الأربعاء 25 مارس 2020 03:57 م

كشف اندفاع روسيا لإنقاذ قوات النظام السوري المخاوف العميقة لدى الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" بشأن احتمال مواجهة حليف أكثر صعوبة في المستقبل القريب، ألا وهو إيران.

وبالنسبة لتركيا، كان المنطق وراء عملية "نبع السلام" في شمال سوريا واضحا. ومع تحقيق قوات "الأسد" مكاسب في محافظة إدلب، شكل عدد اللاجئين المتجهين نحو تركيا تهديدا مزعجا للاقتصاد التركي الواقع تحت الضغط.

علاوة على ذلك، يواجه "أردوغان" تحديات محلية تجلّت في فوز المعارضة بإسطنبول وأنقرة وإزمير في الانتخابات البلدية، وسط تزايد المشاعر المعادية للاجئين.

وبدعم محدود من أوروبا (التي ربما ترحب بإضعاف الرئيس التركي المهيمن والمؤثر بشكل كبير) ومن الولايات المتحدة (التي لا تزال قلقة بشأن شراء تركيا لمنظومة صواريخ "إس-400" الروسية) تجد تركيا نفسها معزولة في سوريا.

بعبارة أخرى، كانت عملية "نبع السلام" مجرد هجوم من قبل عضو يجد نفسه محاصرا في "الناتو". ومع القليل من النفوذ الدبلوماسي، سعت تركيا لفرض نفسها ضد روسيا في سوريا باستخدام القوة.

ونظرا للتقدم الذي شهدته علاقة موسكو بأوروبا خلال الأشهر القليلة الماضية، والضغط الفرنسي من أجل علاقات أكثر دفئا بين الطرفين، فقد أصبح "بوتين" أقل تعاطفا مع مخاوف "أردوغان" بشأن سوريا. فلم تعد روسيا الطرف المعزول الذي يجد العزاء في علاقته بتركيا المعزولة على قدم المساواة قبل عام واحد فقط.

لكن "بوتين" استهان بالفعالية التي ستضرب بها القوات التركية "الأسد" ومدى الضرر الذي ستلحقه تركيا بقوات النظام السوري. وكان التقدم السريع والاستيلاء اللاحق على "سراقب" إذلالا لحليف روسيا، وبالتالي لروسيا نفسها، التي صورت نفسها على أنها حاكم سوريا ومستقبلها.

وعادة ما كانت روسيا تشعر بالقلق بشكل خاص من هذا الأمر بالتحديد. ويدرك "بوتين" جيدا أن تركيا ليس لديها مشكلة تذكر مع عودة إدلب إلى سلطة "الأسد" في نهاية المطاف.

ويدرك الرئيس الروسي تمام الإدراك أن التدخل التركي في سوريا مبني بشكل أساسي على مخاوف أمنية مشروعة بشأن حركة القوى الانفصالية الكردية، التي لديها علاقات مع حزب العمال الكردستاني، والمخاوف الاقتصادية بشأن احتمال تحمل العبء الأكبر من رعاية ما يقدر بـ4 ملايين لاجئ.

علاوة على ذلك، لا يجد الرأي العام التركي الكثير من الرغبة في الذهاب بالجولات العسكرية في سوريا إلى أبعد من تلك المناطق التي تتعلق مباشرة بالتهديدات الانفصالية الكردية.

بعبارة أخرى، لم يتوقع "بوتين" أن تركيا ستشن بطريقة ما حملة عسكرية بهذا الحجم بحيث تجد المعارضة السورية نفسها في موقع قوة بين عشية وضحاها.

وبدلا من ذلك، كانت مخاوف "بوتين" تكمن في التغيير المحتمل للديناميكيات العسكرية على الأرض إلى حد إضعاف قدرة موسكو على التأثير على حليف آخر أكثر صعوبة وهو إيران.

ومن خلال إحداث خسائر فادحة في صفوف قوات "الأسد"، هددت تركيا بتوفير فرصة ذهبية للميليشيات الإيرانية للظهور في المقدمة مرة أخرى.

وبالرغم أن إيران لعبت دورا عسكريا محوريا في سوريا، إلا أن روسيا غالبا ما أبدت تفضيلا لاستخدام القوات التابعة لجيش النظام السوري في فرض سيطرة "الأسد" على المناطق الرئيسية.

واقتصرت مشاركة روسيا على الاستشارات العسكرية والضربات الجوية. بعبارة أخرى، لم تنشر قوات برية كبيرة على أساس أن تقاتل قوات النظام السوري بنفسها بدلا من ذلك.

ومع ذلك، تقوم سياسة إيران على مشاركة من نوع أوسع. وتعمل الميليشيات الإيرانية على الأرض، ما يمنحها وجودا ماديا له تداعيات أوسع على الدولة السورية إذا نجح "الأسد" في استعادة سيطرته على البلاد.

وتقوم سياسة إيران الخارجية على الميليشيات التي تعمل في "المنطقة الرمادية" داخل وخارج جهاز الدولة الضعيف.

فعلى سبيل المثال يقاتل "حزب الله" اللبناني من أجل مصالح إيران في سوريا. وبصفته مليشيا، فهو قادر على ممارسة القوة العسكرية بشكل غير متناسب مع تمثيله الديمقراطي.

وبالمثل، في العراق، تمارس الميليشيات المدعومة من إيران نفوذا هائلا على النظام السياسي العراقي، إلى حد أن العديد منها يمتلك أجنحة سياسية تمثل كتلا مؤثرة داخل البرلمان.

وبالرغم أن إيران وروسيا متحدتان في دعمهما لـ "الأسد"، إلا أنهما غير متحدتين في رؤيتهما لما يجب أن تبدو عليه سوريا في المستقبل.

وتفضل روسيا مؤسسات الدولة السورية القوية التي يمكنها التأثير عليها. وتفضل إيران المؤسسات الأضعف التي تسمح لحلفائها بالوكالة بالتصرف بأقصى طاقتها إذا لزم الأمر.

بالنسبة لـ"بوتين"، فإن إيران حليف أصعب مراسا من تركيا.

وقد يكون لدى "أردوغان" تطلعات لأن تلعب تركيا دورا أكبر في الشؤون الدولية. ومع ذلك، فإن السكان الأتراك أكثر اعتيادا على سياسة خارجية انعزالية موروثة عن حقبة الرئيس السابق "مصطفى كمال أتاتورك"، الذي تنازل عن القيادة الإقليمية التركية مقابل السلام مع المنتصرين في الحرب العالمية الأولى.

لكن إيران ملتزمة بسياسة خارجية توسعية دفعتها للسيطرة على المشهد السياسي في العراق ولبنان وتوفير دعم كاف للحوثيين في اليمن.

وأوضحت الأحداث أن "بوتين" ليس في وضع يسمح له بالتخلي عن تحالفه مع تركيا. ومن خلال تقديم مخرج من الحملة العسكرية باتفاق سمح لـ "أردوغان" بمواجهة شعبه، حصل "بوتين" على نتائج ملموسة أكثر.

وحصل "بوتين" من خلال الاتفاق على فتح التقاطع بين كل من الطريق السريع "إم 4" و"إم 5" في سوريا. كما نجح في ترك قوات المعارضة في الجانب الجنوبي معزولة، وتقييد الميليشيات الإيرانية، وترك متنفس لقوات "الأسد" للتعافي.

وفي غضون ذلك، تجنبت روسيا "الطلاق" مع تركيا، ووضعت إطارا للدور الذي يمكن لتركيا لعبه لموازنة ثقل إيران في سوريا ما بعد الحرب.

المصدر | سامي حمدي - إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد