "الحريري" سيبقى خارج الساحة السياسية إلى الأبد.

الوساطة الكويتية

مع استفحال الخلاف السعودي اللبناني، كانت هناك عدة محاولات لحله، وقد حاولت الكويت على وجه الخصوص إيجاد حل وسط بين الجانبين، لكن "حزب الله" -الذي بدا يتحدث نيابة عن بقية لبنان دون تفويض بذلك- رفض الاقتراح الكويتي دون نقاش. وفي مقابلة شرح فيها منطقه، قال "نصرالله": "لبنان بلد ذو سيادة ولا ينبغي إرسال الأوامر له".

ومن الواضح حاليًا أن الجهود الكويتية لن تحل الأزمة خاصة أن الكويت لا تمتلك نفوذًا كافيًا على الطرفين.

وفي حين أن كل طرف في النزاع لديه حساباته، فإن الأزمة لا تفيد أيًا منهم من وجهة نظر واقعية. فبالرغم أن لبنان يمكنه أن يحافظ على استقلال خطابي عن السعودية، إلا إنه سيجد صعوبة في معالجة تحدياته الاقتصادية دون مساعدة دول مجلس التعاون الخليجي. ومع أن قاعدة دعم "حزب الله" لا تؤيد السعودية، إلا إن هؤلاء لبنانيون وسيعانون أيضًا إذا استمرت الأزمة دون حل مما يضر بشعبية "حزب الله".

وفي حين تسعى دول الخليج، خاصة السعودية، إلى مواجهة النفوذ الإقليمي لإيران خلال السنوات الأخيرة، فإن الأزمة الحالية تعطي فرصة لإيران لأن بيروت ستجد نفسها مضطرة لتعزيز العلاقات معها في ظل التجاهل السعودي. ويجب أن تزعج هذخ الحقيقة الرياض أكثر بكثير من التعليقات المستفزة من أي طرف داخل لبنان.

المصدر | عبدالعزيز كيلاني - منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد