الجمعة 22 مايو 2020 08:59 م

لا يوجد بلد تم الإشادة به وانتقاده في نفس الوقت كما حصل مع السويد بشأن استجابتها للفيروس التاجي الجديد "كوفيد-19".

ويجلب كل يوم نقاش جديد حول مزايا النموذج السويدي. وبشكل عام، تقع الآراء في أحد معسكرين، أولئك الذين يقولون إن السويد وجدت طريقة فعالة بشكل فريد لمعالجة الوباء، وأولئك الذين قالوا إن طريقتها متهورة  وتعرض صحة شعبها للخطر.

لكن ما يتفق عليه الجانبان هو أن التجربة السويدية تحمل دروسا للآخرين، إما كنموذج يحتذى به، أو كقصة تحذيرية.

وفي حين يوجد بعض الجدل حول ماهية "النموذج السويدي"، فمن المرجح أن يتفق الكثيرون على وجود اختلافين رئيسيين بين استجابة هذا البلد وردود الدول الغربية الأخرى. إحداهما أن الحكومة السويدية اتبعت نهج عدم التدخل بشكل ملحوظ في إدارة الوباء، وهو نهج يمكن للدول الأخرى أن تتعلم منه بينما تتعامل مع التباعد الاجتماعي.

والسمة الأخرى التي تميز استجابة السويد هي هدفها غير المعلن، ولكن المعترف به على نطاق واسع، وهو السعي نحو حصانة القطيع. وهنا يمكن للحكومات الأخرى الانتباه جيدا للإشارات التحذيرية القادمة من تجربة السويد.

لمسة خفيفة

وفرضت معظم الدول الأوروبية عمليات إغلاق وإجراءات قسرية أخرى لإبطاء انتشار الفيروس، ولكن هذا لم يحدث في السويد. وبدلا من إصدار قيود إلزامية على النشاط الاجتماعي أو الاقتصادي، وضعت الحكومة السويدية مسؤولية الحد من المخاطر على الأفراد والشركات.

وأصدرت الحكومة مبادئ توجيهية وتوصيات بشأن كيفية مساعدة الأفراد على تسطيح منحنى العدوى عن طريق غسل اليدين، والتباعد الاجتماعي، وتجنب السفر غير الضروري.

لكن الحكومة السويدية لم تهدد بالعقوبات أو الحبس إذا لم يتم اتباع التوصيات. ولم تكن هناك أوامر بالتزام "العزل المنزلي"، أو حاجة لتحديد أي العمال "أساسيين" وأيهم "غير ضروري".

وبقي الأطفال في المدارس، بالرغم من إغلاق الجامعات، واستمر الناس في التجمع في المطاعم والمتنزهات والأماكن العامة الأخرى.

وحتى من دون تهديدات شديدة من الحكومة، اتبع السويديون معظمهم التوصيات وغيروا سلوكهم. وتشير سجلات التنقل في "جوجل" إلى أن الأشخاص في المقاطعة التي تحيط بالعاصمة ستوكهولم قد خفضوا رحلاتهم إلى مؤسسات البيع بالتجزئة والترفيه بنسبة تتراوح بين 20 و40%، كما خفضوا استخدامهم لوسائل النقل العام بنسبة تتراوح بين 30 و40%، وهو ما يعادل تقريبا الانخفاضات التي شوهدت في الدول المجاورة.

وترى الحكومة أن هذه السياسة هي الأكثر حصافة ودواما، لأن السويديين تجنبوا إلى حد كبير الإرهاق والضغط الذي تحمله مواطنو الدول الأخرى تحت وطأة الإغلاق.

وتشير الاستطلاعات إلى أن الغالبية العظمى من السويديين يدعمون إدارة حكومتهم للوباء حتى الآن، ويعرب الناس عن تقديرهم للحكومة، لأنهم يمكنهم الحفاظ على بعض مظاهر الحياة الطبيعية في حياتهم.

وعلى النقيض من ذلك، فإن أولئك الذين عانوا فترات طويلة من الإغلاق في دول أخرى يواجهون خسائر اجتماعية وعاطفية متزايدة.

ويمكن للعزلة الاجتماعية والوحدة الناتجة عن تدابير الإبعاد أن تفاقم مشاكل الصحة العقلية. وفي استطلاع حديث للبالغين الأمريكيين أجرته مؤسسة "أسرة كايزر"، أفاد 45% من المشاركين بأن صحتهم العقلية عانت من الإجهاد بسبب الإجراءات الوقائية لمواجهة الوباء.

وفي دول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، يعترف الكثيرون بالحاجة إلى التباعد الاجتماعي، ولكنهم يعبرون أيضا عن الإرهاق المتزايد بسبب القيود.

وتستحق السياسات التي تساعد على التخفيف من هذه الضغوط دون تعريض الصحة العامة للخطر الاهتمام الجاد.

ولتتبع خطى السويد بأمان، ربما تكون إحدى الطرق التي قد تتبعها بعض البلدان التي تخضع للإغلاق هي السماح للأشخاص بالوصول إلى الحدائق العامة والأماكن المفتوحة الأخرى.

واستمتع السويديون أيضا بالجلوس في الهواء الطلق في المطاعم، مع وجود مسافة اجتماعية كافية، وهو نشاط آخر منخفض المخاطر يمكن تكراره بشكل مسؤول.

وبشكل عام، يوجد إجماع متزايد على أن البيئات المختلفة لها درجات مختلفة من مخاطر انتقال الفيروسات التاجية، لذا فإن الأماكن التي لا تكون درجة خطورتها مرتفعة يمكن أن تفكر بأمان في نهج أكثر مرونة، بحيث يتم تخفيف القيود وتشجيع السلوكيات الصحية مثل استخدام الأقنعة أو الكمامات في الأماكن العامة.

وبالطبع، يجب أن تتم متابعة أي تهاون مع تدابير التباعد الاجتماعي بعناية، وأن يقترن ذلك بالتعليم العام المناسب، بالإضافة إلى المراقبة لضمان الالتزام بالمبادئ التوجيهية.

وقد تكون السويد متقدمة على البلدان الأخرى فيما يتعلق بالامتثال للمبادئ التوجيهية الطوعية بسبب مستويات الثقة العامة العالية بين الشعب والحكومة.

ومع ذلك، من المحتمل أن يكون هناك مجال خارج السويد لنهج أكثر دقة يجعل هذا الوباء أسهل في إدارته على المدى الطويل.

رهانات عالية المخاطر

وبالرغم أن مقاربة عدم التدخل في التباعد الاجتماعي تستحق النظر من قبل دول أخرى، إلا أن سعي السويد الواضح لحصانة القطيع ليس كذلك.

ونفى بعض المسؤولين السويديين أن تكون حصانة القطيع هي الهدف النهائي للحكومة، لكن عالم الأوبئة الرئيسي في الدولة، وكبار المسؤولين الآخرين، أثاروا بعض الشكوك من خلال الادعاء مرارا وتكرارا بأن السويد تقترب بسرعة من حصانة القطيع، مدفوعة بسياساتها بعيدة المدى.

وفي أبريل/نيسان، على سبيل المثال، قدر ممثلو وكالة الصحة العامة السويدية أن ثلث سكان ستوكهولم سيكونون محصنين بحلول بداية مايو/أيار.

وفي الآونة الأخيرة، قدرت السلطات أن ما بين 20 و25% من سكان مقاطعة ستوكهولم، البالغ عددهم 2.4 ملايين نسمة، كانوا محصنين بالفعل حتى أوائل مايو/أيار، وأن ستوكهولم ستصل إلى مناعة القطيع، أي اكتساب ما بين 40 و60% من سكان المدينة الأجسام المضادة اللازمة، بحلول، منتصف يونيو/حزيران.

وبالرغم من الإعلانات الرسمية، لا يوجد سبب وجيه للاعتقاد بأن السويد تتمتع حاليا بمستوى واسع من الحصانة.

ولم يحدد العلماء بشكل قاطع أن العدوى السابقة تمنح بالفعل الحصانة، أو إذا كانت كذلك، فإلى متى. وتعتمد بعض تقديرات الحصانة على استقراءات نموذجية، مشتقة من طرق مشكوك فيها.

ويعتقد المتابعون المستقلون أن 4 إلى 7% من سكان السويد أصيبوا حتى الآن، ولا تختلف تلك التقديرات كثيرا عنها في فرنسا وإيطاليا وأسبانيا والولايات المتحدة، التي تتراوح من 4 إلى 9%.

وبالنسبة لمدينة ستوكهولم، وجدت دراستان لـ"الانتشار المصلي"، أجرتهما جامعات سويدية في أبريل/نيسان وأوائل مايو/أيار أن 7.5% و10% من الأشخاص الذين تم اختبارهم هناك لديهم أجسام مضادة لـ "كوفيد-19".

وأخيرا، استنادا إلى الوفيات المبلغ عنها في مقاطعة ستوكهولم (1855)، ومعدل الوفيات في السويد (0.6%)، من الممكن إعطاء تقدير أولي بأن 12 أو 13% من سكان منطقة ستوكهولم أصيبوا حتى الآن.

وبالرغم من ذلك، فإن التقدم المحدود الذي أحرزته الدولة نحو مناعة القطيع، أتى بتكلفة خطيرة على صحة الفئات الضعيفة من السكان، بما في ذلك كبار السن والمهاجرين والأقليات.

ووفقا لتحليل "نيويورك تايمز"، شهدت ستوكهولم أكثر من ضعف العدد المعتاد للوفيات في الشهر الماضي مقارنة مع الفترة ذاتها من الأعوام السابقة.

وكانت الوفيات، بسبب "كوفيد-19"، قد تركزت بشكل كبير بين كبار السن، خاصة أولئك في دور رعاية المسنين.

وبحسب الحكومة السويدية، ارتفع معدل الوفيات في أبريل/نيسان بين من تزيد أعمارهم عن 60 عاما بنسبة 25%، وزاد بنسبة 50% أو أكثر لمن تزيد أعمارهم عن 80 عاما. كما تضررت مجتمعات المهاجرين بشدة، مسجلة أعلى معدلات الإصابة في ستوكهولم.

ويقدر معدل الوفيات في السويد من الوباء بنحو 366 وفاة لكل مليون شخص، وهو معدل متوسط مقارنة بالمعدلات في البلدان الغربية الأخرى، فهو أعلى بكثير من النرويج والدنمارك، وهولندا، ولكن أقل من إيطاليا وأسبانيا وفرنسا.

هذا على الرغم من حقيقة أن السويد لديها خدمات صحية ممتازة، وكثافة سكانية منخفضة، وعدد قليل من الأسر المزدحمة، ومعدلات منخفضة نسبيا من الحالات المزمنة المعروفة بأنها عوامل الخطر المسببة للوفاة مع مرض "كوفيد-19".

ويؤكد أنصار النموذج السويدي أن معدل الوفيات المرتفع نسبيا في البلاد سيتراجع بمرور الوقت.

وهذا رهان عالي المخاطر، ويفترض أن الكثيرين يجب أن يموتوا الآن من أجل حماية البلاد في المستقبل. وقد ارتفع عدد الوفيات بشكل كبير دون أن تقترب البلاد من حصانة القطيع، على الأقل في ضوء الأدلة المتاحة.

وفي البلدان التي تفتقر إلى مزايا السويد، من المرجح أن تكون التكلفة البشرية للدفع نحو مناعة القطيع أعلى بكثير.

وبعد 4 أشهر من انتشار الوباء، فإن أفضل طريقة لتقليل معدل الوفيات، تتمثل في توسيع نطاق الاختبارات، والتتبع الفعال للاتصال، والعزل السريع، والجهود الإضافية لضمان سلامة كبار السن وغيرهم من السكان المعرضين للخطر.

ويمكن للسويد القيام بعمل أفضل بدمج الإجراء الأخير في استجابتها، ويمكن للبلدان الأخرى الاستمرار في تنفيذ كل منها مع أو بدون حظر صارم.

وقد يكون الدرس الذي يمكن استخلاصه من التجربة السويدية هو أن النهج الأكثر عقلانية للتباعد الاجتماعي لا يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع حملة نحو مناعة القطيع تؤدي إلى وفيات يمكن الوقاية منها.

المصدر | جوش ميكود/فورين أفيرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد