الاثنين 28 مارس 2022 09:46 ص

تتعمق يوما بعد الآخر، علاقات التعاون الثنائي بين النظام الإماراتي والرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، بشكل يحمل نذر خطر للأمن القومي المصري.

وخلال أكثر من 8 سنوات، تشابكت العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية بين أبوظبي والقاهرة، بشكل ملفت، جعل من الثانية رهينة للقرار الإماراتي في ملفات عدة حساسة داخليا وإقليميا.

وتعد الإمارات أقوى حلفاء "السيسي" منذ وصوله للحكم عبر انقلاب عسكري، منتصف العام 2014، كما تعد أحد أبرز مموليه بالودائع والقروض والاستثمارات المباشرة وغير المباشرة.

لا قروض جديدة

لا يخفى على أحد، معاناة المحفظة المالية الإماراتية من ضغوط، جراء تداعيات جائحة "كورونا" على مدار عامين، وانخفاض أسعار النفط، واستمرار حرب اليمن.

ومع توالي إقبال "السيسي" على طلب ودائع وقروض، يبدو أن صانع القرار الإماراتي لم يعد في ترف لمنحه ما يريد، لا سيما بعد استتباب الأوضاع لها في مصر، والتخلص من جماعة "الإخوان المسلمون"، التي أطيح بها من الحكم 3 يوليو/تموز 2013.

بدا ذلك جليا، يناير/كانون الثاني الماضي، حينما وجه الجانب الإماراتي، الحكومة المصرية، لطلب قرض من بنوك إماراتية وخليجية، وهو ما تم بموجبه، منح مصر قرضا مجمعا بقيمة 3 مليارات دولار، شاركت فيه بنوك "الإمارات دبي الوطني، أبوظبي الأول، أبوظبي الإسلامي، البنك الأهلي الكويتي، والمؤسسة العربية المصرفية، الكويت الوطني، وبنك وربة الكويتي".

وحصلت مصر في أغسطس/آب من العام الماضي على قرض قيمته مليار دولار، رتبه بنك الإمارات دبي الوطني وبنك أبوظبي الأول.

ويبلغ رصيد الودائع الإماراتية في البنك المركزي المصري 5.7 مليارات دولار للإمارات، بنهاية سبتمبر/أيلول من العام الماضي، وفق تقرير الوضع الخارجي للاقتصاد الصادر عن البنك المركزي المصري.

ولم تسفر زيارات "السيسي" للسعودية والإمارات مؤخرا عن أي دعم نقدي أو ودائع ضخمة، في ظل الأزمة الراهنة التي تواجهها البلاد، جراء الحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع أسعار النفط والقمح عالميا.

وقفز الدين الخارجي لمصر إلى 137.85 مليار دولار بنهاية يونيو/حزيران 2021، مقابل 123.49 مليار دولار بنهاية يونيو/حزيران 2020، بنسبة زيادة بلغت 11.57%، وفق بيانات صادرة عن البنك المركزي المصري.

شراء أصول حكومية

التوجه الإماراتي الجديد يذهب إلى شراء حصص وأصول حكومية في الشركات والبنوك المصرية، بدلا من الدعم النقدي والقروض، وفق أستاذ الاقتصاد بجامعة أوكلاند الأمريكية، الدكتور "مصطفى شاهين".

هذا التحول تمت ترجمته في صفقة كبيرة، قبل أيام، حصل بموجبها صندوق الثروة السيادي في أبوظبي (حكومي) على حصص من أصول مملوكة للحكومة المصرية في عدد من الشركات.

وشملت الصفقة "أبو قير للأسمدة والصناعات الكيماوية"، مصر لإنتاج الأسمدة "موبكو"، (أهم شركتين في قطاع الأسمدة)، والأسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، إلى جانب شراء 18% من أسهم البنك التجاري الدولي (CIB) البنك الأكبر بالقطاع الخاص في مصر، وحصة في شركة فوري للمدفوعات الإلكترونية، بقيمة ملياري دولار، بحسب وكالة "بلومبرج" الأمريكية.

الخطير أن عمليات البيع طالت مؤسسات رابحة وليست خاسرة، أبرزها البنك التجاري؛ الذي حقق ارتفاعا في صافي أرباحه إلى 13.2 مليار جنيه خلال العام المنتهي في ديسمبر/كانون الأول 2021، مقارنة بصافي أرباح قدره 10.2 مليار جنيه خلال عام 2020.

كذلك سجلت شركة "فوري" لتكنولوجيا البنوك والمدفوعات الإلكترونية، المدرجة بالبورصة المصرية، ارتفاعا في الأرباح بنسبة 59.6% خلال النصف الأول من العام الماضي، محققة 137.1 مليون جنيه مقارنة بصافي ربح قدره 85.9 ملايين جنيه خلال الفترة المقارنة من 2020.

صفقات بيع

الصفقة المعلن عنها قبل أيام، ليست الأولى أو الأخيرة، فقد سبقتها استحواذات ضخمة، قبل وبعد إطلاق صندوق مصر السيادي منصة استثمارية مع الإمارات، بقيمة 20 مليار دولار، العام 2019.

واشترت "القابضة" (الإماراتية)، العام الماضي، شركة "آمون" للأدوية، كما وافقت "الدار" العقارية، بدعم من شركة ألفا أبوظبي القابضة، على شراء حصة أغلبية (51%) من أسهم شركة "سوديك" إحدى أكبر شركات التطوير العقاري في مصر، وكذلك (75%) من أسهم شركة الإسماعيلية للاستثمارات الزراعية والصناعية المالكة للعلامة التجارية "أطياب".

وقبل سنوات، استحوذت أذرع الإمارات الاستثمارية على عدد من المستشفيات الكبرى الخاصة في مصر، حيث تصل إلى 15 مستشفى، مثل: النيل بدراوي، وكليوباترا، والقاهرة التخصصي.

وسيطرت شركة "أبراج كابيتال" الإماراتية على سلسلتين من أكبر سلاسل معامل التحاليل، وهما "البرج" التي تضم 926 فرعا و55 معملا بيولوجيا، ومعامل "المختبر" التي تضم 826 فرعا في كافة المدن والمراكز المصرية.

واشترت "القابضة" (ADQ)، حصة مجموعة "اللولو العالمية"، لتستحوذ بذلك على سلاسل "الهايبر ماركت"، و"السوبر ماركت" في مصر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2020.

وهناك شركة "العتيبة للاستثمار" الإماراتية ضمن تحالف يضم مجموعة "جلوبال فينتشرز"، ومجموعة "أوكسفورد كابيتال"، والفائز بتطوير وإعادة تأهيل مجمع التحرير، وسط القاهرة، بقيمة 3.5 مليار جنيه (نحو 223 مليون دولار)، ديسمبر/كانون الأول الماضي.

ويزيد حجم الاستثمارات الإماراتية في مصر على 7 مليارات دولار، وتتركز أغلبها في قطاعات النفط والغاز والموانئ البحرية والصحة والعقارات والاتصالات والزراعة والتعليم وتجارة التجزئة وغيرها.

استحواذات جديدة

في فبراير/شباط الماضي، قدم بنك أبوظبي الأول عرضا ماليا للاستحواذ على حصة أغلبية في شركة "هيرميس"، أقوى وأكبر بنك استثماري بمصر، في صفقة تقدر بـ1.2 مليار دولار.

وفي حال تمت الصفقة سيصبح البنك الإماراتي المرجع الرئيس في قطاع الخدمات المصرفية الاستثمارية على مستوى المنطقة، وستكون هذه ثاني صفقة كبرى للبنك الإماراتي، الذي استحوذ على بنك "عودة مصر"، العام الماضي، ليصبح حجم أصوله 8.1 مليار دولار.

ومنذ شهور، تسعى شركة "أدنوك" الإماراتية عبر تحالف مع أبوظبي القابضة للحصول على ملكية مشتركة كاملة لشركة "الوطنية" للبترول، وهي شركة توزيع وقود، لديها أكثر من 200 محطة وقود ويديرها الجيش المصري.

وهناك خطط حكومية لطرح أسهم شركة مصر لتأمينات الحياة، وحصة إضافية في مصر الجديدة للإسكان خلال هذا العام، والشركة الوطنية لتعبئة المياه الطبيعية "صافي".

ويتداول  عاملون في التلفزيون الحكومي "ماسبيرو" أنباء عن تقدم أحد المستثمرين الإماراتيين بعرض لشراء حصة من المبنى الضخم المطل على النيل؛ بحسب موقع "مصر 365".

وتواصل "موانئ دبي العالمية" استحواذها على مشروعات هامة بمحور قناة السويس وميناء العين السخنة، كما تخطط مجموعة موانئ أبو ظبي الإماراتية لاستثمار 500 مليون دولار في مشروعي ميناء العاشر من رمضان الجاف وميناء سفاجا، شرقي البلاد.

أمن قومي

يرى مراقبون أن الأزمة الاقتصادية الخانقة في مصر، ستدفع نظام "السيسي" إلى تسريع عملية عرض أصول مصر الجذابة للبيع للمستثمرين، وربما وضع حد لتردد الحكومة المصرية في طرح حصص عدد من شركاتها وشركات الجيش للبيع والتي أعلنت عنه في عام 2018  (23 شركة).

لكن المخاطر تبدو في عدم تنويع جهات الاستحواذ، وقصر الاستحواذات الكبرى على الإمارات، ما يضع مصر في قبضة أبوظبي، ويجعل القرار المصري رهينة بأيدي الإمارات.

ووفق المصرفي المصري "وائل جمال"، فإن الاستحواذ الإماراتي لن يكون فقط في القطاع المالي، لكنه سيمتد إلى قطاعات أخرى عملاقة بسبب حجم ونفوذ وعلاقات "هيرميس" والبنك التجاري الدولي.

ويدلل على ذلك، بأن البنك التجاري الدولي يمتلك حصة حاكمة في شركة "فالكون" للأمن، فضلاً عن حصص كبيرة لـ"هيرميس" في صناديق التعليم والصحة والمستشفيات والخدمات البحرية، وهو ما يعرض أمن مصر للخطر.

ويؤكد "شاهين" أن شراء حصص وأصول الحكومة في الشركات والبنوك، يؤثر على قرارات مصر الاقتصادية والسياسية ويرهنها لدى حكومات أخرى.

وتزداد الخطورة، مع عدم الكشف عن بنود وشروط عمليات الاستحواذ، وعدم إخضاعها لموافقة مجلس النواب المصري، فضلا عن إجرائها بالأمر المباشر، ودون تقييم مالي عادل.

المصدر | الخليج الجديد