السبت 28 مايو 2022 12:40 ص

نزل الآلاف إلى شوارع العاصمة تونس، يوم الأحد الماضي، للاحتجاج على استيلاء الرئيس التونسي "قيس سعيّد" على كافة السلطات.

ووصفت المظاهرة باعتبارها الأكبر منذ 25 يوليو/تموز 2021.

وبالرغم أن تلك المظاهرة كانت مهمة من ناحية العدد، فقد كشفت عن غير قصد عن مدى الدعم المحدود للمعارضة، كما كشفت الصعوبات المستمرة في تشكيل جبة معارضة متماسكة قادرة على استعادة النظام.

وفيما سعى "سعيّد" سابقًا إلى تقييد الاحتجاجات من خلال نشر قوات الأمن لمضايقة المتظاهرين والحد من حركتهم، يبدو أنه لم تكن هناك جهود مماثلة فيما يتعلق بالمظاهرة الأخيرة.

وبالنسبة إلى "سعيّد"، بدأت الاحتجاجات في اتباع نمط منتظم بشكل مريح يشغل بموجبه المتظاهرون الشارع الرئيسي في العاصمة لبضع ساعات، ويهتفون ضده، ويستمعون إلى الخطب ذاتها من شخصيات سياسية لا تحظى بشعبية قبل أن يغادروا إلى منازلهم.

وبالرغم أن أعداد المتظاهرين تكفي لجذب اهتمام وسائل الإعلام، إلا أنها ليست كافية لدفع الجيش أو القوات الأمنية للتخلي عن دعم الانقلاب.

والأهم من ذلك، أن "سعيّد" صار مرتاحًا بشكل متزايد للتصور العام المتنامي بأن المتظاهرين في الداخل والخارج هم في المقام الأول من مؤيدي حركة "النهضة" وليسوا انعكاسًا للشعب.

وكان لهذا التصور تداعيات كبيرة ليس فقط على مدى التعاطف الشعبي، ولكن أيضًا على كفاح المعارضة لتشكل جبهة موحدة.

تصورات مضللة عن "النهضة"

بالرغم أن "النهضة" حكمت بشكل فعلي فقط في فترة 2011-2013، يعتقد الكثيرون أنهم كانوا القوة الدافعة وراء السياسة الفاشلة في السنوات العشر الماضية.

وبالرغم من هزيمتهم الانتخابية في عام 2014 أمام "الباجي قائد السبسي" رئيس حركة "نداء تونس"، وعلى الرغم من أن الحكومة اللاحقة لـ"يوسف الشاهد" كانت تحكم وفقا لتوجهاته في فترة 2015-2019، إلا أنه لا يزال هناك تصور شعبي بأن "النهضة" كانت القوة الأساسية طوال السنوات العشر الماضية، وبالتالي فهي المسؤول الأساسي عن الفشل في تحقيق أهداف ثورة 2011.

وعادة ما يغفل أي نقاش حول واقع "النهضة" تأثير وسائل الإعلام المحلية التي قال "نبيل قروي" إن 90% من التونسيين يشاهدونها، على عكس البلدان الأخرى التي تحصد فيها وسائل الإعلام الأجنبية مشاهدات أكثر من المحلية.

كما لا يوجد اهتمام كافي بالتحديات التي واجهها الحزب عندما تفادى انقلابًا في 2013 حين قام رئيس المجلس التأسيسي "مصطفى بن جعفر" بإغلاق مبنى البرلمان ومحاولة ركوب موجة انقلاب "السيسي" في مصر لمحاولة تكرار الانقلاب في تونس، بالإضافة لما تعرضوا له حين حاولوا التصدي للجهود المدعومة إماراتيًا لعزلهم ما دفعهم لدعم حكومة "السبسي" مقابل نجاتهم.

وغالبًا ما يتم تقديم الروايات بطريقة مبسطة تؤكد على أن "النهضة" هي الطرف الوحيد الذي تم تمثيله باستمرار في كل حكومة وبرلمان منذ عام2011 مما يستدعي الإدانة واللوم على الأزمات التي يعاني منها التونسيون.

إقصاء المعارضة لـ"النهضة"

ويدرك العديد من الشخصيات والحركات المعارضة لانقلاب "سعيد" المستوى الذي وصلت له سمعة "النهضة" لدى الرأي العام، مما جعل هناك ميلًا إما للنأي بالنفس عنهم بقدر الإمكان، أو تخفيف الصلة معهم في أي تحالف يشاركون فيه.

ومع أن حركة "تونسيون ضد الانقلاب" مدعومة من قبل "النهضة"، كما أن الأشخاص الذين يستجيبون لدعواتهم للنزول إلى الشوارع هم من مؤيدي "النهضة"، إلا إن قيادة الحركة تتألف بالكامل تقريبًا من أشخاص خارج "النهضة"، فيما يعد تنازلًا واضحًا من الحزب، مع سعيه لإنشاء تحالف يشمل أحزابًا أخرى وشخصيات متباينة عبر الطيف السياسي.

وحاولت "النهضة" لأشهر أن تعقد جلسة برلمانية افتراضية لتحدي قانون الطوارئ الذي يفرضه "سعيد"، لكنها واجهت صعوبة في تجميع الـ109 عضوًا المطلوبين لتشكيل أغلبية البرلمان المعلق.

وعندما جمعت أكثر من 109 نائبًا في نهاية المطاف، لم يرأس "الغنوشي" الجلسة مما غذى التكهنات بأن النواب من خارج "النهضة" فرضوا شرطًا في مقابل حضورهم بألا يرأس "الغنوشي" الجلسة.

كما ذكرت شخصيات معارضة أخرى مثل الرئيس الأسبق "منصف المرزوقي" أنه ينبغي استعادة البرلمان لكن يجب أيضا أن يستقيل "الغنوشي" من رئاسته.

حتى تشكيل "جبهة الخلاص الوطني" الجديدة يعكس مأزق "النهضة" في مقاومة الانقلاب.

فلتسهيل إنشاء الجبهة، اختارت "النهضة" دعم السياسي "نجيب الشابي" رغم المشاكل التي تحيط به، بالنظر إلى أنه قد يكون قادرًا على جذب مجموعة أوسع من الحلفاء في الداخل والخارج.

يشار إلى أن "الشابي" فشل باستمرار في صندوق الاقتراع منذ عام 2011 كما أنه دعم تعليق البرلمان وتعديل الدستور.

ويعني دعم "الشابي"، الذي لم يغير رأيه فيما يتعلق بالبرلمان والدستور، أن "النهضة" اعترفت بالواقع الجديد وتحاول تجرع مرارة "الشابي" في مقابل تليين موقف "سعيّد".

وبالرغم أن هذه تبدو براجماتية خالصة من جانب "النهضة"، فإن هذه الخطوة تعكس وعيًا بحقائق تجربة تونس الديمقراطية.

ولم يكن فوز "سعيّد" الكاسح عام 2019 نتيجة شعبيته بل نتيجة الرفض الكبير لزعيم ثاني أكبر حزب في البرلمان.

وبعبارة أخرى، كان رفض زعيم "قلب تونس" هو الدافع وراء اتجاه التونسيين (غير المسيسيين) إلى صندوق الاقتراع لمنعه من أن يصبح رئيسًا.

وحتى لو لم يدعم التونسيون انقلاب "سعيد"، فقد كان هناك الكثير من الاستياء تجاه البرلمان الذي فشل في تلبية تطلعات التونسيين، وكذلك الأحزاب السياسية التي يرى التونسيون أنها استفادت من التجربة الديمقراطية دون أن تقدم لهم شيئا.

لذلك، هناك حاجة إلى استراتيجية جديدة تظهر تفهما لمظالم الناس المشروعة مع توجيه السخط المتزايد نحو عجز "سعيد" عن الوفاء بوعوده بشأن تخفيف المصاعب الاقتصادية الرهيبة.

لا مبرر لنبذ الديمقراطية

ومع ذلك، فإن ميل المعارضة للاستفادة من هذا الوضع لتقويض "النهضة" ليس أمرًا موفقًا.

وبالرغم أن "النهضة" خسرت شعبيتها، إلا أنها لا تزال العمود الفقري لمعارضة الانقلاب والتنظيم الأكثر فعالية على الصعيد المحلي والخارجي.

وكانت "النهضة" الحركة الوحيدة التي نجحت في حشد الآلاف خلال الاحتجاجات المناهضة للانقلاب.

وبدون دعم "النهضة"، من المحتمل ألا تزيد الاحتجاجات المناهضة للانقلاب عن بضع مئات مثل الذين استجابوا لدعوة "سعيد" إلى الاحتشاد في وسط تونس في 8 مايو/أيار.

بعبارة أخرى، فإن شخصيات المعارضة الأخرى ستعجز عن فرض نفسها دون دعم "النهضة".

والأهم من ذلك، أن تراجع شعبية "النهضة" ليس مبررا لتخريب العملية الديمقراطية، بل يفترض أن يكون هذا زخمًا إضافيًا يدفع شخصيات المعارضة للتمسك بالديمقراطية باعتبارها السبيل الوحيد للتغيير.

ويعتبر المغرب مثالا واضحا في هذا الصدد حيث نجحت الديمقراطية في استبعاد الحزب الإسلامي الذي كان مهيمنًا (مثل النهضة) من خلال عملية تصويتية شارك فيها المغاربة العاديون.

لذلك يجب أن تتمسك المعارضة  بفكرة أن الغضب الشعبي من "النهضة" يجب أن يتجلي في صندوق الاقتراع وليس في انقلاب يهدد بوقوع البلاد مجددًا في براثن الديكتاتورية.

بذلت "النهضة" جهودًا كبيرة (وقدمت العديد من التسويات) لإنشاء جبهة موحدة، لكن لا يزال هناك جدل كبير بين المعارضة التي تعتقد - خطأً - أن وجود "النهضة" أسوأ من انقلاب "سعيد".

وحتى لو تراجعت الحصة التصويتية لـ"النهضة"، فإن حركات المعارضة الأخرى تفتقر إلى الدعم الشعبي أو القدرة على إقناع الناس بأنهم بديل قابل للتطبيق، وهذا بالضبط ما يخيف الشخصيات والحركات المعارضة من "النهضة".

وهذا هو السبب الذي يجعلهم يفضلون "حوارًا وطنيًا" يسمح لهم بممارسة نفوذ (لا يتناسب مع قوتهم الحقيقية) يمكّنهم من تقييد "النهضة" دون الحاجة إلى تأمين تفويض شعبي بذلك.

وتتمثل المأساة في تونس اليوم في أن العديد من القوى السياسية في المعارضة لا تزال تكره "النهضة" فقط لأنهم لا يستطيعون هزيمتها في الانتخابات، بالرغم أن انقلاب "سعيّد" يهدد بالقضاء عليهم جميعًا.

وتبدو تونس في طريقها إلى الديكتاتورية الكاملة في الوقت الذي  تركيز فيه المعارضة على كيفية مقاومة انقلاب "سعيد" دون أن تسفيد "النهضة".

المصدر | سامي حمدي/ إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد