الإمارات بعد السعودية تسعى للوساطة في أزمة أوكرانيا.. هل تنجح؟

الخميس 24 نوفمبر 2022 01:52 م

بينما كان يضع يده بيد رئيس الإمارات الشيخ "محمد بن زايد"، في مدينة سان بطرسبرغ، قال الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، إن بلاده مهتمة باستمرارية جهود الوساطة الإماراتية بشأن الحرب الدائرة في أوكرانيا.

هكذا تحدث "بوتين" في 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قبل أن يكشف النقاب عن لقاء يعقد بين وفدين روسي وأوكراني، بعد شهر واحد، في الإمارات، لمناقشة إمكانية تبادل أسرى الحرب.

المصادر التي كشفت عن اللقاء أشارت إلى أن هذه المباحثات قد ترتبط باستئناف صادرات الأمونيا الروسية التي تستخدم في صناعة الأسمدة إلى آسيا وأفريقيا، عبر خط أنابيب أوكراني.

المحادثات بين الممثلين عن روسيا وأوكرانيا، جرت بوساطة إماراتية، دون حضور أي ممثلين عن الأمم المتحدة، على الرغم من الدور الرئيسي للمنظمة الدولية في التفاوض على المبادرة الحالية لتصدير المنتجات الزراعية من 3 موانئ أوكرانية على البحر الأسود.

وكانت أوكرانيا وتركيا قد أكدتا قبل بضعة أيام تمديد اتفاق تصدير الحبوب 120 يوما، ورحب الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو جوتيريش" باتفاق جميع الأطراف على تمديد الاتفاق.

والوساطة الإماراتية الجديدة، تأتي بعد نحو شهرين من نجاح جهود سعودية بـ"دور مباشر وشخصي" من ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان"، في الإفراج عن سجناء أجانب، كانت تحتجزهم قوات تابعة للانفصاليين الأوكرانيين الموالين لروسيا.

وجاء الإفراج عن 5 بريطانيين وأمريكيين اثنين ومغربي وكرواتي وسويدي، اعتُقلوا أثناء قتالهم إلى جانب الحكومة الأوكرانية على مدار الأشهر الماضية.

وحافظت الإمارات على مسافة واحدة من أطراف الصراع منذ بداية الحرب، كما أنها عضو غير دائم حالياً في مجلس الأمن الدولي، ما يجعل وساطتها محل اهتمام من أعضاء المجلس الآخرين.

فخلال الأشهر الماضية، زار "بن زايد" روسيا والتقى "بوتين"، وقام بالاتصال الهاتفي أكثر من مرة بالرئيس الأوكراني "فولوديمير زيلينسكي".

و"بن زايد" واحد من قلة من الرؤساء الذين قرروا زيارة روسيا منذ بداية غزوها لأوكرانيا في فبراير/شباط الماضي.

وسبق أن امتنعت الإمارات عن التصويت على مشروع قرار أمريكي وألباني في مجلس الأمن يدين الغزو الروسي لأوكرانيا، ويطالب موسكو بسحب قواتها، لكن بعد عدة أيام صوتت لصالح قرار يدين الغزو في الأمم المتحدة.

ومع ذلك، تعززت العلاقات بين الإمارات وروسيا، خاصة داخل إطار "أوبك+"، حيث أكدا ضرورة "المحافظة على استقرار سوق الطاقة"، وهو ما ظهر جليا في قرار المنظمة قبل أسابيع خفض إنتاج النفط.

ووفق تقارير ومراقبين، فإن الإمارات لا تريد الإضرار بعلاقاتها مع روسيا، خاصة أنهم "يعملون معًا في ليبيا وأماكن أخرى في أفريقيا".

ولطالما كان يُنظر إلى الإمارات، لا سيما إمارة دبي، على أنّها نقطة جذب للاستثمارات الروسية، ووجهة النخب الروسية لقضاء الإجازات، وهو ما ظهر بعد الحرب، عندما استقطبت مئات الأغنياء الروس وثرواتهم، ممن فرض عليهم الغرب عقوبات اقتصادية.

كما أن التجارة بين البلدين نمت 10 أضعاف منذ عام 1997 لتصل إلى 5 مليارات دولار في عام 2021، كما تستحوذ أبوظبي على 55% من إجمالي التجارة بين روسيا ومنطقة الخليج.

فضلا عن ذلك، فإن الإمارات لا تريد الإضرار بعلاقتها مع الغرب، ما يجعلها تأخذ جانب أوكرانيا.

كما قدمت عشرات الملايين من المساعدات لأوكرانيا ولاجئيها، خلال الأشهر الماضية.

وسبق أن شرح مستشار الرئيس الإماراتي للشؤون الدبلوماسية "أنور قرقاش"، "موقف الإمارات"، بالقول: "نؤمن بأن الاصطفاف والتموضع لن يفضي إلا إلى مزيد من العنف، وفي الأزمة الأوكرانية أولوياتنا تشجيع جميع الأطراف لتبنّي الدبلوماسية والتفاوض لإيجاد تسوية سياسية تنهي هذه الأزمة".

ووفق المحلل السياسي "محمد تقي"، إن الإمارات منذ بداية الأزمة التزمت صفة الحياد، ولعبت دور الوسيط بين طرفي الصراع.

ويؤكد أن الإمارات تحاول استغلال علاقاتها الدبلوماسية مع كل من الولايات المتحدة وأوكرانيا وروسيا كقوة دبلوماسية ناعمة لحل هذه الأزمة.

ولعل مساعي الإمارات الأخيرة حول تبادل أسرى الحرب بين روسيا وأوكرانيا وارتباطه باستئناف صادرات الأمونيا الروسية التي تستخدم في صناعة الأسمدة إلى آسيا وأفريقيا، عبر خط أنابيب أوكراني، هو امتداد لدور سعودي وتركي سابق.

وبينما تفاوضت الرياض على إطلاق سراح السجناء الدوليين في سبتمبر/أيلول ونجحت في ذلك، كان مفهوما أن تركيا توسطت في تبادل الأسرى الأوكرانيين والروس، قبل أن تنجز مهمتها في اتفاق تصدير الحبوب، بل وتمديده لاحقا.

ولعقود من الزمان، سارت القوتان القويتان في الخليج، السعودية والإمارات، على إيقاع الولايات المتحدة، لكنها مؤخرا أظهرا كيف تنتهجان سياسات خارجية أكثر استقلالية في الوقت الذي يعمقان علاقاتهما مع خصمي واشنطن في موسكو وبكين.

وتعتقد كل من الإمارات والسعودية أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تنفصل عن الشرق الأوسط، ولقد عبّرا عن استيائهما من سياسات الولايات المتحدة في أكثر من مناسبة.

ولا يزال المسؤولون السعوديون والإماراتيون يصرون على أن الولايات المتحدة هي الشريك الخارجي الأساسي لهم، ومع ذلك، تعمل موسكو على تعميق وجودها في الشرق الأوسط.

وهنا يثار تساؤل، هل ينجح حياد دول الخليج في التوصل لحل ينهي الحرب الروسية الاوكرانية، أم أن دورها سيقتصر فقط بين فترة وأخرى حول تبادل أسرى؟.

يقول المحلل السياسي الإماراتي "حسن إبراهيم النعيمي"، إن دول الخليج العربي باتت وازنة وذات تأثير على المستوى الدولي، لافتا إلى أن الأمر لا يقتصر على السعودية والإمارات فحسب، بل تعتبر قطر لاعبا أساسيا في هذه الوساطة.

ويؤكد أن دول الخليج تأمل أن تنجح تحركاتها الدبلوماسية في حلحلة الأوضاع، ووضع حد لمنع انزلاق العملية العسكرية، وتطورها إلى حدود لا يمكن السيطرة عليها.

ويتفق معه الكاتب والمستشار السعودي في المنازعات الدولية "سعد عبدالله الحامد" الذي يقول إن الظروف الدولية الحالية، وانعكاسات الأزمة على العالم بأكمله في عدة مجالات اقتصادية، لا سيما مجال الطاقة العالمية، والخوف من أزمات الغذاء والتضخم والركود وارتفاع أسعار النفط، وكذلك المخاوف من تصعيد الصراع العسكري أوجد أهمية إيجاد وساطة حيادية إيجابية قادرة على إقناع الجميع بوقف الحرب.

ويوضح أن دول الخليج العربي، لا سيما السعودية والإمارات وقطر، تملك الصفات التي تؤهلها أن تلعب هذا الدور بقوة، بعد أن تبنت نهجًا محايدًا منذ بداية الأزمة بين روسيا وأمريكا والغرب، ونادت بإنهاء المعارك بطرق سلمية، كما نأت بمنظمة الأوبك عن الدخول في تلك التجاذبات.

ويشير إلى أن الوساطة الخليجية تأتي من عدة دول، حيث نشهد محاولات قطرية من خلال التواصل مع "زيلينسكي"، وكذلك نجاح السعودية في إيجاد وساطة لتبادل الأسرى بين موسكو وكييف، وزيارة "بن زايد" إلى روسيا.

ويرى أن "دول الخليج يمكنها انطلاقًا من هذه المقومات، طرح وساطة فعالة تقبلها روسيا وأمريكا والدول الغربية، وتحفظ ماء الوجه لكل الأطراف، لوقف التصعيد العسكري، لا سيما في ظل الدعم العسكري الغربي والأمريكي الكبير لأوكرانيا، والذي غير شكل المعارك ودفع روسيا لتصعيد عمليتها العسكرية وإثبات قدرتها على مجابهة كل تلك التعزيزات الغربية".

ويعتقد المستشار السعودي أن هناك إمكانية لنجاح الوساطة الخليجية، لا سيما أن هذه الدول طالما كانت شريكًا وحليفًا استراتيجيًا لموسكو وواشنطن، وتحاول إيجاد هذا التوازن في ظل تنامي الروابط السياسية والاقتصادية مع موسكو، والنقد الغربي والأمريكي الذي يطالها بسبب هذا الأمر، لا سيما بعد قرار "أوبك+" الأخير.

المصدر | الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

وساطة الإمارات الخليج السعودية روسيا اوكرانيا تبادل أسرى