السبت 12 يونيو 2021 02:17 م

دفع التصعيد الأخير للأعمال العدائية في الأراضي الفلسطينية المحتلة والرد غير المتناسب من الجيش الإسرائيلي إلى بذل جهود دبلوماسية محمومة لوقف المجزرة. ومع ذلك، وبعيدًا عن وقف إطلاق النار الهش، فإن طرق التعامل مع أسباب الصراع  تبدو كأنها عفا عليها الزمن.

وفي أعقاب وقف إطلاق النار، سافر وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكين" إلى المنطقة خلال الأسبوع الأخير من شهر مايو/أيار "لمناقشة جهود تعزيز وقف إطلاق النار والحد من مخاطر اندلاع معركة أخرى خلال الأشهر المقبلة".

والتقى "بلينكن" خلال زيارته للمنطقة بمسؤولين إسرائيليين في القدس وآخرين فلسطينيين في رام الله. وتعهد الوزير في وقت لاحق بأن بتقديم 38 مليون دولار لـ"دعم الجهود الإنسانية في الضفة الغربية وقطاع غزة". وقال "بلينكن": "ستدار هذه الأموال بطريقة تفيد الشعب الفلسطيني وليس حماس التي جلبت البؤس واليأس إلى غزة".

دور مصر

وفي وقت لاحق، سافر وزير الخارجية الأمريكي إلى العاصمة المصرية حيث التقى بالرئيس "عبد الفتاح السيسي" ووزير خارجيته "سامح شكري" ورئيس المخابرات "عباس كامل". وخلال اجتماعاته في القاهرة، نقل الوزير الأمريكي "تقدير بايدن للسيسي علي جهود الوساطة المصرية الحاسمة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، وللمساعدة التي قدمتها مصر لإجلاء المواطنين الأمريكيين".

وأضاف "بلينكن": "كان لدينا في مصر شريك حقيقي وفعال في التعامل مع العنف".

وبالرغم من حقيقة أن تعليقات الوزير تعكس تقدير الولايات المتحدة لدور مصر في وضع حد للعنف، إلا أن البيان الصحفي الذي صدر بعد الاجتماعات كشف أن أجندة "بلينكن" في القاهرة استُهلكت في موضوعات أخرى لا علاقة لها بوقف إطلاق النار. على سبيل المثال، كرر "بلينكن" التزام الولايات المتحدة بأمن المياه في مصر ودعم واشنطن لاستئناف المفاوضات تحت قيادة الاتحاد الأفريقي لحل النزاع حول سد النهضة الإثيوبي. كما تمت مناقشة قضايا أخرى مثل ليبيا والعراق وحقوق الإنسان.

من جانبها، أشادت "حماس" بالجهود التي تبذلها كافة الأطراف العربية والدولية، ووعدت بأنها "ستسهل مهمة إعادة الإعمار، وأن العملية ستكون شفافة وعادلة". وأكد القيادي البارز في حماس "يحيى السنوار" أنه "لن تذهب أي أموال لحماس أو القسام".

في الواقع، كان دور مصر في إنهاء الصراع أكثر من مجرد نقل رسائل بين الجانبين. فقد كانت فرصة لمعالجة جزء من تراجع النفوذ السياسي لمصر في الشرق الأوسط منذ سنوات بسبب التحديات الداخلية والخارجية. وخلال السنوات الماضية تراجع دور مصر كوسيط محايد في القضية الفلسطينية بسبب الحصار المشدد الذي تفرضه على قطاع غزة. وبينما واصلت مصر علاقات قوية مع السلطة الفلسطينية في رام الله، فقد أضعف الإسرائيليون دور السلطة الفلسطينية ولا يمكن اعتبارها لاعباً مؤثراً.

السيطرة على الضرر

في المحطة الأخيرة من رحلته إلى المنطقة، وصل "بلينكن" إلى عمّان، في 26 مايو/أيار، حيث التقى العاهل الأردني الملك "عبدالله الثاني" وشكره على دوره في تسهيل اتفاق وقف إطلاق النار. وأبلغ الملك وزير الخارجية الأمريكي أنه "يرحب بخطوة إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس". وذلك بالرغم أن "بلينكن" أشار إلى أن إعادة فتح القنصلية سيستغرق بعض الوقت.

وعلى غرار زيارته لمصر، لم تركز زيارة "بلينكن" للأردن على وقف إطلاق النار الذي قد ينهار في أي لحظة. بدلاً من ذلك، حاول "بلينكن" التخفيف من الضرر الذي أحدثته إدارة "ترامب"، وأكد أن السلالة الهاشمية هي الوصي على الأماكن المقدسة في القدس.

ولم يكن تأكيد الوصاية الهاشمية على المقدسات المسيحية والإسلامية مصادفة. فوفقًا لصحيفة "الجارديان" البريطانية، بعد الكشف عن محاولة انقلابية للإطاحة بالملك "عبدالله" ملك الأردن في مارس/آذار، فقد تبين أنه تم ترتيب المؤامرة من قبل ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" وصديقه المقرب "جاريد كوشنر"، صهر الرئيس الأمريكي الأسبق، "دونالد ترامب"، بموافقة ضمنية من الإسرائيليين.

وكانت نهاية اللعبة، كما ذكرت صحيفة "الجارديان"، هي "إعادة رسم خريطة إسرائيل وفلسطين" بما يتماشى مع ما يسمى بـ"صفقة القرن". وأشارت الخطة إلى "نية ضمنية لتقاسم السيطرة على مجمع الحرم الشريف في القدس، والذي حافظت السلالة الهاشمية على الوصاية عليه منذ عام 1924".

ولو تم تنفيذ هذه الخطوة، فإنها كانت ستدمر أهم ركائز قرارات مجلس الأمن الدولي السابقة واتفاقيات السلام بين الأردنيين والإسرائيليين. واعتبر الأردنيون محتويات الخطة "قاتلة" وتهدد بانهيار اتفاقية السلام الموقعة بين الجارتين في عام 1994، حيث يعتبر المسجد الأقصى وقبة الصخرة  مصدر رئيسي للشرعية بالنسبة للهاشميين، وذلك منذ عقود طويلة تعود لما قبل إنشاء الأردن وإسرائيل.

القضايا الجوهرية

وفي حين أن الأمور هادئة في الوقت الحالي، فإن وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه مصر مؤخرًا لم ينجح في معالجة القضايا الأساسية للصراع بين الاحتلال الإسرائيلي والفلسطينيين بل تشير الحقائق الجديدة على الأرض إلى أن الأمور قد تصبح أكثر تعقيدًا.

ويبدو أن دول المنطقة التي وقعت على ما يسمى بـاتفاقيات إبراهيم" لم تستطع لعب أي دور في الصراع. وعلى سبيل المثال، التزمت الإمارات الصمت إلى حد كبير.

وبالرغم من صمت دول التطبيع، فقد تعرضت حملة التطبيع لضربة كبيرة. وفي مايو/أيار، صوتت البحرين والسودان - وهما دولتان أقامتا علاقات رسمية مع إسرائيل - في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لصالح قرار يمهد الطريق لإجراء تحقيق رسمي في انتهاكات إسرائيل للقانون الإنساني الدولي.

وفي إسرائيل، حاولت الحكومات اليمينية المتعاقبة خلال العقدين الماضيين جعل "حل الدولتين" بعيد المنال من خلال توسيع المستوطنات في الأراضي المحتلة وعزل "حماس" بحصار بري وبحري وجوي على قطاع غزة.

ومع ذلك، فقد دمر العنف الأخير كل ما خططته ونفذته إسرائيل على مدار 50 عامًا من الاحتلال القمعي. لقد جعلت الأحداث الأخيرة الفلسطينيين موحدين في رفض الاحتلال وسلب الأراضي والعيش كمواطنين من الدرجة الثالثة في بلدهم. وفي الواقع، هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يدين فيها الرأي العام الدولي الفصل العنصري الإسرائيلي.

وهكذا، كان الرئيس الإسرائيلي، "رؤوفين ريفلين"، محقًا في قوله: "لقد انقلب العالم رأسًا على عقب". أما بالنسبة لحركة "حماس"، التي وصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل بالإرهابية، فقد أثار الصراع الأخير تضامنًا فلسطينيًا واسعا مع الحركة، ليس فقط في غزة ولكن في القدس والأهم من ذلك بين عرب إسرائيل.

ومن جهة أخرى تعرضت منظمة التحرير الفلسطينية لمزيد من التهميش، ما جعل عملية السلام الغائبة أكثر صعوبة. لذلك فإن المعركة الأخير في غزة تنذر بحرب أكبر لم نشهدها في الماضي، ربما لا تنفع معها الوساطة المصرية أو الأردنية.

المصدر | إنسايد أرابيا – ترجمة وتحرير الخليج الجديد