الثلاثاء 19 أكتوبر 2021 06:49 ص

قبل أسبوعين من لقاء نظيره التركي في مدينة سوتشي الروسية، استقبل الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" رئيس النظام السوري "بشار الأسد" في موسكو في 14 سبتمبر/أيلول.

وفي لقائه مع "الأسد"، وجه "بوتين" انتقادات إلى القوات الأجنبية في سوريا، واصفا وجودها بأنه غير قانوني، في إشارة إلى الولايات المتحدة وتركيا.

وبعد أيام، صعد الجيشان الروسي والسوري عملياتهما العسكرية في محافظة إدلب بعد 18 شهرا من الهدوء النسبي. وفي 26 سبتمبر/أيلول، قصفت طائرات روسية قوات للمعارضة السورية المدعومة من تركيا في عفرين شمال مدينة حلب، قبل أن تضرب ريف إدلب في مناطق لم تمس منذ بدء سريان وقف إطلاق النار الأخير في مارس/آذار 2020.

وقبل أسابيع فقط، في 9 سبتمبر/أيلول، اتهم وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" تركيا بأنها لم تفِ بالتزاماتها في إدلب.

وردا على التصعيد الروسي، أرسل "أردوغان" تعزيزات عسكرية إلى الخطوط الأمامية في ريف إدلب. وفي 27 سبتمبر/أيلول، أدان وزير الدفاع التركي "خلوصي أكار" روسيا، مشيرا إلى أنها تنتهك وقف إطلاق النار الذي توصل إليه "بوتين" و"أردوغان" في مارس/آذار 2020.

وفي حديث له من الحدود التركية السورية، قال "أكار" إن بلاده لا تستطيع التعامل مع موجة جديدة من اللاجئين السوريين، مضيفا أن تركيا ستمنع مثل هذا النزوح الجماعي من خلال ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة.

قمة صعبة

وللحفاظ على وقف إطلاق النار، سافر "أردوغان" في 29 سبتمبر/أيلول إلى سوتشي لعقد اجتماع مع نظيره الروسي، استمر لمدة 3 ساعات. وفي حين لم يصدر الثنائي بيانا مشتركا، فقد تم اعتبار الاجتماع بنّاء. وبعد ذلك، قال "بوتين" للصحفيين الروس: "هناك صعوبات في المحادثات لكن نصل في النهاية إلى نتائج إيجابية".

وفي طريق عودته إلى أنقرة، قال "أردوغان" للصحفيين الأتراك إنهما ناقشا تحقيق "حل نهائي ومستدام" لسوريا. وتركت هذه الكلمات الغامضة تساؤلات حول ما حدث بالفعل في سوتشي وما يعنيه ذلك لمستقبل محافظة إدلب.

وعندما وصل إلى أنقرة في 30 سبتمبر/أيلول، ترأس "أردوغان" اجتماعا لمجلس الأمن القومي التركي، قائلا إن العمليات التي تستهدف المدنيين في سوريا ستؤثر بشكل مباشر على "التوازن الهش وتجعل من الصعب الوصول إلى حل دائم".

ثم جاءت كلمات المتحدث باسم الرئاسة التركية "إبراهيم قالين" بعد أيام في 6 أكتوبر/تشرين الأول، قائلا: "ينتقدنا بعض أصدقائنا الأوروبيين لنشر قوات في سوريا في حين أن ذلك كان سببا في عدم نزوح المزيد من اللاجئين. وفقط لأن الجنود الأتراك موجودون في إدلب، فإن 2.5 مليون شخص لا يفرون من المنطقة". ونفى مزاعم انتهاك تركيا للقانون الدولي، قائلا: "لدينا الحق في الدفاع عن النفس هناك. وإذا مُنحت روسيا والولايات المتحدة الحق في دخول سوريا، فلدينا نفس الحق".

لكن وزير الخارجية الروسي لا يعتقد ذلك. وغالبا ما أشار "لافروف" إلى أن التدخل الروسي والإيراني جاء "بتكليف من الحكومة السورية الرسمية"، بينما وجود القوات التركية لا يزال غير قانوني، نظرا لعدم تلقيها مثل هذه الدعوة للتدخل من قبل نظام "الأسد".

ومؤخرا، في 4 أكتوبر/تشرين الأول، بدا أن "لافروف" ينتقد الوجود التركي حين قال إن "التهديد الإرهابي في إدلب مستمر"، في إشارة إلى "هيئة تحرير الشام".

تاريخ من التعاون وانعدام الثقة

ومنذ دخول روسيا الصراع السوري في عام 2015، فقد أظهرت براجماتية تجاه تقاسم مجالات النفوذ مع تركيا، بالرغم من اختلاف الدول حول نهاية اللعبة في سوريا.

ولا تشترك أنقرة وموسكو في نفس التفسيرات للاتفاقيات التي وقّعاها على مر السنين، بدءا من مناطق خفض التصعيد في مايو/أيار 2017 والتي جرى تطبيقها في ريف دمشق وحمص ودرعا وإدلب. وأصر الروس على أن تلك الاتفاقيات كانت مؤقتة بجدول زمني لا يزيد عن 6 أشهر وكانت مرتبطة بالتزام أوسع لمحاربة الجماعات الإرهابية مثل تنظيم "الدولة الإسلامية" و"جبهة النصرة" التي أصبحت "هيئة تحرير الشام" الآن.

ومع ذلك، اعتبر "أردوغان" مناطق خفض التصعيد دائمة، لا سيما في إدلب. وتتعارض كل المحاولات الروسية لإعادة السيطرة على المحافظة مع اتفاقية خفض التصعيد التي لم تعد ملزمة، بحسب الروس.

ثم جاءت اتفاقية سوتشي لعام 2018، التي دعت إلى إنشاء منطقة منزوعة السلاح في إدلب على عمق 15 إلى 20 كيلومترا. ومقابل وقف القتال في إدلب، وعد "أردوغان" بتطهير المحافظة من "هيئة تحرير الشام" وإعادة فتح الطرق السريعة الرئيسية بحلول ديسمبر/كانون الأول 2018، وهي طريق اللاذقية حلب السريع "إم 4"، والطريق السريع حلب حماة "إم 5". وكلا الطريقين مهم للتجارة بالنسبة لـ"هيئة تحرير الشام" ونظام "الأسد". ومع ذلك، لم يحدث أي من ذلك، ولا يزال الجانبان يتبادلان الاتهامات بشأن المسؤول عن انهيار اتفاقية سوتشي.

وعبّر "بوتين" مرارا عن غضبه مما اعتبره عدم التزام "أردوغان" بالاتفاق. وأعطى "بوتين" الضوء الأخضر للنظام السوري لإطلاق النار على القوات التركية في يناير/كانون الثاني 2020. وكاد هذا التصعيد الكبير أن يجر روسيا وتركيا إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

وتم تفادي مواجهة عسكرية شاملة باجتماع بين الرئيسين في مارس/آذار 2020 أنهى التصعيد مقابل تخلي تركيا عن جميع المدن التي استعادتها قوات النظام السوري. وأنشأ الزعيمان منطقة آمنة حول "إم 4" ودوريات روسية تركية مشتركة على طول "إم 4". ولم يحدث أي منهما بسبب تصعيد قوات النظام السوري وهجمات "هيئة تحرير الشام".

وكان الجزء الأساسي من سوتشي هو "القضاء على الإرهابيين". وبدلا من إرسال القوات التركية أو الوكلاء السوريين إلى ساحة المعركة، يبدو أن "أردوغان" قد اتخذ نهج تشجيع "هيئة تحرير الشام" على أن تكون "معتدلة"، وحارب المنشقين المعروفين باسم "حراس الدين"، وهو فرع من تنظيم "القاعدة" أكثر تطرفا من "هيئة تحرير الشام".

المقايضات الإقليمية

وبالإضافة إلى التفسيرات المختلفة لهذه الاتفاقيات، يختلف "أردوغان" و"بوتين" أيضا حول الأولويات. وبالنسبة لـ"أردوغان"، فإن التهديد الكردي شرق نهر الفرات يتصدر جميع الأولويات الأخرى في سوريا، بينما شدد "بوتين" على أن "تحرير" إدلب يتصدر قائمة أولوياته.

ووسط التصعيد الأخير، طرح الخبراء الأتراك اقتراحا سابقا بتسليم طريق اللاذقية حلب السريع "إم 4" الذي يمر عبر إدلب مقابل إجبار روسيا لوحدات حماية الشعب الكردية على الابتعاد 30 كيلومترا عن الحدود التركية.

وبالعودة إلى ديسمبر/كانون الأول 2016، نجد أن الأتراك تخلوا عن مدينة حلب الاستراتيجية في مقابل غض الطرف عن سيطرة أنقرة على جرابلس والباب وإعزاز. وشكل ذلك نواة ما أصبح يعرف بمنطقة "درع الفرات"، حيث قادت تركيا عملية عبر الحدود لطرد تنظيم "الدولة الإسلامية" و"وحدات حماية الشعب" من حدودها مع سوريا.

ثم جاء تبادل آخر في بداية عام 2018، عندما تجاهل الروس عملية تركية في مدينة عفرين غربي الفرات، مقابل السماح لقوات النظام السوري بالسيطرة على معاقل المعارضة في الغوطة الشرقية. وفي كلتا المناسبتين، بدا "أردوغان" على استعداد للتضحية بوكلائه السوريين مقابل إحراز نقاط ضد "وحدات حماية الشعب" الكردية.

وعادت المحادثات حول تبادل الأراضي إلى الطاولة الآن، وسط اعتقاد تركي روسي مشترك بأن الولايات المتحدة تستعد لفك الارتباط مع الشرق الأوسط، كما فعلت في أفغانستان. وإذا سحبت الولايات المتحدة قواتها من سوريا، فإن ساحة المعركة السورية ستكون متاحة للتقاسم بين أنقرة وموسكو.

وخلال العامين الماضيين، حاول "بوتين" إحياء اتفاق أضنة، وهو اتفاق بين دمشق وأنقرة تم إبرامه عام 1998 للحفاظ على منطقة عازلة على طول الحدود التركية السورية. ولن يعيد ذلك العلاقات الأمنية بين سوريا وتركيا فحسب، بل سيعمل أيضا على استقرار المنطقة الحدودية بأكملها.

وكان الاتفاق قد جاء في الأصل لاستئصال حزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية. ويمنح اتفاق أضنة الأتراك الحق في دخول ما يصل إلى 5 كيلومترات داخل الأراضي السورية لملاحقة حزب العمال الكردستاني. ووافق "أردوغان" على العودة إلى الاتفاق مع تعديلات تشمل توسيع المنطقة التي يمكنه الدخول إليها حتى 30 كيلومترا.

ولا يبدو أن "بوتين" ولا السوريين يمانعون هذا الاحتمال. ولمنح "أردوغان" طبقة إضافية من الأمن، يطرح الروس فكرة نشر قواتهم على طول الحدود لإبقاء حزب العمال الكردستاني بعيدا.

وبعد كل شيء، تبقى سوريا واحدة من بين العديد من القضايا الثنائية العالقة، من ليبيا إلى ناغورني قرة باغ، ويدرك كل من "أردوغان" و"بوتين" أنه ليس لديهما ما يكسبانه من الخلاف الإضافي حول محافظة إدلب، فالاتفاق أسهل بكثير وأقل تكلفة من التصعيد ولا سيما الدخول في حرب.

المصدر | إبراهيم حميدي - أتلانتيك كونسيل - ترجمة وتحرير الخليج الجديد