الجمعة 27 نوفمبر 2020 03:08 م

ازدهرت العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، وكان لبعض كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية المنتهية ولايتها علاقات وثيقة للغاية مع نظرائهم السعوديين، فيما تخلت الإدارة عن الاهتمام بمتابعة قيم مثل حقوق الإنسان والحرية السياسية التي كانت محددا مؤثرا على عمق العلاقات.

ورأى "ترامب"، الذي سعى لتمييز نفسه عن سلفه "باراك أوباما"، السعودية محوراً محتملاً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وذهب إلى أبعد الحدود لحماية ولي العهد "محمد بن سلمان" من الانتقادات الدولية والأمريكية، وخاصة من الكونجرس. وعبر تسليط الضوء على المساهمة الاقتصادية السعودية في الاقتصاد الأمريكي، استخدم الرئيس حق الفيتو ضد تشريع من الحزبين لوقف مبيعات الأسلحة والمساعدات العسكرية الأخرى للمملكة بسبب مشاركتها في الحرب في اليمن.

والآن، تحسباً لدخول "جو بايدن" إلى البيت الأبيض، سيتعين على "بن سلمان" تعديل سياسات المملكة للحفاظ على العلاقات مع الإدارة الجديدة، خاصة مع الرفض الواسع بين الديمقراطيين والرأي العام الأمريكي لخطوات معينة اتخذتها السعودية وأبرزها مقتل الصحفي "جمال خاشقجي" والعمليات العسكرية السعودية في اليمن.

وكانت هناك توترات حادة بين السعودية والولايات المتحدة خلال فترة "أوباما"، وتخشى الرياض الآن من تبنى واشنطن سياسات أكثر صرامة لمنع سجن النساء والناشطين في مجال حقوق الإنسان. وقد أكد "بايدن" خلال حملته الانتخابية أن واشنطن بحاجة إلى إعادة تقييم علاقاتها مع الرياض. كما أعربت الرياض عن قلقها من أن تكون إدارة "بايدن" أكثر انفتاحًا على حركات الإسلام السياسي في المنطقة.

وخلال الفترة الماضية، كانت إدانة "بايدن" للقيادة السعودية قاسية لكن من السابق لأوانه تحديد مدى ترجمة خطاب الحملة إلى سياسة أمريكية فعلية. فقد انتقد "ترامب" السعوديين بشدة خلال حملته الانتخابية الأولى، لكن المصالح تغيرت على مدار فترة ولايته، ومنحت الولايات المتحدة للسعوديين مساحة كبيرة على الصعيدين المحلي والإقليمي.

بالإضافة لذلك، هناك قلق متزايد بين حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من أن التحديات الداخلية الأمريكية والاتجاه المستمر لتقليل المشاركة العسكرية في المنطقة، ستجعل الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة على أجندة الإدارة المقبلة، على الأقل في البداية.

ويخشى السعوديون من تغيير السياسة الأمريكية تجاه إيران، بما في ذلك تخفيف العقوبات والعودة المحتملة إلى الاتفاق النووي، دون أخذ المصالح السعودية في الاعتبار، وخاصة مع امتلاك طهران لترسانة صاروخية هائلة ودعمها للمليشيات مثل الحوثيين في اليمن. لذلك تسعى السعودية إلى المشاركة في جميع المفاوضات المحتملة مع إيران لتجنب النتائج غير المتوقعة وغير المرغوب فيها.

وبالرغم من الخلافات، فإن العلاقات بين الرياض وواشنطن تقوم على المصالح المشتركة وقد تغلب البلدان على الأزمات الحادة في الماضي. علاوة على ذلك، فإن الواقع المعقد في الشرق الأوسط لا يترك عادة الكثير من الوقت لاختبار المياه. ومع ذلك، من الواضح لكلا الجانبين أنه على النقيض من العلاقة الحميمة التي سادت في عهد "ترامب"، فمن المتوقع أن تدير الإدارة الجديدة العلاقات في جو أكثر عملية.

ويبدو أن الكرة الآن في الملعب السعودي، وسيتعين على المملكة إثبات أنها لا تزال حليفًا حيويًا للولايات المتحدة؛ لأن تعزيز العلاقات مع واشنطن مصلحة كبرى للسعوديين وعامل حاسم في مستقبل "بن سلمان". ولكن الرياض لن تكون وحدها في هذه العملية حيث سيتنافس جيرانها القطريين والإماراتيين على كسب الإدارة الجديدة. وسيُطلب من الجميع إجراءات ملموسة فيما يتعلق بالحريات الفردية والحرية السياسية والمشتريات الأمنية المستمرة من الولايات المتحدة والعملية السياسية بين (إسرائيل) والفلسطينيين.

وفي هذا السياق، يبدو أن السعودية قد بدأت بالفعل في إرساء الأساس لتطبيع محتمل مع (إسرائيل)، وهي تفكر الآن في الثمن الذي قد تدفعه وأفضل توقيت لذلك. ويبدو أن ذلك تم مناقشته في لقاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني في السعودية بين ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو".

وعلى عكس الإمارات والبحرين، فإن السعودية لديها حساسيات وقيود أكبر في الداخل والخارج بشأن التقارب مع (إسرائيل). ومن المرجح أن تكون المملكة مهتمة بمنح الرئيس الأمريكي القادم "هدية التطبيع" مع (إسرائيل) من أجل تسوية التوترات القائمة معه.

ومع ذلك، إذا اتخذت السعودية خطوات في هذا الصدد قبل أن تتولى الإدارة الجديدة، فمن المرجح أنها ستسعى إلى الاستفادة من ذلك في التأثير على نهج الرئيس القادم تجاه المملكة. ويبدو أن إدارة "بايدن" ستدعم عمليات التطبيع بين (إسرائيل) والدول العربية، ولكنها لن تكون في عجلة من أمرها بشأن هذه الترتيبات. كما أن هناك "هدية" أخرى قد تمنحها الرياض ومعها أبوظبي لـ"بايدن" وهي تحسين العلاقات مع قطر وإنهاء الأزمة بين دول الخليج التي تتعارض مع المصالح الأمريكية في المنطقة.

وعلى عكس "أوباما" في أيامه الأولى كرئيس، فإن "بايدن" سياسي مخضرم يعرف الشرق الأوسط والطرق التي يعمل بها حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. لذلك من المرجح أن يتخذ مقاربة عملية وأقل أيديولوجية من "أوباما"، بالرغم أن المطالبة بحماية حقوق الإنسان ستكون أكثر وضوحًا مما كانت عليه في عهد "ترامب".

ويمكن أن تكسب السعودية نقاطًا من الإدارة الجديدة من خلال بعض الخطوات مثل الإفراج عن ناشطين حقوقيين بارزين مثل الناشطة "لجين الهذلول" والمدون "رائف بدوي". ومن المتوقع أيضًا أن تطالب الإدارة الأمريكية السعوديين باتخاذ خطوات ملموسة على المدى القصير نحو حل سياسي محتمل للحرب في اليمن.

في الواقع، قد تكون فرص "بايدن" في إنهاء الحرب في اليمن أقوى، خاصة مع رغبة الرياض الواضحة في وضع هذا الفصل خلف ظهرها مع تزايد التكلفة الاقتصادية والسياسة لهذه الحرب، لكن الرياض لا تريد أن ينتج عن الحل في اليمن بقاء عنصر موال لإيران على الأرض يهدد أمنها.

وتعد العقبة الرئيسية هي أن المملكة ليس لديها استراتيجية واضحة للخروج من الحرب، أما الحوثيين، الذين لهم اليد العليا الآن، فليس لديهم مصلحة في تغيير الوضع الراهن الذي يمنحهم القوة العسكرية والقدرة على التأثير على مستقبل اليمن.

خلاصة القول هي أن السعودية، بالرغم من تراجع مكانتها وتأثيرها في السنوات الأخيرة، إلا أنها لاعب إقليمي وعالمي رئيسي يصعب تجاهله؛ حيث يعتبر وزنها الاقتصادي والديني والسياسي رصيدًا مهمًا لأي إدارة أمريكية تسعى لعرقلة التقدم الإيراني وتقليل التدخل الصيني والروسي في المنطقة.

وتحتاج السعودية أيضًا إلى الشراكة مع الولايات المتحدة، التي لا تزال القوة العالمية الوحيدة التي يمكنها أن تقدم للمملكة مجموعة من القدرات الاستراتيجية والسياسية التي تتجاوز بكثير ما يمكن لمنافسيها الآخرين تقديمه. ومن المتوقع أن يسمح هذا التقارب في المصالح لكلا البلدين بالتغلب على الخلافات ومواصلة الارتباط الوثيق الذي ميز علاقاتهما في السنوات الأخيرة.

بالإضافة إلى ذلك، تولي كل من واشنطن والرياض أهمية لموقف (إسرائيل) في سياق العلاقات الأمريكية السعودية. ومن المحتمل أن تسعى الإدارة الأمريكية الجديدة إلى استخدام رغبة السعودية في اتخاذ خطوات تجاه (إسرائيل) كوسيلة ضغط لدفع الحوار والترتيبات مع الفلسطينيين. 

المصدر | يوئيل جوزانسكي، إلداد شافيت/معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي- ترجمة وتحرير الخليج الجديد