الاثنين 6 سبتمبر 2021 03:04 ص

في الأسبوع الماضي، استضاف العراق قمة إقليمية تهدف إلى تشجيع الخصمين اللدودين، السعودية وإيران، على حل خلافاتهما وتخفيف التوترات في العديد من البلدان في الشرق الأوسط التي أصبحت ساحات معارك بالوكالة.

ويمكن للمصالحة بين الطرفين أن تمهد الطريق للسلام في اليمن، وتنقذ لبنان من الانهيار التام، وتساعد على انتعاش الاقتصاد العراقي، وربما حتى سوريا في الوقت المناسب.

وبالرغم من الإشادة بالعراق لفتحه أبوابه لمناقشة نهاية محتملة للحرب الباردة التي دارت رحاها بين الرياض وطهران من أجل الهيمنة على العالم الإسلامي، إلا أنه لم يتم تحقيق أي تقدم.

واتفق وزيرا الخارجية السعودي والإيراني على مواصلة المحادثات، التي بدأت في أبريل/نيسان الماضي، بعد أيام فقط من بدء إدارة "بايدن" حوارا غير مباشر مع إيران لإحياء الاتفاق النووي الإيراني، المعروف أيضا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة.

لكن المحادثات السعودية الإيرانية تعثرت بسبب إصرار إيران على تعزيز مكاسبها باستخدام ميليشياتها المسلحة، وعدم اليقين بشأن مصير خطة العمل الشاملة المشتركة، وغياب الضمانات الأمنية من الولايات المتحدة التي تعتمد عليها السعودية.

وتحرص الحكومة الإيرانية على استئناف العلاقات الدبلوماسية مع السعوديين، الأمر الذي من شأنه أن يساعدها على ترسيخ شرعيتها الدولية المتنازع عليها حاليا وربما إرساء الأساس لمشاركة إقليمية أكبر، اقتصادية واجتماعية، من شأنها أيضا تعزيز الحكومة محليا.

وتريد إيران أن تظهر لشعبها أنها ليست معزولة تماما، وأن الضيق الاقتصادي الذي تعاني منه ناتج إلى حد كبير عن العداء الأمريكي، وليس تدخلات النظام المكلفة في الشرق الأوسط، التي أصبحت هدفا للاحتجاجات الغاضبة.

ويمكن لحكومة الرئيس الإيراني الجديد "إبراهيم رئيسي"، الاعتماد على بعض الدعم المحلي لهذه الرواية، خاصة بعد فوز "رئيسي" في الانتخابات.

وبالطبع يتمتع بالدعم الكامل من المرشد الأعلى "علي خامنئي" والفصائل المتشددة مثل تلك التي تهيمن على الحرس الثوري.

لكن من غير المرجح أن يهدئ ذلك الاحتجاجات في إيران التي اشتكت من أن سياسة دعم الميليشيات من لبنان إلى اليمن مكلفة للغاية بينما يشح المال في الداخل، ولا تؤدي إلا إلى مزيد من العقوبات.

والتعقيد في هذا السيناريو هو أن "رئيسي" لا ينوي كبح جماح تلك الميليشيات أو الموافقة على تغييرات في الاتفاق النووي.

ويثير تطوير إيران للصواريخ الباليستية طويلة المدى، التي تود الولايات المتحدة تضمينها في محادثات أخرى، تهديدا خاصًا للسعودية.

وطالما أن إيران غير مستعدة للتنازل على هذه الجبهات الرئيسية، فإن السعوديين ببساطة لا يرون احتمال التوصل إلى اتفاق.

ولخص "سيد حسين موسويان" صانع السياسة الإيرانية الذي خدم في فريق الدبلوماسية النووية الإيراني في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي عام 2015، تفكير الرئيس الإيراني، قائلا: "كما أفهم، سيكون نهج رئيسي هو التزام مجموعة "5+1" وإيران بخطة العمل الشاملة المشتركة كما هي، الامتثال الكامل مقابل الامتثال الكامل".

ويعني هذا أن القضايا الأوسع التي تعتبرها الولايات المتحدة وحلفاؤها مثل السعودية، ناهيك عن إسرائيل، خطوات تالية مهمة، ليست مطروحة حاليا على الطاولة.

وقال "سايمون هندرسون"، الزميل في معهد "بيكر" ومدير برنامج "برنشتاين" حول الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن، إنه يعتقد أن إيران ستستمر في دعم الميليشيات عبر ما يسمى بالهلال الشيعي.

وقال "هندرسون": "أي تعديل سيكون لأسباب تكتيكية وليست استراتيجية".

وامتلأ حفل تنصيب "رئيسي" بحشد من قادة الميليشيات غير الحكومية التي تدعمها إيران، وقد أمضى العديد منهم أعواما أو عقودا في مجابهة النفوذ السعودي في المنطقة لصالح الوجود الإيراني.

ومن المؤكد أن وجودهم وبروزهم في الحدث لم يعزز الثقة السعودية في المحادثات.

وقال "جوست هيلترمان"، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، إن إيران ترى هؤلاء الشركاء المسلحين على أنهم حاسمون لموقفها في المنطقة المحيطة.

ومع ذلك، أضاف "هيلترمان" أن هذه الميليشيات تتبع أيضا أجندة محلية لا تتوافق دائما تماما مع التصميم الإقليمي لإيران.

وأضاف: "يمكن أن يصبح الأمر أكثر إثارة للاهتمام إذا تجاوزت هذه المجموعات بيئاتها المحلية. ويمكن أن يحدث هذا بشكل خاص في العراق، حيث يمكن أن تتعارض الميليشيات المدعومة من إيران، بالإضافة إلى العديد من الميليشيات الأخرى، مع المشاعر الشعبية عندما تتصرف بشكل خاص بعنف داخل الدولة دون محاسبة، أو حين ينظر إليها على أنها تقاتل نيابة عن إيران بدلا من خدمة المصلحة الوطنية العراقية".

وفي لبنان أيضا، ازداد النقد الموجه إلى "حزب الله".

وبالرغم من أن الجماعة لا تزال تتمتع بدعم واسع في معاقلها، إلا أنها تفقد قوتها في بقية البلاد.

ويلقي معظم الناس في لبنان باللوم على النخبة السياسية في تفشي الفساد وتدمير اقتصاد البلاد.

لكن الكثيرين يرون أيضا أن حزب الله هو السبب وراء إحجام الولايات المتحدة والسعودية عن إخراج البلاد من أزمتها المالية.

ويبدو أن ومضات المعارضة الإقليمية للمشروع الإيراني، إلى جانب احتمال انهيار محادثات خطة العمل الشاملة المشتركة، أعطت السعوديين الإحساس بأن نفوذهم قد ينمو على إيران.

وقد يأملون حتى في أن يؤدي عناد إيران إلى انهيار محادثات فيينا، ما يترك إيران تحت العقوبات لتكون أقل قدرة على دعم أهدافها الإقليمية الأوسع.

وبدلا من تقديم أي تنازلات لمساعدة إيران، تفضل السعودية إبقائها على مسارها وتعميق عزلتها.

وقال "علي فايز"، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إنه إذا لم تتم استعادة الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران، فإن "طهران وواشنطن ستظلان في حالة خنق متبادل، وفي ظل هذه الظروف، فإن وقف التصعيد بين إيران والسعودية غير مرجح، إن لم يكن مستحيلا".

وأضاف أن أي حل بين الخصمين الإقليميين سيعتمد على تقسيم مناطق النفوذ.

وقال "فايز: "في نهاية المطاف، سيتعين على البلدين الاتفاق على مجموعة من القواعد لتحديد مناطق النفوذ في المنطقة".

ويشير المحللون إلى أنه فيما يتعلق بالتنازلات المتبادلة، فإن سوريا هي ثمرة معلقة للسعوديين، واليمن يمثل نفس الأمر للإيرانيين.

ويمكن أن تنضم السعودية إلى الإمارات في الضغط من أجل الاعتراف الدبلوماسي بنظام "الأسد"، بينما يمكن لإيران أن تدفع حلفاءها المحليين الحوثيين إلى صفقة مع "حكومة" اليمن التي تدعمها السعودية.

ويمكن إيجاد حلول وسط لكل من العراق ولبنان.

لكن إيران ترى في مثل هذه الفكرة بمثابة رد فعل غير ضروري؛ فقد قام حلفاء إيران المحليون، بما في ذلك الجيش السوري و"حزب الله"، بدعم روسي بالفعل، بطرد جماعات المعارضة التي يقودها السنة من الأراضي التي يسيطر عليها النظام في سوريا، وينتصر الحوثيون حاليا في الحرب في اليمن.

وقد نجحت إيران بالفعل في زرع وكلاء داخل حكومتي العراق ولبنان.

ولقد وسعت إيران نفوذها في الشرق الأوسط، وبهذا المعنى فقد انتصرت في الحرب غير التقليدية التي تخوضها.

لكن العديد من دول المنطقة، بما في ذلك إيران نفسها، بائسة اقتصاديا.

فهي إما غارقة في صراعات نشطة، أو تضعفها آثار الحروب والعقوبات، أو تعاني مثل لبنان من أزمات مالية مفروضة عليها.

وليس لدى السعوديون في الوقت الحالي الكثير ليحصلوا عليه من الاعتراف بانتصارات إيران وترسيخها.

وإلى أن يتغير ذلك، فإن الإيرانيين، وكذلك مواطني الدول الأخرى العالقين في وسط التنافس السعودي الإيراني، سيستمرون في الخسارة.

المصدر | أنخال فورا - فورين بوليسي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد