السبت 8 مايو 2021 08:57 م

يسعى الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" إلى تجاوز الخلافات مع السعودية ومصر، لكن ذلك لن يكون سهلا. وفي الوقت الذي يدفع فيه "أردوغان" باتجاه المصالحة، يبدو أن العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبدالعزيز آل سعود" والرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" ما يزالا في وضع الانتظار.

وتري الرياض والقاهرة أن تحركات "أردوغان" تأتي نتيجة الضغوط والتحديات التي تواجهها أنقرة، بما في ذلك العلاقات المتوترة مع إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن".

وقالت زميلة السياسة العامة في برنامج الشرق الأوسط في مركز ويلسون "أمبرين زمان": "تمثل مبادرات تركيا تراجعا حادا عن المواقف السابقة. ويبدو أن أردوغان أدرك أن السياسة السابقة أصبحت متعثرة".

في مصر.. الأمر يتعلق بليبيا والإخوان

وبالنسبة لـ"أردوغان"، بدأت المشاكل عندما دعمت السعودية والإمارات الانقلاب الذي أطاح بالرئيس المصري "محمد مرسي" عام 2013. وكان صعود "مرسي" بعد سقوط الرئيس المصري الأسبق "حسني مبارك" علامة على صعود جماعة "الإخوان المسلمون" التي تعتبرها دول الخليج تهديدا.

ولكن بعد 8 سنوات، وفي ظل التحديات الداخلية والخارجية التي يواجهها الحزب الحاكم في تركيا، يتطلع "أردوغان" إلى الحد من الاحتكاكات في المنطقة. وتعد مصر دولة كبيرة اقتصاديا وسياسيا ما يعني أن الفرص فيها عالية جدا، الأمر الذي يجعل إصلاح العلاقات معها أمرا مهما بالنسبة لأنقرة.

ووصفت وزارة الخارجية التركية اجتماعات هذا الأسبوع في القاهرة  بأنها كانت "صريحة ومتعمقة". ويأتي على رأس جدول الأعمال موارد الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​وليبيا وبالطبع "الإخوان المسلمون".

وتسابق تركيا الزمن لترسيم الحدود البحرية وتأمين نصيبها من موارد الطاقة في شرق المتوسط. وتتحالف اليونان وقبرص وإسرائيل بشكل أساسي مع مصر، وتحاول أنقرة فصل القاهرة عن هذا التحالف وتقول إن المنطقة البحرية لمصر في شرق المتوسط من الممكن أن تكون أكبر بنحو 11 ألفا و500 كيلومتر مربع لو أنها أبرمت صفقة ترسيم الحدود مع تركيا بدلا من القبارصة اليونانيين.

وقال الكاتب التركي "فهيم تستكين": "يعرف أردوغان أن مصالح تركيا ستتطلب الجلوس وجها لوجه مع السيسي في نهاية المطاف".

ثانيا، هناك احتمال لعقد اجتماع بشأن ليبيا. ويمكن أن يبشر هذا بالخير للدولة التي يضربها الصراع منذ نحو عقد من الزمان. ودعمت تركيا الحكومة الليبية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في الحرب الأهلية. وحاليا تسعى تركيا لتعميق علاقاتها مع حكومة الوحدة الوطنية الليبية، في الوقت الذي تشرف فيه الأمم المتحدة على عملية السلام التي من المقرر أن تتوج بالانتخابات.

وتراجعت مصر بشكل أو بآخر عن دعمها للجنرال "خليفة حفتر" وتماشت مع جهود الأمم المتحدة. وكذلك فعلت روسيا والإمارات.

لكن الطريق إلى الانتخابات الليبية هش. وتريد الأمم المتحدة خروج المقاتلين الأجانب، خاصة أولئك المدعومين من تركيا وروسيا. ومع ذلك، لا يوجد أي من الجانبين في عجلة من أمره للتخلي عن هذه الأصول. وقال "مراد ميركان"، سفير تركيا لدى الولايات المتحدة، في بث صوتي على موقع "المونيتور" الشهر الماضي، إنه بينما تدعم تركيا جهود الأمم المتحدة فإن الاستقرار والأمن هشان، ما يعني أنها ليست مستعدة تماما للتخلي عن نفوذها.

ثالثا، هناك "الإخوان المسلمون" المصريون الذين توجهوا إلى تركيا فرارا من قمع "السيسي". ويريد الرئيس المصري طرد الإخوان من تركيا وإغلاق منافذهم الإعلامية. وقال "تستكين" إن "أردوغان يريد صيغة في منتصف الطريق لا تتطلب طردهم".

وكجزء من الانفتاح على القاهرة، دفعت أنقرة في مارس/آذار القنوات التلفزيونية التابعة للمعارضة المصرية ومن بينها الإخوان إلى تغيير خطابها مما أدى إلى إغلاق عدد من البرامج السياسية، لكن البرامج عادت إلى الظهور على الإنترنت بعد عدة أسابيع، وهو تطور لاحظته القاهرة بالتأكيد.

في السعودية.. البحث عن خطوات ملموسة

لكن الخلاف بين الرياض وأنقرة أعمق، ويعمل "أردوغان" بجد لإصلاحه. ويخطط وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" لزيارة السعودية في 11 مايو/أيار، وفقا لبلومبرج. وستكون هذه أول زيارة من نوعها منذ 3 أعوام.

وانهارت العلاقات بين البلدين عندما فرضت الإمارات والسعودية ومصر والبحرين حصارا على قطر عام 2017. وسرعان ما أرسلت تركيا قوات لدعم الدوحة وأنشأت قاعدة عسكرية في قطر.

وفي العام التالي، أصبح الأمر أكثر تعقيدا مع قتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية في إسطنبول. وكان لدى تركيا شرائط صوتية للقتل الوحشي، ولوّحت بنفوذها على ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، الذي تم اتهامه بالتخطيط لعملية القتل. وردا على ذلك، فرضت السعودية حظرا تجاريا على تركيا.

وبينما شعر "أردوغان" لبعض الوقت بأنه أصبح لديه أوراق ضغط على "بن سلمان"، فقد أجبرته الأحداث على إعادة التفكير. وأضر الحظر التجاري باقتصاد تركيا المتعثر، وترك إصدار تقرير المخابرات الأمريكية عن "بن سلمان" في مقتل "خاشقجي" ولي العهد واقفا على قدميه. وقالت "زمان" إن "إقامة إسرائيل لعلاقات دبلوماسية مع سلسلة من دول الخليج والمغرب قد أفزع أنقرة أيضا"، في الوقت الذي انخرطت فيه قطر في مصالحة مع جيرانها.

وكان "أردوغان" يأمل في أن تكون قناة التواصل مع الملك السعودي هي المفتاح لتهدئة العلاقات، لكن "أردوغان" كان يعلم أنه يتعين عليه القيام بشيء لتنقية الأجواء بشأن مسألة "بن سلمان" و"خاشقجي".

وفي 25 أبريل/نيسان، قدم "إبراهيم قالين"، المتحدث باسم الرئاسة التركية، لفتة من هذا القبيل، قائلا: "لديهم محكمة. وتم إجراء المحاكمات. لقد اتخذوا قرارا، لذلك نحترم هذا القرار"، في إشارة إلى الحكم السعودي على 8 أشخاص بأحكام بالسجن بتهمة القتل. وتابع "قالين" قائلا: "سنبحث عن طرق لإصلاح العلاقات مع السعودية ومصر من خلال أجندة أكثر إيجابية"، معربا عن أمله في رفع الحظر السعودي على البضائع التركية.

ومع ذلك، لم تمنع مكالمة لطيفة الأسبوع الماضي بين "أردوغان" والملك "سلمان" إغلاق العديد من المدارس التي تديرها تركيا داخل السعودية.

وقال "تستكين" إن "القاعدة العسكرية التركية في قطر، والدعم التركي المستمر للإخوان، والوجود العسكري التركي في الصومال وليبيا وسوريا والعراق، والحرب الإعلامية بين البلدين، وتعزيز العلاقات بين تركيا وباكستان، من بين أسباب الغضب الرئيسية لدى السعودية، والتي يبدو أن الرياض تنتظر بعض التغييرات الملموسة بشأنها قبل إظهار بعض الود".

توتر العلاقة مع واشنطن

ويبدو أن الوضع السيئ للعلاقات التركية الأمريكية كان له ثمن. وقد يعكس رد فعل تركيا (الخفيف حتى الآن) على اعتراف إدارة "بايدن" بما يعرف بـ"الإبادة الجماعية للأرمن" أن السياسة التركية أصبحت تركز على الدفاع أكثر من الهجوم.

وقال الباحث المتخصص في شؤون الشّرق الأوسط "جنكيز جاندار": "تركيا ليست في وضع يمكنها من التهديد بقطع العلاقات مع واشنطن وترك النظام الأمني ​​الغربي.. ولا تستطيع أنقرة فرض أي عقوبات على الولايات المتحدة. وبايدن بدوره لا يواجه سوى ثمن سياسي ضئيل لاعترافه بالإبادة الجماعية للأرمن".

وأضاف: "في وضعها الحالي، ليس لدى تركيا الكثير من الوسائل أو الأوراق الفعالة للعبها ضد بايدن. والأسوأ من كل هذا هو وعي واشنطن بهذه الحقيقة".

المصدر | المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد