الأحد 14 أغسطس 2022 09:46 ص

"محاولة لتعقيم سجل حقوق الإنسان في مصر، قبل أن تستضيف مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في نوفمبر، وربما للإشارة إلى تنازلات لشعب يتعرض لضغوط شديدة بسبب ارتفاع الأسعار".. هكذا وصفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية حالات الإفراج عن عدد من معتقلي الرأي مؤخرا في مصر.

وخلال الأسابيع الماضية، أطلقت السلطات المصرية، ناشطين وإعلاميين وحقوقيين، بناء على توصيات من لجنة العفو التي أعاد تشكيلها الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، مع الإعلان عن بدء حوار وطني، هو الأول في البلاد منذ توليه السلطة.

وفي الوقت الذي قالت اللجنة إنها تنظر في أمر نحو ألف من المحبوسين، يقول محامون إن السلطات تقوم باعتقالات جديدة كل يوم، مشيرين إلى أن ما لا يقل عن 33 ممن أطلق سراحهم منذ أبريل/نيسان الماضي، قد جرى إيداعهم في الحجز مرة أخرى بموجب اتهامات جديدة.

"هناك الكثير من الأشياء التي لا نفهما تحدث، ولكنها جيدة لنا".. هكذا تحدث المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات (غير حكومية) "محمد لطفي"، وهو ينتظر خارج سجن طره (جنوبي القاهرة)، خروج الناشط الحقوقي "علاء رمضان"، الذي قضى 3 أعوام في محبسه.

وأوضح "لطفي"، أن معدلات الإفراج عن السجناء من أواخر أبريل/نيسان إلى أواخر يونيو/حزيرا هي تقريبا نفس معدلات العامين الماضيين، وأن عدد القضايا الجديدة المعروضة على نيابة أمن الدولة يقارب أعداد حالات الإفراج.

وأضاف: "المكسب الوحيد هو اعتراف الحكومة أخيرا بوجود مشكلة حول قضية السجناء السياسيين ويجب التعامل معها".

ومعظم الذين أطلق سراحهم في ذلك اليوم مع "رمضان"، كانوا قد انتظروا قرابة 3 أعوام كذلك، ليروا نور الحرية من الجديد، ودون أن يعلموا ماهية التهم التي كانوا قد اعتقلوا بموجبها، ودون أن يعرضوا على أي محاكمة رسمية، حسب الصحيفة.

ولا أحد خارج دائرة صنع القرار المقربة من "السيسي" السرية، يعرف السبب بالضبط، أو لماذا الآن قد جرى الإفراج عنهم، ولكن بالنسبة للعشرات من الأصدقاء وأفراد الأسرة المنتظرين خارج سجن طرة، فقد كان الأمر مبعثا للفرح والبهجة بعد أيام وشهور طوال من الانتظار القاسي.

وتقول "لبنى منيب"، منتجة البودكاست التي احتُجز والدها وابن عمها وصديقتها في السنوات الأخيرة: "هذه هي المرة الأولى منذ 2018 التي لا يوجد فيها أي شخص أهتم به حقًا لا يزال قابعا في السجن"، مردفة: "أنها أوقات سعيدة".

وكان قد جرى إطلاق سراح ابن عم "لبنى" في العام 2019، بينما أفرج عن والدها في السنة الماضية، وذلك قبل أن تقر عينها بالإفراج عن صديقتها "خلود سعيد"، المترجمة والباحثة في مكتبة الأسكندرية الشهيرة.

واعتقلت "خلود سعيد" في أبريل/نيسان 2020، بعد كتابتها منشورات في موقع "فيسبوك"، تنتقد فيها أداء الحكومة وبعض التفاصيل السياسية في البلاد، وذلك قبل أن تتهم بالانضمام إلى "جماعة إرهابية"، ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن دون أن توجه إليها اتهامات رسمية أو تعرض على أي محكمة.

وبين الحشود التي كانت تنتظر خروج سجناء من سجن طرة، كان هناك من يقف متبرما بانتظار أن يسمح له بزيارة قريب أو صديق لا يزال عالقا وراء القضبان، وبعضهم أحضر معه الكثير منهم الأدوية وأكياس الطعام البلاستيكية، رغم أنهم يعرفون أنه قد لا يُسمح لهم بإعطائها للسجناء بسبب تغير التعليمات باستمرار.

يقول حقوقيون ومحامون، إن السلطات تمنع أحيانا إدخال الخضار والفواكه، خوفا من أن يكون بداخلها شرائح هواتف ذكية.

وخلال ترحبيه بإطلاق سراح الطبيب والناشط "وليد شوقي"، يقول رئيس حزب الدستور السابق "خالد داود" للأخير: "أفضل شيء حدث لك هو وجود ابنتك نور (5 أعوام) في حياتك"، وذلك بعد أن قال طبيب الأسنان الذي أمضى 4 سنوات في السجن الاحتياطي أنه لا يشعر بأي شي حاليا، وأنه ما زال يخطو خطواته الأولى بصعوبة.

ويؤكد "داود"، إن رؤية العائلات تنتظر الزيارة ملأه بالذنب إزاء ما عاناه أحباؤه، فأثناء وجود بالسجن لمدة 8 أعوام ماتت أخته، بينما أصيب والده بالسرطان، والذي توفي بعد وقت قصير من إطلاق سراحه.

لكن منذ خروجه العام الماضي، يحاول "داود" الذي كان مقربا من المرشح الرئاسي الأسبق "محمد البرادعي"، المضي قدمًا في حياته، فقد تزوج وأنجب ابنة، بالإضافة إلى دعوته للمشاركة في الحور الوطني، ولكنه يقول إن لديه لديه مطلب واحد للمشاركة، وهو إطلاق سراح أصدقائه أولاً.

وتقول الحكومة المصرية إنها أفرجت عن 700 شخص على الأقل، بينما تقدر المعارضة الرقم بحوالي 400.

لكن حتى بعد مغادرة السجناء السياسيين للاحتجاز، تظل الأغلال موجودة بالنسبة للكثيرين، فقضاياهم لم تغلق مما يسمح باستئناف محاكمتهم في أي وقت.

وينبغي على بعضهم مراجعة مراكز الشرطة لإجراء عمليات تسجيل وصول ليلية أو أسبوعية أو في مناسبات سنوية سياسية محددة، بالإضافة إلى حظر السفر على آخرين.

يقول النائب البرلماني السابق "أحمد الطنطاوي"، المنتمي لحزب الكرامة (يساري) المنقسم حول المشاركة في الحوار الوطني، إن "الإفراج الواسع عن أعداد كبيرة من سجناء الرأي كان مقدمة ضرورية ولا زال. البعض كان يتعامل معه كشرط لازم، والبعض كان يقبل أن يبقى نتيجة".

ويضيف "الطنطاوي"، الذي قرر عدم المشاركة في الحوار: "لكن في كل الأحوال مش ده اللي حصل. لا تم الاستجابة له كمقدمة لازمة ولا هناك أي بوادر على أن يكون نتيجة حتمية".

يشار إلى ان تقارير تحدثت عن مغادرة "الطنطاوي" البلاد، والتوجه إلى لبنان، بعد أسابيع قليلة من إعلانه التوقف عن الكتابة.

مغادرة "الطنطاوي" المحتملة إلى لبنان، جاءت بنصيحة كثير من المقربين منه، وأبرزهم المرشح الرئاسي السابق "حمدين صباحي"، الذي تم إبلاغه من جهات سيادية بضرورة إبعاد البرلماني السابق من المشهد السياسي.

ونقل موقع "مدى مصر" (مستقل) عن مصادر مطلعة قولها، إن "صباحي" أبلغ من قبل مسؤولين سياديين أن جود و"الطنطاوي" بالمشهد السياسي وكتاباته المناهضة لـ"لسيسي" تعرقل خطوات "الحوار الوطني" المرتقب، مصحوبة بوعود من السلطة بالإفراج عن مئات المحبوسين في الأيام المقبلة.

وكان "السيسي"، دعا خلال حفل إفطار الأسرة المصرية، نهاية أبريل/نيسان الماضي، إلى حوار سياسي مع كل القوى، دون استثناء أو تمييز، بالإضافة إلى إعادة تشكيل لجنة العفو الرئاسية لإصدار توصيات بالإفراج عن بعض المعتقلين في قضايا سياسية، أو ممن ما زالوا يخضعون للمحاكمة.

وتبع تلك الدعوة بأخرى في 21 مايو/ أيار الماضي للمشاركين في الحوار الوطني المرتقب للاطلاع على البيانات الحكومية، ومذاكرة ما تم تنفيذه جيدًا قبل توجيه ملاحظات عليها خلال جلسات الحوار، قائلًا: "هنستني وهنسمع وهنكلم أحبابنا في كل ما يطرحوه".

وحدد الرئيس الشروط التي يجب توافرها في المشاركين بالحوار إذا أرادوا توجيه ملاحظات لأداء الحكومة، بقوله: "هنسأل الملف منتبه له كويس قبل ما تتكلم فيه مذاكره.. البيانات متوفرة على مواقع الحكومة وعلى موقع رئاسة الجمهورية".

واستكمل: "وفي النهاية تقول أنا شايف أنكم عملتوا.. وأتصور أنه بالعلم والتخطيط كان المفروض تعلموا كده عشان النتائج تبقى أفضل وأنا محتاج اسمع ده.. لكن متفرغوش عمل كان فيه كرم كبير من ربنا علينا كلنا".

وشدد الرئيس: "اوعى تحط رجل على رجل وتتكلم وأنت متعرفش الموضوع.. الناس بتسمعك لأن الناس تفتكر أنه كلامك ده حقيقي".

وتكهن الكثيرون أن "السيسي" كان يقصد بحديثه "الطنطاوي"، الذي أعلن توقفه عن الكتابة في 5 أغسطس/آب.

وعند سؤاله خلال مؤتمر صحفي، انعقد الشهر الماضي عن سرعة إطلاق سراح السجناء، أعرب المنسق العام للحوار الوطني "ضياء رشوان"، عن أمله في العفو الرئاسي عن المزيد من السجناء المدانين، لكنه قال إن "أمر المحتجزين احتياطيا من اختصاص النيابة".

وقال "رشوان" إن مقترحات الحوار الذي سيغطي قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية ستُعرض على "السيسي"، الذي "سيختار ما يراه الأصلح منها".

وأتيحت لبعض أفراد المجموعة الصغيرة المتبقية من الشخصيات المعارضة في مصر منصة على وسائل الإعلام المحلية الخاضعة لرقابة شديدة وذلك لأول مرة منذ سنوات.

قال "عمرو حمزاوي"، النائب الليبرالي السابق بالبرلمان الذي تشكل عقب انتفاضة 2011 والذي عاد إلى القاهرة مؤقتا للمشاركة في الحوار الوطني، إن الحوار في ظل غياب البدائل، يمكن أن يكون "أداة رئيسية لصناعة لحظة انفتاح".

وأضاف "حمزاوي"، المدير الحالي لبرنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في واشنطن: "مسألة أننا نقعد مع بعض في مكان ونعبر عن آراء مختلفة دون أن تكون النتيجة تخوين أحد أو التشكيك في وطنيته أو التشكيك في دوافعه، أن نرجع مرة ثانية نتعلم كيف نختلف ونختلف داخل الإطار الوطني المصري من غير تشكيك، تبقى مسألة مهمة جدا".

وفي 5 يوليو/ تموز الجاري، انطلقت أولى جلسات الحوار على مستوى مجلس الأمناء وكانت على الهواء مباشرة، وغلبت عليها كلمات من أعضاء المجلس لتوضيح الرؤى، فيما كانت الجلستان الثانية في 19 يوليو/تموز والثالثة في 30 يوليو/تموز مغلقتين، وغلب عليهما مناقشات وتصنيف القضايا، وفق المقترحات المرسلة لإدارة الحوار الوطني.

ويواجه "السيسي" انتقادات منذ سنوات، من ناشطين وبعض الزعماء الأجانب ومنهم الرئيس الأمريكي "جو بايدن"، بسبب حملته على المعارضة منذ توليه السلطة في 2014.

وتحتجز مصر عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، حسب جماعات حقوق الإنسان والباحثين، وزاد عددهم بعد الحملة التي قام بها "السيسي" لسحق المعارضة.

ووفق وثائق الصحيفة الأمريكية، فإن "هناك واحد من كل أربعة معتقلين مددت فترات احتجازهم بدون محاكمة لأكثر من عام".

وفي الأسابيع الماضية، بدأ بعض المسؤولين بالاعتراف بوجود معتقلين سياسيين، وأن الضرورة دعت لذلك من أجل إعادة الاستقرار بعد "الربيع العربي" عام 2011.

وتقدر منظمات حقوق الإنسان عدد المعتقلين في مصر بـ60 ألفا؛ بمن فيهم أولئك الذين ينتظرون المحاكمة ومن صدرت ضدهم أحكام والذين اتهموا بالإرهاب، وكذا من رأت السلطات أنهم يحملون "أفكارا سياسية منحرفة".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات