الثلاثاء 14 يناير 2020 03:55 م

دائما ما كان يُرفض وجود تقارب بين جنرالات الجيش والسياسيين الأتراك أو وجود الزعماء العسكريين في إطار شعبي مفرط؛ حيث كان يُنظر إلى ذلك على أنه يؤدي إلى تآكل الهوية المؤسسية للقوات المسلحة التركية.

لكن يبدو أن هذا الاتجاه تغير بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016، ويبدو أن المدنيين اكتسبوا اليد العليا في العلاقات المدنية العسكرية.

ومع ذلك، ما زال من السابق لأوانه الادعاء بأن هذا أصبح أمرا مؤسسيا؛ لأن النظام الجديد لا يزال هشا للغاية، ويعتمد هذا الاتجاه حتى الآن على العلاقات الشخصية.

وشوهد أحدث مثال على هذه الهشاشة في جهود أنقرة الأخيرة لتحديد سياستها تجاه الأزمة الليبية.

فنهاية ديسمبر/كانون الأول، حسب ما أكدته مصادر في أنقرة، تم عقد اجتماع لصياغة سياسة البلاد تجاه ليبيا في القصر الرئاسي.

وفي هذا الاجتماع، كانت آراء الأدميرال الذي كان يمثل الجيش التركي حاسمة؛ حيث كانت الموضوعات المهمة ذات طبيعة بحرية، في البداية، من المتوقع أن يقوم رئيس الأركان الحالي للبحرية التركية، الأدميرال "جهاد يايجي"، الذي كتب كتابا والعديد من المقالات الأكاديمية عن ليبيا، بتمثيل الجيش.

وفي بيان نهاية ديسمبر/كانون الأول، أعرب الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" عن تقديره لـ"يايجي" على عمله بشأن ليبيا، وعلى المبادرة البحرية التركية الليبية التي تم توقيعها في 27 نوفمبر/تشرين الثاني.

وكان "يايجي" يكتسب المزيد من الشعبية بين المسؤولين الحكوميين والجمهور بسبب جهوده لتنظيف الجيش التركي من "أتباع جولن".

ووفقا لتقارير وسائل الإعلام التركية، تمت دعوة "يايجي" إلى الاجتماع في القصر الرئاسي، لكن وزير الدفاع "خلوصي أكار" لم يسمح لـ"يايجي" بحضور الجلسة الاستراتيجية الحاسمة، وأرسل بدلا من ذلك أدميرالا آخر.

وقالت مصادر رسمية لـ"المونيتور"، إن "أكار" رفض أيضا طلبات السياسيين من "يايجي" للخروج إلى الجمهور لتوضيح خلفية التحركات في ليبيا وأسباب صفقة المنطقة البحرية الخالصة.

وما نعرفه هو أنه بعد قرارات المجلس العسكري الأعلى لشهر أغسطس/آب، بشأن ترقيات وتحركات الجنرالات والأدميرالات، ازداد تأثير "أكار" على الجيش؛ حيث أقال الجنرالات الذين لم يكونوا معه على وفاق، أو أعاد تكليفهم بمهام أقل.

ويتساءل الكثيرون الآن عما إذا كان "يايجي" سيشهد نفس مصير هؤلاء الجنرالات.

توقعات العلاقات التركية العسكرية في 2020

وعلى المستوى السياسي الاستراتيجي، يبقى العامل الرئيسي في العلاقات المدنية العسكرية هو الثقة المتبادلة بين "أردوغان" و"أكار".

وتعكس هذه الثقة الوضع الحالي للعلاقات المدنية العسكرية في تركيا، إذ حافظ الرجلان على علاقات تتسم بالثقة والاحترام المتبادلين منذ محاولة الانقلاب الفاشلة، ومن المحتمل أن يستمر هذا في 2020، ولم يتردد كلاهما في خسارة زملائه المدنيين والعسكريين المقربين للحفاظ على علاقاتهما الشخصية.

وقد تكون هذه علامة جيدة لإدارة الأزمات، لكن الانسجام بين "أردوغان" و"أكار" يظل أكبر عائق يواجه إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات المدنية العسكرية في تركيا.

وفي الواقع، فإن التوازن الحساس للعلاقات بين "أردوغان" و"أكار" هو أهم عامل قد يؤثر على البنية الهشة للعلاقات المدنية العسكرية.

وفي عام 2019، أظهرت الصور زيارة مسؤولي حزب "العدالة والتنمية" الحاكم بشكل غير مسبوق لمراكز العمليات العسكرية الحكومية؛ حيث تمت مناقشة القضايا الحرجة.

 وأظهرت الصور أيضا زيارات مسؤولين عسكريين يرتدون الزي الرسمي لمسؤولي حزب "العدالة والتنمية" في مكاتبهم.

وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يعتقد كل من الجمهور المحلي والدولي أن القوات المسلحة التركية أصبحت بشكل متزايد فرعا للحزب السياسي الحاكم.

وعلى مستوى العلاقات العسكرية الاستراتيجية، نجد أنه يحددها في المقام الأول العلاقات بين "أكار" ورئيس الأركان العامة في الجيش "يشار غولر" والقادة الآخرين.

ومنذ عام 2018، كان التوافق والعلاقات الوثيقة بين "أكار" و"غولر" ظاهرة؛ حيث كانت العلاقة الوثيقة بين الاثنين والاحترام المتبادل بينهما أمرا حاسما.

والسؤال الذي يجب طرحه هو ما إذا كان النظام التركي سيعمل بنفس الطريقة عند استبدال الرجال في هذه المناصب؟

وبالطبع يمكن لـ"أكار"، الذي شغل سابقا منصب رئيس الأركان العامة، اتخاذ قرار بشأن القضايا العسكرية، لكن ماذا عن المسائل الإدارية والسياسية؟

على سبيل المثال، هل يمكن لـ"أكار" تجاوز رئيس الأركان وقادة القوات الآخرين وإصدار أمر تشغيلي؟ وإذا فعل ذلك، فهل سيكون هذا "تعليمات سياسية" أم "أوامر عسكرية؟".

أخيرا، قد تكون هناك بعض المشكلات فيما يتعلق بالرصد والإشراف، وتربط "أردوغان" و"أكار" علاقات ثقة متبادلة، لكن من أجل الشفافية والمساءلة، أليس من الأفضل أن يكون هناك مزيد من الانفتاح على البرلمان والمجتمع المدني؟

ستكون العيون على "يايجي" في دورة 2020 للمجلس العسكري الأعلى، لمعرفة ما إذا كان سيتم ترقيته إلى نائب أميرال، أم سيسمح "أردوغان" لـ"أكار" بأن يحيل "يايجي" إلى التقاعد مبكرا؟

باختصار، قد يمنحنا مستقبل "يايجي" المهني أدلة قوية حول تطور العلاقات المدنية العسكرية في تركيا، وكذلك العلاقة بين "أكار" و"أردوغان".

المصدر | متين غورجان | المونيتور - ترجمة الخليج الجديد